حوالي الساعة الرابعة صباحاً من يوم الجمعة العاشر من حزيران- يونيو الحالي استهدف جيش الدفاع الإسرائيلي مطار دمشق الدولي بعدد من الصواريخ أرض – أرض انطلاقاً من هضبة الجولان ، أدت لخروج المطار عن الخدمة بشكل كلي نتيجة تضرر المدرجين الشمالي و الجنوبي، بالإضافة لضربة مباشرة تلقاها برج المراقبة في المطار ، هذا التطور العملياتي قد يراه البعض حدثا روتينيا في ظل الهجمات المستمرة على الجغرافيا السورية من قبل جيش الدفاع الإسرائيلي، والتي لم تتوقف منذ أكثر من تسعة أعوام، لكن برأيي أن للمشهد الإقليمي المتشابك مع الساحة السورية والتصعيدي مؤخراً ( في ظل انسداد أفق المفاوضات النووي مع إيران ) ارتباطاً مباشر باستهداف مطار دمشق الدولي وإخراجه عن الخدمة تحت عنوان رسائل سياسية بأدوات عسكرية، فهل نحن أمام مفترق طرق حيث على الأسد أن يختار ما بين حلفائه في حلف ما يسمى بالمقاومة والرضى الإسرائيلي؟
الغارات الجوية
لم يكن هذا الهجوم الأول على مطار دمشق الدولي من قبل جيش الدفاع الإسرائيلي، فقد استهدفه قبل أسابيع بعدد من الغارات الجوية ، أدى هذا الهجوم لأضرار محدودة بأحد مدرجاته مما أوقف شحن السلاح الإيراني للمطار بشكل كلي، و دفع النظام الإيراني لنقل الشحنات باتجاه مطاري الشعيرات والـ ( تي فور) العسكريين في ريف حمص ، و بالعودة لبداية الثورة السورية و خلال الأعوام التسعة الماضي ( منذ 5 أيار- مايو عام 2013عندما استهدف جيش الدفاع الإسرائيلي عددا من المواقع العسكرية في دمشق وريفها و التي أشعلت جبل قاسيون ) تعرض مطار دمشق الدولي لعدة غارات لكنها المرة الأولى التي يتوقف عن العمل كلياً.
أهداف لوجستية
بالطبع يمكن ربط هذه الضربة القاسية بأهداف لوجستية عسكرية عنوانها منع إيران من نقل شحنات السلاح نحو مطار دمشق الدولي من جهة، وخفض كمية السلاح المنتقل للبنان حيث ميليشيا حزب الله في ظل تهديدات من هذه الميليشيا موجهة لسفينة التنقيب أنيرجيان باور التي رست وتتجهز لبدء الحفر في منطقة متنازع عليها بحسب الدولة اللبنانية من جهة أخرى ، وهذه قراءة منطقية للحدث، لكن بشكل عملي لدى إيران خيارات بديلة متعددة أولها المطارات العسكرية الأخرى وعلى رأسها مطار ضمير العسكري و الذي يبعد نحو 30 كم فقط عن مطار دمشق الدولي، وعلى الجانب البري فالحدود السورية – العراقية جزء كبير منها ( نحو 150 كم) تحت سيطرة ميليشيات متعددة الجنسيات ( عراقية – أفغانية – سورية – لبنانية ) تابعة لإيران ، وبالتالي فإن هدف هذه الضربة أكثر منه لوجستيا-عسكريا فهل هو رسالة سياسية ؟
رمزية سيادية
لدى مطار دمشق الدولي رمزية سيادية مهمة لنظام الأسد فمنذ أواخر العام 2012 حاولت المعارضة السورية المسلحة التقدم باتجاه مطار دمشق الدولي عبر مناطق الغوطة الشرقية، و بالفعل استطاعوا الوصول لأسواره مما دفع بميليشيا حزب الله اللبناني وبأوامر إيرانية وضع كامل ثقله لمنع سقوطه بيد الثوار.
و كانت المعارك في محيط المطار هي أول مرة يخرج دور ميليشيا حزب الله في الساحة السورية من رواية حماية المراقد المقدسة للدفاع عن بقاء الأسد ونظامه في السلطة، و منذ ذلك الوقت استمرت مسؤولية حماية المطار منوطة بذراع إيران الأكثر خبرة حزب الله.
أما من جانب المعارضة السورية المسلحة فقد تم توصيتهم بشكل غير مباشر من قبل الداعمين الإقليميين بتحييده عن جدول عملياتهم في دمشق و ريفها.
شحنات السلاح
على الجانب الإسرائيلي فقد كان مستغرب لي شخصياً السياسة التي اتبعتها تل أبيب في تعاملها مع شحنات السلاح الآتية من إيران باتجاه مطار دمشق الدولي خلال الأعوام التسعة الماضية ، من خلال رصد الطائرات الإيرانية حتى هبوطها في المطار ، ثم تركها تنقل حمولتها لمستودعات في محيط العاصمة السورية دمشق ليتم بعدها ضرب هذه المستودعات ، بشكل يؤكد أن قرار عدم ضرب المطار وإيقافه عن العمل هو قرار سياسي أكثر منه لوجستيا-عملياتيا ، وبالتالي فإن قرار إخراجه عن العمل قبل أيام هو أيضاً قرار سياسي اتخذته الإدارة الإسرائيلية في ظل وقع طبول الحرب في المنطقة المرتبط ببرنامج إيران النووي .
فنادق العاصمة النمساوية والتي كانت تضج بالوفود والمسؤولين الغربيين والإيرانيين والروس أصبحت فارغة بالأخص مع انطلاق الغزو الروسي لأوكرانيا شباط – فبراير الماضي ، مع متطلبات روسية جديدة مرتبطة بمحاولة موسكو حصد مكاسب اقتصادية من هذا الاتفاق، و مع رغبة إيرانية بعدم خسارة الدعم الروسي بشكل عام و في سوريا بشكل خاص انصاعوا لهذه المتطلبات الروسية مما عقّد المشهد أكثر فأكثر.
في طهران ترى الحلقة الضيقة المحيطة بالمرشد الأعلى بأي اتفاق نووي أنه مؤقت مع إمكانية إلغائه بوصول أي إدارة جمهورية للبيت الأبيض، هذا الواقع جعل من جاذبية هذا الاتفاق الاقتصادية أقل أهمية في ظل متغيرات في المشهد الدولي بشكل عام ما بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، بالمحصلة ، فإن إيران اليوم أقرب لقرار القنبلة النووية منها لقرار العودة لاتفاق نووي، و هذا التصور أصبحت الإدارة الإسرائيلية مؤمنة به أيضاً، وهو ما قد يعني إمكانية تصعيد عسكري في المنطقة مجرد مسألة وقت لا أكثر .
في ظل الخيارات البديلة لإسرائيل للتعامل مع البرنامج النووي الإيراني فالضربة العسكرية لهذا البرنامج قد يكون الحل الوحيد على الطاولة، هذه الضربة ستؤدي لرد فعل إيراني عسكري وعلى عدة جبهات، وسوريا قد تكون إحداها، و بناءً على هذا التصور كان قرار الإدارة الإسرائيلية بتوجيه رسالة تحذير للأسد عبر ضرب مطار دمشق الدولي ، فحوى الرسالة واضح أن أي عمل عسكري انطلاقاً من الجغرافيا السورية سيدفع تل أبيب لتعيد تقييم هذا النظام من كونه يؤمّن لها الهدوء على الحدود مع الجولان ليصبح ضمن قائمة الأعداء ، فعلى الأسد في تلك اللحظة أن يختار ما بين حليفه الإيراني ومعادة إسرائيل أو هدوء مع إسرائيل وسيناريو علي عبد الله صالح.
محللة سياسية يونانية مختصة بشؤون الشرق الأوسط