زياد ملمع الديكتاتور ولماذا تمنيت أن يضرب المحققان ‘المتهم’؟!

حجم الخط
11

على الرغم من أن أحدا لم يسلم من لسانه الثقيل ونقده ‘السئيل’، فهو بارع في اللف والدوران وإدخال الأمور ببعضها مثل براعته في قطف أزهار الألحان من بساتين الشعوب، والحديث لمدة ساعة كاملة من دون أن تخرج منه بخلاصة أو بفكرة محددة. أو حتى تفهم لماذا أو كيف أو ماهي أسباب القضية موضع الحوار! تماما مثل أسلوب الرئيس المفصول عن الواقع صاحب الخطابات الشهيرة التي لا تفضي إلى شيء، والذي يقلد طريقته سونغا الحمصي ببراعة قائلاً: ‘علينا أن نلبي مطالب الشعب، فإذا قال الشعب الموت ولا المذلة فعلينا أن نلبي رغبته’!
تعرفون من هو سونغا؟ صاحب صفحة الثورة الصينية ضد طاغية الصين، حسناً سأحدثكم عنه يوما في مقال آخر.
دعونا نبقى مع الشخصية الفضائية التي خسرت مؤخراً شعبيتها الكبيرة ومن المحزن أن يخرج فنان للعلن ويعلن آراءً تخالف كل القيم الحرة التي كان يتشدق بها طيلة عمره ويأكل بها رأس الأجيال من الشباب اللبناني والسوري، فيحبونه ويحبون فنه ويقبلون كل ما يتفوه به على أنه جزء من شخصيته الفريدة.
سنشكر الثورات العربية كثيراً لأنها فعلت ما عجز عنه كثير من دعاة الفكر اليساري والعلماني وحتى الديني لقد حطمت الأصنام والأوثان والأقنعة وأزالت الهالة التي تحيط بالبعض ولم يعد لدى الناس كبير إذا أثبت بالتصرف والكلام أنه صغير يدعي شيئا ويأتي بغيره أو ينهى عن فعل ويأتي بمثله.

كل الحق على ‘فيسبوك’!

أجل تخمينكم بمحله، أنا أتحدث عن زياد الرحباني المؤلف الموسيقي والملحن والمنظر السياسي والكاتب الصحافي والمؤلف المسرحي والممثل سليل الرحابنة ابن فيروز رفيقة الفجر والشروق وجهجهة ضوء النهار. تابعت لقاء معه في برنامج ‘المتهم’ على شاشة LBC والذي يقدمه كل من رجا نصر ورودولف هلال، بشكل ظريف حيث يرتديان ما يشبه زي محققين، ويبدآن بكيل الاتهامات للضيف وانتزاع الاعترافات. في الحقيقة وقبل أن أبدأ بوضع أصابعي في العين العوراء، كان يمكن للبرنامج أن يكون أكثر تشويقاً وإثارة في حال أجاد المذيعان فعلا أداء دورهما بقوة أكبر ولم ينساقا وينجرفا لضيف كزياد، فما معنى أن يوجها له اتهامهما الأول بأنه كثير الاستطراد بحديثه، ثم يتركاه ليستطرد في كثير من الأسئلة بطريقة ميعت السؤال وميعت الإجابة، خصوصا أنه كان يتوقف عندما يريد توجيه الرسائل للآخرين.
أكثر ما أثار استغرابي أن زياد الذي عاش متمردا يضرب بآرائه الآخرين، أصبح يعيش هاجس ‘فيسبوك’ و’تويتر’، هاتين الوسيلتين اللتين أتاحتا للجمهور العربي أن يتعرف على ماتعنيه عبارة حرية التعبير عن الرأي. وتكرر في حديثه أكثر من مرة السخرية من فيسبوك لا بل وأنه يفكر باللجوء إلى القضاء لأن شيئا ما حدث الحقيقة لم أفهم لم هو ساخط غلى هذا الحد على شقيقته ووالدته وعلى فيسبوك. فهو روى ثلاث حكايات متداخلة منها أن ريما مديرة أعمال فاشلة وتدير موقعا على فيسبوك، تنشر أغنية مصورة للسيدة فيروز بلا إذن أو حقوق من زياد وذكر شيئا عن المحامين وهدد مسؤولا وبرطم كثيراً بين الكلام!
والحكاية الثانية أن زلمة طيب حسب تعبيره (جاية من آخر الدنيةمن الأراضي المحتلة من فلسطين- ليهدي لوحة يف بيشوفها لفيروز) وأخته ريما رفضتها وسخرت منها ومالقى مين يستلمها منه!
أما الحكاية الثالثة فهي أن الفيسبوك يسيء إلى عاصي ومنصور وأن على الأمر أن يحل بالقضاء وإلا سيضر زياد للجوء لمحاسبة فيسبوك أو للشكوى لفيسبوك.. والله مافهمت شو بالضبط.
لكن ما كان واضحاً وجلياً أن هناك قطيعة تامة بين زياد ووالدته وشقيقته منذ سبعة اشهر وأنه ينكش عن سبب ليجعل لهذه القطيعة سببا مادياً، بينما في الحقيقة وحسب أسلة المذيعين المحققين مثل:
– أنت متهم بإفشاء سر السيدة فيروز!
– هل الست فيروز داعمة لحزب الله؟
– هل استغليت فيروز لأغراض سياسية؟
أترك لكم متعة اكتشاف الإجابات من متابعة الحلقة الطريفة إذا كان عندكم وقت وغذا كان يهمكم معرفة كم يستحق زياد القطيعة.

