إذا كان الشر ينشب أظافره الحادة في كل موجود، لمجرد أنه كائن متناه محدود، فإن الإنسان وحده هو الذي يستشعر الشر بوصفه حدا من الحدود..
إن الشجرة الوحيدة المنعزلة لا تشعر بالشقاء، والمنزل المتهدم المتداعي لا يعرف معنى التعاسة، وأما الإنسان فهو كما قال بسكال موجود شقي يعرف أنه شقي! ولا ينحصر شقاؤنا في شعورنا بالنقص، والحرمان، والألم، والملل، والمرض، والشيخوخة، وشتى مظاهر الفناء، بل إن هذا ‘الشقاء’ ليرتبط ارتباطا وثيقا بشعورنا الأخلاقي نفسه’. (10) بهذه المقدمة عن الشر تبدو رواية ‘وشوشات الودع’ بتيمتها الأساسية وكأنها صدام حاصل بين الخير والشر في صورته النهائية كما قال باسكال. وكما تدلنا التجربة على أنه مهما كان من تعدد أنواع الفضائل، بل مهما كان من اختلاف أشكال الضمير والشعور الأخلاقي، فإن من شأن ‘الخير’ بالضرورة أن يوحد فيما بين تلك الأنواع من الفضائل، وأن الإنسان بطبعه ميال لواقع الخير ونزعة الشر وهو ما تحكيه رواية ‘وشوشات الودع’ للكاتبة منى عارف في بعدها الإنساني والمستمد من متخيل واقعي سائد في كل زمان ومكان.
تبدأ الرواية بمونولوج داخلي يراوح هواجس الساردة (الراوية) ساعة أذان المغرب تقول فيه أن ‘: كل ما أعرفه عن العالم هو ما قاله لي ذات يوم لم أكن حينئذ أجيد الإنصات، وأتعجب كيف كان يقرأ عيوني ويمنحني نورا ما زال يسطع في قلبي!! مر ليل، مر نهار، مر عمر، كم من الوقت تبقى؟ وحين نظرت إلى تلك الأجواء من حولي، كان صوته قد تباعد.. ورحل.. وها هو يرتد صدى لموضعه’. (11) بهذه الهواجس وتداعيات الخواطر الذاتية حولها يبدأ النص ويسير في اتجاهات عدة ومسارات مختلفة يطرح في كل منها رؤى تتمحور حول طبيعة المناخ الذي تتم فيه الأحداث، هو في هواجس الراوية وبوحها الذاتي مع نفسها أمر يعطي مؤشر على طغيان الذات على نفسها ومراوحة النفس مع ذاتها من هول ما يجري على مستوى الواقع المعيش، الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي يجول ويصول فيما يحدث على مستوى الواقعي والمتخيل في رؤية الساردة الراوية للأحداث تقول الساردة’: العصفور يستطيع أن يختار الشجرة، لكن الشجرة لا تستطيع أن تختار العصفور، من منا يستطيع أن يختار قدره… مصيره أو حياته؟؟ (12) بهذه الأسئلة والأفكار تسير الرواية وسط حقول من الألغام ومنعطفات وتداخلات واقعية ومحاولات سردية للوصول إلى حقيقة ما يحدث داخل النص وما يجري في الحياة من أحوال وممارسات وتأزمات. في أول حكايات النص والمعنون بـ ‘ستوتة’ تبدأ الساردة بهذا المشهد’: أثناء نزهتي اليومية قبل العصر على الكورنيش، كنت ألاحظها وصرت أراقبها من بعد، يدنو إليها من كل صوب وحدب أولا وبنات في عمر الورد.. سيدات من مقتبل العمر.. عاشقات يبحثن في عالم الغيب عن واقع لحلم ربما أو يتعلقن بشبه أمل.. ومضة.. شعاع.. حبل وصل ليصلن أو يربطن به اليوم بالغد’. (13) وتبدأ من هنا الوشوشة الأولى للودع، وترن الكلمات في فضاء النص ويكسو المحيا الجميل بالفتنة والرهبة وسط هذه الكلمات الدالة ‘أبين زين.. أبين.. ارمي بياضك يا شبة’. بهذه الكلمات المألوفة في مثل هذه المواقف. ومن خلال الموروث الأنثربولوجي الخاص بهذه الفئة من الغجر الذين يمتهنون قراءة الطالع ومعرفة الغيب تبدأ أولى أحداث النص في تواتر للمشاهد على مستوى الواقع كفيلم سينمائي له مشاهده الخاصة، (لولة) المرأة الحديدية في ممارساتها الذكية في خبرتها والقائمة على أول الحكاية للإيقاع بمن تريد الإيقاع بهم’: على أريكة وثيرة في صالون أنيق، تتسامر امرأتان على قدر كبير من الأناقة وبعض لمحات من جمال ولى مع الأيام، تضحكان مسبقا على المقلب الساخن الذي أشربتاه لزميلتهن في العمل، وكيف خططوا هم وباقي الشلة لإحراجها مرة، وافتعال المشاكل مرة أخرى، والتنكيل بالزميلة العنيدة التي لا تريد أن تمرر التوقيعات المزيفة’. (14) ويصبح التدمير والتأليب هواية من الهوايات. وكثيرا ما يقترن الأذى بإطلاق الشائعات على أمل أن ما لا تصيبه الفتنة تصيبه الكلمة ويصبح عمل الدسائس هو الشغل الشاغل’. (15). ولا زالت ستوتة تحكي بلسان الودع وما يشير به عليها من حكايات ونوادر وأقوال’: أعطيها كف يدي اليمنى ‘ارمي بياضكِ’ أعطيها ورقة بعشرة، استفتاح يعني، وإذا بسيل من الحكي ينهمر، يمس أوتار القلب التي سكنتها الوحشة ولوعة الحنين، طال الغياب!!!’. (16) ومن خلال هذه الشخصية المبتدعة ضمن هذه المواضعة الروائية بطريقتها في السرد والعرض لم تكن قادرة على الاستقلال عن الكاتبة ذاتها ما أدى إلى تماهي لغة الكاتبة بلغة الشخصية الرئيسية وفرض نوع من التماذج بين الذاتي والموضوعي خاصة في رصد الواقع الأنثوي التي عايشته الشخصية داخل النص والتي تشير فيه إلى حكايات الفساد السائدة في الواقع الاجتماعي القريب من صانع القرار وكبار المسئولين، كما يشير على وجه الخصوص إلى قضية الرشوة الكبرى التي انزلقت فيها الراوية وأصبحت تشكّل لها تأزمات نفسية حادة. كما تشير أيضا إلى أمراض العصر التي تفشت في المجتمع وانعكست على أوجه الحياة المختلفة خاصة فيما تمارسه النخبة والصفوة في هذا المجتمع من ممارسات أدت إلى إنقسام الحياة تماما إلى قسمين رئيسيين قسم يعج بأصحاب الملايين من رجال الأعمال المهيمنين والمسيطرين على أوجه الحياة الاقتصادية في المجتمع. وبين المهمشين الذين يعيش بعضهم تحت خط الفقر خاصة في المناطق العشوائية التي انتشرت في أنحاء البلاد. مجموعة من رجال الأعمال ترأسهم السيدة ‘ليلى فكري’ المشهورة بأسم (لولة) شخصية متسلطة متسلقة تستخدم جمالها في السيطرة والتحكم، لها توجهاتها النفعية الخاصة، يلتف حولها عدد من رجالات السلطة وصناع القرار، هذا هو مناخ النص منذ بدايته، وما بين الشر والألم شعرة قصيرة، يقول عنها (ليبنتس) ‘: أن هناك الشر الميتافيزقي الذي هو مجرد تعبير عن النقص، ثم هناك الشر الطبيعي الذي يتمثل في صورة الألم، وأخيرا هناك الشر الخلقي الذي ينحصر في الخطيئة’. (17) وهو ما حواه النص من فساد في مجتمع رجال الأعمال والنساء المتحلقين حول عالمهم المادي والخلقي واللامعقول الكامن في صميم الوجود، تشير الراوية حول عالمها التي تصارعه وتتصادم معه،: ‘ها هي الخيالات تعاودني مرة أخرى، ولمحة من صورتي وأنا أمام مدخل الإسكندرية الصحراوي.. اقتربنا من البوابة، رذاذ مطر خفيف’. (19) أصوات القهر والقمع الذكوري تختلط بأصوات مرتعشة تقود سيارتها وهي تقترب من المكان، في تداعي خواطرها وبوح الذات حول حياتها مع زوجها الذي يمارس سطوة سلطته الذكورية في المنزل بطريقة قاهرة للغاية. في المنزل وبعد حمام دافئ تستدعي مقولة لغاستون باشلار يقول فيها’: تكفي ليلة شتاء واحدة، يصفر فيها الهواء حول البيت، ونار مضيئة، لكي تجعل روحا متألمة تسرد فيها أوجاعها وذكرياتها’. (20) وتتواتر الأحداث في تداخل سريع وبطيء، وممارسات حياتية وصدام مع جوانب الشر المتأصلة في نساء النص بمختلف مشاربهم وأهوائهم وتوجههم، ولا زالت الراوية مع وشوشات الودع وستوتة وارمي بياضك،: ‘إن ما يخفيه القلب يكون دائما أكثر مما نجرؤ على أن نستودعه أحدا، أو نستأمن أحدا عليه، أو حتى مجرد تكراره مرة أخرى.. يصبح الألم هنا، جزء من أقصوصة جيدة الحبكة وغير محتملة’. (21) ومع ممارسات الشخصية وممارسات الواقع السياسي وفساد الذمم المتناثر في أرجاء المجتمع، ذلك كان كتاب ‘وشوشات الودع’ هو الفيصل بين الخير والشر وبين الساردة الراوية وبين الشخصيات التي تمارس هذا الشر في هذا الزمن (لولة) (عبد العظيم) (ثناء) هي النماذج المثالية لهذه الشخصيات التي حواها هذا الزمان والتي من أجلها قامت ثورة الشباب في 25 يناير 2011 لا زالت الأوراق مختلطة والتزوير في الضمائر والأوراق سائدا، وكما تشير الكاتبة في الفصل الأخير من النص والمعنون ‘عودة الرحيل’ بعكس الريح لا يستطيع المرء أن يبحر بمركب شراعي، ولقد أبحرت… وهاأنذا أعود مثقلة بالإصداء بوشوشات الودع’. (22) وينتهي كتاب ‘وشوشات الودع’ السارد لهذه الحقبة من الفساد التي سادت مصر، وتنهي الساردة هذه الرؤية الخاصة بتبئير الواقع والنظر إليها من زاوية رؤية الفساد من أي واقعة تحدث حتى لو كانت بسيطة أو واقعة مأسوية تصيب المجتمع في مقتل ‘: أغلق الكتاب: ويبقى معلقا في ذهني نفس السؤال.. هل حقا عدنا؟ هل كل ما كان… كان؟ أحول على قناة أوربت، يطالعني خبر الحادثة التي أكملت على بقية الأحزان: استيقظت مصر على صوت انهيار صخرة ضخمة من صخور جبل المقطم فوق مئات المنازل فسوتها بالأرض ودفن السكان تحت الأنقاض’. (23)