رغم كارثة سياستها هناك عام 1993: واشنطن تؤجج الحرب في الصومال لمنع قيام حكومة وطنية توحد البلاد
عمر نجيبرغم كارثة سياستها هناك عام 1993: واشنطن تؤجج الحرب في الصومال لمنع قيام حكومة وطنية توحد البلاد شرور وجرائم الولايات المتحدة تجاه العديد من دول وشعوب العالم لم يعد لها حدود. يد واشنطن عادت بقوة لتفسد وتدمر وتقتل في الصومال. فبعد أن ساعدت علي نشوب الحرب الأهلية في بداية عقد التسعينيات مما أسفر عن سقوط حكومة محمد سياد بري وتفتت البلاد، تدخلت واشنطن مباشرة بقواتها في الصومال تحت غطاء وحدات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في سنة 1992.التدخل انتهي بنكسة للقوات الأمريكية علي يد قوات أحد زعماء الصومال وهو فرح عيديد مما اسفر عن سحب كل القوات الدولية علي عجل من ذلك البلد سنة 1993. فشل واشنطن في الصومال لم يثنها عن مواصلة التدخل في هذا البلد العربي الأفريقي المسلم الذي يقطنه عشرة ملايين نسمة، حيث دأبت طوال السنين الماضية علي تسليح العديد من امراء الحرب وعملائها من أجل منع اعادة تشكيل حكومة وطنية مركزية قوية تقوم بتوحيد البلاد وانهاء تشرذمها، وذلك بعد أن فشلت في تنصيب حكومة موالية لها في مقديشيو. التدخل الأمريكي الاجرامي الاستعماري في هذه البقعة ذات الأهمية الاستراتيجية القصوي تكثف بشكل غير مسبوق منذ بداية شهر ايار (مايو) 2006 بعد أن برزت فرصة حسم الصراع الداخلي لصالح قوة صومالية وطنية لا تسير في فلك واشنطن استطاعت كسب ثقة الشعب وشرعت في توحيد البلاد وانهاء فوضي امراء الحرب الذين أغرقوا البلاد في حمامات دم ومجاعات ومآس لم تتوقف طوال الخمس عشرة سنة الماضية، وفي مقدمة هؤلاء فصيل التحالف من أجل السلام الذي تدعمه وتموله وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. ولا ينفي التحالف الصومالي انه يتلقي الاموال من واشنطن بيد انه يقول انه لا يتلقي الاوامر منها.ويأتي هذا التدخل في اطار الجهود الامريكية لاعادة تثبيت نفوذ واشنطن في منطقة القرن الافريقي بعد العملية العسكرية الكارثية التي تورطت بها واشنطن في الصومال ما بين 1992 و1994.خلال نهاية الأسبوع الماضي استطاع فصيل المسلحين التابعين للمحاكم الاسلامية وبعد معارك ضارية السيطرة علي 80 في المئة من العاصمة مقديشيو وتصفية هيمنة المليشيات المدعومة من طرف الادارة الأمريكية في أغلب مناطق العاصمة، وهي عملية اذا اكتملت ستتيح السيطرة علي باقي ارجاء البلاد واقامة حكومة مركزية قوية.هذا التطور أزعج البيت الأبيض وأعلنت مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية للشؤون الافريقية أن سياسة حكومتها هي دعم كل الجماعات التي تريد الحيلولة دون أن يصبح الصومال ملاذا للقاعدة، بينما أكد الأمين العام للأمم المتحدة علي سرعة ايقاف الاقتتال.وأوضحت جينداي فريزر في اشارة الي دعم واشنطن التحالف من أجل السلام في الصومال، أن سياستنا واضحة جدا سنعمل مع تلك العناصر التي ستساعدنا علي القضاء علي القاعدة ومنع تحول الصومال الي ملاذ آمن للارهابيين ونحن نفعل ذلك لحماية أمريكا .ورغم أن الولايات المتحدة لم تؤكد علنا دعمها للتحالف، فان مسؤولين لديها صرحوا بأن التحالف تلقي أموالا أمريكية وأنه واحد من العديد من الجماعات التي تعمل معها واشنطن لاحتواء ما أسمته تهديد الاسلام المتطرف . ويؤكد تقرير خبراء الأمم المتحدة ان عناصر المحاكم الشرعية الذين يدعي الغرب أن بصفوفهم عناصر من تنظيم القاعدة، نجحوا في التمركز بأحياء كان يسيطر عليها سابقا خصومهم الذين تراجعت قوتهم الي حد بعيد وأكد الخبراء أن الشعب الصومالي يدعم علي نطاق واسع هذه الحركة الاسلامية.وقد أعلن مسؤول كبير في المحاكم الاسلامية لوكالة رويترز طالبا عدم كشف اسمه أن المحاكم خرجت الي الشارع لانقاذ شعب الصومال من العصابات مشيرا الي أن قوات التحالف من أجل السلام المدعومة أمريكيا رفضت اقتراحا بوقف النار خلال الأيام العشرة الأولي من شهر ايار (مايو). بينما اتهم رئيس المجلس الأعلي للمحاكم الاسلامية الشيخ شريف أحمد، المخابرات المركزية الأمريكية بالتدخل في الأزمة الصومالية بالدعم المالي لقادة تحالف الأمن ومكافحة الارهاب. من جانبه اشار رئيس احدي المحاكم الشيخ حسن ضاهر عويس الي ان المحاكم التي اعلنت حرب الجهاد ضد التحالف تعتبر ان الامريكيين يتعاملون مع السياسيين الرعاع الذين لا يأبهون بالصومال. من جانبه ادعي المتحدث باسم التحالف حسين غوتال ان معظم عمليات القصف العشوائية تطلقها المحاكم التي تزعم أنها شرعية والتي لا تبدي أي احترام للانسانية . ربط واشنطن فصيل المحاكم الشرعية بتنظيم القاعدة كذبة من نفس نوع الأكاذيب التي خلقتها الادارة الأمريكية لغزو العراق والتدخل في شؤون العديد من دول العالم.الكذبة يفضحها تقرير هيئة أمريكية للخبرات يعتمد عليها البيت الأبيض والبنتاغون. أفاد تقرير أعدته مجموعة الأزمات الدولية ونشر في كانون الاول (ديسمبر) عام 2005، بأن هذه المحاكم الشرعية التي ظهرت عام 1994 شهدت في مقديشو انتشارا غير مسبوق منذ عام 2004. وتضم مقديشو ما لا يقل عن 11 محكمة شرعية تنتمي الي تحالف معروف باسم المجلس الأعلي للمحاكم الشرعية في الصومال. وتتصدي هذه المحاكم التي تدعمها مليشيات مسلحة تسليحا جيدا، لنفوذ زعماء الحرب الذين يسيطرون علي العاصمة منذ اندلاع الحرب الأهلية في الصومال عام 1991. وذكر التقرير ومصادر دبلوماسية أن تشكيلة المحاكم متنوعة حيث تضم رجال دين وقادة قوميين واسلاميين، اضافة الي رجال أعمال نافذين في العاصمة ومستائين من الخضوع لنفوذ قادة المليشيات الذين يفرضون اتاوات علي السكان منذ 15 عاما، كما اشاروا الي أن التنظيم يضم أغلب العناصر التي كانت تحت امرة فرح عيديد. وحسب محللين فان هذه المحاكم التي تمثل كل منها عشيرة أو فرعا من عشيرة، بعضها يطبق برنامجا وطنيا يهدف الي اقامة دولة اسلامية قومية في الصومال، فيما يعتمد آخرون برنامجا عشائريا. ويري أحد هؤلاء المحللين أن المحاكم الشرعية في الصومال عوضت عن غياب حكومة مركزية قوية ونظام قضائي وكسبت ثقة الشعب وفرضت سيطرتها علي عدد من أحياء مقديشو باستخدامها القانون الوحيد الذي ما زال يمكن تطبيقه ولا خلاف بشأنه في الصومال وهو الشريعة الاسلامية .ويقول د. أحمد ابراهيم الخبير بشؤون القرن الأفريقي بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بـ الأهرام رئيس تحرير مجلة كراسات استراتيجية : ان المناخ الداخلي الحالي يؤهل الجماعات التابعة للمحاكم الاسلامية لزيادة نفوذها ومكانتها تمهيدا لسيطرتها علي مقاليد الحكم علي حساب تحالف أمراء الحرب.وأرجع د. ابراهيم تصاعد ذلك النفوذ الي عوامل عدة، منها: تمتع الجماعات التابعة لاتحاد المحاكم بمصداقية كبيرة بعد نجاحها في حفظ الأمن بالمناطق التي تسيطر عليها، خاصة بعد حالة الفوضي العارمة التي شهدتها البلاد نتيجة الحرب الأهلية .وأوضح الخبير بشؤون القرن الأفريقي أن دور أمراء الحرب في احداث مزيد من الفوضي جعل المواطنين يلتفون حول المحاكم الاسلامية باعتبارها المنقذ، وقال: قام أمراء الحرب بعمليات نهب وتهريب وتجارة سلاح وصلت الي حد تحقيقهم مكاسب سنوية تقدر بـ 100 مليون دولار .وأشار الخبير بشؤون القرن الأفريقي الي أن المصالح والتربح التي عادت علي أمراء الحرب من فوضي الحرب الأهلية جعلتهم يعارضون دوما أي اتفاق للمصالحة ونزع السلاح، أو تفكيك المليشيات التابعة لهم رغم كون بعضهم أعضاء بالحكومة الانتقالية .وفي مواجهة صعود ميليشيات المحاكم الاسلامية، توقع د. ابراهيم أن تزيد واشنطن من تدخلها في الصومال؛ خشية أن تترك الساحة ممهدة ـ بحسب وجهة نظرها ـ لتكرار سيناريو ظهور حركة طالبان بأفغانستان قبل أن تسقطها واشنطن عام 2001.وعن ماهية هذا التدخل أوضح قائلا: ربما سنسمع عن تنفيذ عمليات عسكرية محدودة، دون أن تكون علي نطاق واسع خشية تكرار التجربة الأمريكية بالصومال ما بين عامي 1992 و1994، حين منيت القوات الأمريكية بخسائر كبيرة في الأرواح .ولتجنب السقوط الأمريكي في المستنقع الصومالي، أشار د. ابراهيم الي امكانية استعانة واشنطن بقوات أثيوبية لتخوض بدلا منها الحرب ضد ميليشيات المحاكم الاسلامية، وقال: هناك امكانية أن تدفع واشنطن ببعض القوي الاقليمية مثل أثيوبيا الي شن حرب بالوكالة ضد عناصر اتحاد المحاكم الاسلامية .ولفت الي أن اثيوبيا لديها الرغبة لتلبية المطالب الأمريكية نظرا للضغوط التي تمارسها واشنطن عليها من جهة، ورغبتها في الانتقام من الاسلاميين لتقديمهم مساعدات مادية وأسلحة لجماعات معارضة داخل أثيوبيا تعرف باسم الأروموا . خصوم المحاكم الشرعية هو التحالف من أجل ارساء السلام ومواجهة الارهاب المدعوم من الولايات المتحدة، وهو يضم زعماء حرب صوماليين ومهربي مخدرات وأسلحة ينشطون في منطقة القرن الأفريقي، ويدعي هذا التحالف أنه يكافح ما يسميه الخطر الارهابي المتمثل من وجهة نظره في المحاكم الشرعية في مقديشو.وقد تأسس التحالف الذي يقع مقره العام في حي داينيل جنوب مقديشو في 18 شباط (فبراير) الماضي بدعم مالي أمريكي قدر بـ 62 مليون دولار منذ بداية سنة 2006، وهو يعرف نفسه بأنه حزب سياسي. ومن بين مؤسسي التحالف عدد من زعماء المليشيات التي تسيطر علي العاصمة الصومالية منذ أن عمت الفوضي البلاد مع اندلاع الحرب الأهلية عام 1991. كذلك يضم التحالف أعضاء في الحكومة الانتقالية التي تشكلت عام 2004، وضم عند تشكيله زعماء حرب أبرزهم وزير الأمن القومي محمد قنياري أفراح ووزير التجارة موسي سودي يلاهو، ووزير الشؤون الدينية عمر محمود فينيش ووزير تسريح المليشيات واعادة تأهيلها بوتان عيسي، فضلا عن رجل الأعمال بشير راغي شرار. وتفيد مصادر أمريكية ودبلوماسية في المنطقة بأن التحالف تلقي منذ قيامه دعما ماليا من الولايات المتحدة في اطار العمليات السرية لما يسمي بمكافحة الارهاب. وحسب مصادر رسمية في المنطقة، فان واشنطن وزيادة علي دعمها للتحالف بالمال والسلاح فانها تؤمن لهؤلاء القادة المحليين معلومات ـ من خلال صور بالاقمار الصناعية وصور اخري تحصل عليها طائرات تجسس الأسطول الأمريكي في المنطقة ومكالمات هاتفية ورسائل مكتوبة ـ عن النشاطات المعادية في الصومال.وادعي مسؤول امريكي رفيع المستوي علي صلة بالعملية الصومالية ان الهدف الاساسي هو ازالة خطر انتشار تنظيم القاعدة في الصومال. وتنسق السفارة الامريكية في نيروبي مجري العمليات العسكرية بالتعاون مع قيادة القوات الأمريكية في قاعد جيبوتي. ورفضت السفارة التعليق علي الموضوع واكتفت بالاشارة الي ان الاتصالات مع الصوماليين لا تقتصر علي امراء الحرب.ومنذ هجمات الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) عام 2001، ركز الامريكيون قواتهم في قاعدتهم الوحيدة بشرق افريقيا في جيبوتي قرب الحدود مع الصومال، وأكد الخبراء في معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن أن البنتاغون يتشوق لليوم الذي يستطيع فيه تأمين استقرار في الصومال تحت ظل حكومة موالية للغرب مما يسمح باقامة قاعدة عسكرية أمريكية رئيسية علي سواحله تمكن البنتاغون من استكمال شبكة سيطرته من تركيا حتي جنوب أفريقيا مرورا بالجزيرة العربية ومصر والسودان.الحكومة الانتقالية في الصومال في غالبيتها ورغم ما شاب تكوينها من شكوك حول وطنيتها لا ترحب بالتدخل الأمريكي. وهكذا ابدي زعماء الصومال منذ شهر نيسان (ابريل) 2006 قلقهم بشأن تقارير لم يتمكنوا من تأكيدها عن أن واشنطن تمول مجموعة من أمراء الحرب الاقوياء في مقديشو الذين نظموا انفسهم كائتلاف مناهض لما يسمي الارهاب.وقال رئيس الوزراء محمد علي جدي للصحافيين ردا علي سؤال عن تقارير عن وصول أموال أمريكية الي مقديشو ليست لدينا اتصالات رسمية لكن هذه الشائعات تتردد في كل مكان، ونحن لا نرحب بهذا الأمر اذا كان صحيحا .وقال شريف حسن شيخ عدن رئيس البرلمان لا أتوقع ان تضخ الحكومة الامريكية الدولارات علي الشعب الصومالي لمجرد اثارة المشاكل .من جانبه دعا الرئيس الصومالي عبد الله يوسف احمد الي اقالة زعماء الحرب الذين يتولون مناصب وزارية والمتورطين في المعارك الضارية من الحكومة.واعلن وزير الاعلام محمد عبدي حاير من بيداوه الواقعة علي بعد 250 كيلومترا غرب مقديشو التي تتخذ منها السلطات الانتقالية الصومالية مقرا لها أن الرئيس عبد الله يوسف طالب باقالة الوزراء المتورطين في اعمال العنف في مقديشو، معتبرا أنهم لا يمكن ان يكونوا اعضاء في الحكومة الانتقالية.ويعود قرار اقالة الوزراء الي رئيس الحكومة الصومالية علي محمد جدي الذي لم يعلق علي طلب الرئيس في الوقت الراهن.ضخ الأموال واضح جدا ويتجلي في سوق السلاح بمنطقة سيرتوجت بالعاصمة الصومالية مقديشو حيث تتكدس أكوام الموز والجريب فروت والبطيخ الي جوار البنادق الهجومية الكلاشنيكوف اللامعة والقنابل اليدوية والمدافع الرشاشة. وتنتعش حركة البيع والشراء عند كشك سكايشوترز كما يطلق علي البنادق ايه كي 47 في هذا البلد رغم تضاعف الأسعار.وكانت أسعار السلاح قد سجلت ارتفاعا صاروخيا مؤخرا عقب تردد أنباء بأن المليشيات الممولة من طرف أمريكا تعيد تسليح أنفسها بعد أن حصلت علي أموال كثيرة استعدادا لاستئناف المعركة من اجل الاستيلاء علي العاصمة الصومالية. وصرح احمد عمر تاجر السلاح بسوق بكارو سيرتوجت قائلا انهم يبيعون سلاحا بأكثر من 1.5 مليون دولار شهريا بشكل مباشر لكل من يطلب أيا كانت هويته وذلك بحسب أسبقية الطلب. واضاف أن مخزونهم من السلاح يباع فور وصوله للفصائل المتناحرة التي تراقب السوق عن كثب حتي تطمئن الي أن أعداءها لن تكون لهم اليد العليا في سباق التسلح. وتباع البندقية الكلاشنكوف الان مقابل 530 دولارا مقابل 370 دولارا قبل أسبوع واحد فقط وهو مبلغ كبير أيضا بالنسبة لقسم كبير من السكان المحليين الذين يتذكرون أنها كانت تباع بـ80 دولارا فقط قبل وقت ليس ببعيد. الصوماليون الذين لقنوا الجيش الأمريكي درسا في سنة 1993 سينجحون مرة أخري في منع قادة الارهاب الحقيقيين القابعين في البيت الأبيض من تنفيذ مخططاتهم، وسيأتي يوم يحاكم فيه مجرمو الحرب علي ملايين الضحايا الذين قتلوهم في الصومال وفلسطين والعراق وأفغانستان وكل هذا العالم المثقل بالجروح.ہ كاتب من مصر مقيم بالمغرب8