الجمل لو شاف..

لا أعرف لماذا لم يفكر زياد مرتين قبل أن يخرج هذه القصة العائلية ليضخمها ويطرحها على أنها سبب القطيعة! ربما لكي لا يعترف صراحة أنه أساء لوالدته ولتاريخها وللخط الذي انتهجته طيلة عمرها أن تلتزم الصمت تجاه القضايا السياسية خاصة عندما يكون هناك انقسام شعبي. وأن شقيقته لم يهن عليها فسارعت عبر فيسبوك لتلوم شقيقها وتعتذر لعشاق فيروز. لكن زياد في اللقاء استطرد واستطرد وأستفاض في الاستطراد ومازال مستمرا في التخبيص.
لا أعرف كيف يدافع فنان طيلة عمره عن حقه في الانخراط بالحزب الذي يريد، واعتناق الدين الذي يريد، وتأييد من يريد، وتأليف وتلحين مايريد، ثم ينتقد فناناً آخر لأنه فعل ذات الشي واستخدم حقه وحريته في ذلك. كان من غير اللائق أن يجيب زياد عندما سئل عن رايه بتحول فضل شاركر من الغناء العاطفي للغناء الثوري والديني، مهما كنت ضد الخط الذي اختاره (خلينا نجرب حدا شو بيصير فيه إذا بياخد حبوب للأحصنة، يمكن بتصير كر أو جحش)!!
من الغريب أن يتهم زياد الفنان الموسيقي الأستاذ المبدع العبقري معارضا لفكره السياسي بأنه يتعاطى حبوبا.
مازلت أذكر توصيفا للإعلام على لسان زياد الرحباني في لقائه مع يسري فودة، حيث وصف الإعلام العربي بأنه فالت! في الحقيقة تصريحات زياد وتوهانه وعدم تركيزه وخلطه وتشتته تؤكد أن الإعلام فالت. تمنيت أن يستجمع المحققان- اللذان كانا مشغولين بمحاولة رتق ما تفتق من برنامجهما بضحكات متفرقة للإيحاء بهضامة الضيف – شجاعتهما زياد فلقة حقيقية، ربما يصحو ويشعر بأنات المعتقلين في السجون السورية، ويسمع لهيب بكاء أمهات شهداء سوريا الشعب سوريا الناس سوريا الأرض وليس سوريا الكرسي وسوريا المصالح وسوريا الظلم وسوريا الصمت والخوف.. سوريا الأسد.
أنت متهم بتلميع صورة الديكتاتور، بالاستماتة في الظهور من صحيفة إلكترونية إلى أخرى ومن محطة إلى محطة لتلميع صورة الديكتاتور، وأنت من المدرسة اليسارية المهترئة والتي كل منظريها وزعمائها ديكتاتورية، اليسارية الواهية الهشة المتطرفة التي أرعبتها ثورة الشعب عندما رأت أنها حقيقة وليست مجرد محاضرة حزبية.
كما اتهمك المحققان، أنت ملمع ديكتاتور، وأنت ملمع حزب ديني متطرف، لا بل وأفدح، أنت متهم بأنك خيبت أمل جيل طويل عريض كان محملا بأحلام الحرية والعدالة والدولة المدنية. فتخليت عنهم. كم كنت ستعمل فرقاً لو أنت وقفت على الأقل مع الفنانين الموسيقيين السوريين الموهوبين الذين عملت معهم وتعرف حق المعرفة أنهم ثوار سلام، وليسوا متطرفين ولا جهاديين ولا قاعدة. وأمك معها حق في مقاطعتك.. خرجك الله لا يقيمك.

‘ كاتبة وإعلامية سورية
@nasrine_tr

 

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية