ردا على سعيد يقطين: لماذا الأقلمة السردية الآن؟

قد تبدو بعض المفاهيم النقدية التي نتداولها واضحة الفكرة من الوهلة الأولى، كونها محددة بسياق يكشف عنها فلا يلتبس أمر إدراكها ولا يتعسر استيعاب تقنينها أو الإلمام ببعض مناحيها، وربما كلها. وكثيرة هي الأمثلة على مثل هذه المفاهيم بيد أن القليل جداً من المفاهيم لا يكفي سياق محدد في التعريف بها، فيظل أمر إدراكها ملتبساً، وتكون الإحاطة بمعانيها إشكالية، ما لم تتوفر تعددية سياقية مع ضابط مرجعي أيضا.
وعادة ما تنشأ مثل هذه المفاهيم الملتبسة في حاضنة فكرية مستحدثة كالتي نشهدها اليوم مع العولمة والأدمجة والعلمنة وغيرها. ويعد مفهوم (الأقلمة) مثالاً حياً على هذا النوع من المفاهيم، فما أن يُطرح في سياق نقدي حتى يكون أمر استقباله النقدي باهتاً وغير مشجع؛ فيُفهم على أنه المثاقفة كنتاج لفاعليتي التأثير والتأثر تارة، وتارة ثانية يُفهم على أنه التزود بالمنهجيات والظفر بآلياتها الإجرائية، وتارة ثالثة يُفهم بأنه التعدد والتمذهب والتحليل.
وإذا كان جذر الأقلمة ذا دلالة جغرافية لها صلة بالحدود والفواصل والثغور، فإن في مصدريته المضافة إلى مفردة (النقد) دلالة فكرية على التعدد والتجاور والتجسير، الذي معه لا تضيع الهوية ولا تتشظى.

ولو افترضنا أنّ المادة المراد أقلمتها تتمثل في السرد العربي، فإن سياقية مفهوم الأقلمة، لا بد من أن تتوزع بين التجاور الجغرافي في الفاعلية السردية، والانتفاع المعرفي في الفاعلية النقدية. والمحصلة هوية معرفية تلتقي مع الآخر وتعبّر عن الذات في شكل نظرية مؤقلمة عربية يمكن لها أن تقف في مصاف النظريات الغربية دون إتباع أو دونية، فتعمل مع الآخر وتضيف إليه وتشترك في أروقة درسه مثلما يشارك هو في أروقة درسها.
أمّا إذا نظرنا إلى الأقلمة خارج سياقات هذا التصور التجسيري للمفهوم، فسيكون من المحال أو شبهه أن يتحقق هذا التطلع. وأحسب أنّ تساؤلات سعيد يقطين في مقالته المعنونة «عن أي سرديات كلاسيكية نتحدث؟» المنشورة في«القدس العربي»في عددها الصادر في 5/10/ 2022 تصب في الباب نفسه، أي باب الحاجة إلى تقنين مفاهيمنا ومعالجة إشكالاتها. والأساس في ذلك كله هو ضرورة مُساءلة ذواتنا قبل أي استرجاع لماضي نقدنا العربي، أو التفكير في راهنية أبعاده أو تخمين مستوى آفاقه المستقبلية.

ولعل الأمر الأهم الذي استوقفني في هذه المقالة هو النقد الذاتي، الذي ينقل معالجتنا النقدية ونقاشاتنا المعرفية من منطقة نقد الآخر إلى منطقة نقد الذات. ولا يخفى ما في مساءلة الذات من إصلاح للنواقص والشروخ كخطوة أولى على طريق (الأقلمة)؛ فالذات لن تتأقلم ما لم تعرف نفسها أولا وتتطلع عن كثب على ما عندها وتراجع ما لها وعليها كي لا تترك للآخر الذي تبغي التأقلم معه ثغرة يتفوق من خلالها عليها مع مراعاتها ـ وهي تراجع نفسها ـ ألا تكون معنِفة بالتأنيب والإيلام واللوم، بل تكون معتدلة وإيجابية تشخِّص الإيجابي وتعالج السلبي. ومثلما تؤاخذ على اختلالاتها، عليها أيضا أن تؤشر على إنجازاتها ومكامن عطاءاتها، وهو ما مثّل عليه سعيد يقطين ـ وهو بصدد مراجعة الدرس السردي العربي ـ بعينة مؤلفة من أربع ذوات نقدية، ودلل على ما للآخر من (إنجازات) وما للذات العربية من (اشتغالات) تسعى من خلالها إلى التطوير والتوسيع. وبغض النظر عن تخصص هذه الذوات النقدية في علم السرد الكلاسيكي أو في ما بعده، فإن التمثيل بها في موضع نقد الذات جعلها في مرمى التساؤلات الملحة والتحصيلات الحاسمة والمؤاخذات التي تلمح أو تصرح من قبيل (نتبنى ما نسميه «مناهج» ونحاول تطبيقها على نصوصنا) أو (حيثما ظهر «إبدال» جديد، وجدنا أنفسنا نسير في اتجاهه، ونؤطر أعمالنا تحت «يافطته») او( أنهم جاؤوا إليها من «مناهج» محددة، ورأوا ضرورة دمجها بالسرديات).

التوسيع والتطوير

وإذا كان حرياً بنا تعرية ذواتنا عبر كشف هذه الاختلالات، فإن من الحري بنا أيضاً أن نؤشر على اجتهاداتنا في الدرس السردي بعيداً عن تحيزنا لكلاسيكيه أو لما بعد كلاسيكيه؛ كي لا نجلد أنفسنا مجحفين حقها، متجاهلين ما لها ومتذكرين ما عليها، وما دمنا غير منصفين لأنفسنا فكيف بعد ذلك نتوقع من الآخر إنصافنا، فنسعى إلى علمنة أدبنا وأقلمة نظرية عربية خاصة بنا؟!
وقد حصر يقطين اجتهاداتنا في دراسة السرد كعلم نظري وحقل تطبيقي في مسألتين هما (التوسيع والتطوير) أما حدودهما فتتمثل بالمدرسة الفرنسية وأما منطلقهما التاريخي، فيبدأ من منتصف تسعينيات القرن العشرين حتى اليوم، وكل ما حصل من اجتهادات في نقد النظرية السردية، ولاسيما خلال العقدين المنصرمين من القرن الحادي والعشرين فقابع تحت (مظلة) هذه المدرسة من زاوية علاقة الـ(ما قبل) بالـ(ما بعد) وعلم السرد بالسرديات.
ومن غير الممكن بالطبع إعطاء تصور واضح في مقالة واحدة لاجتهادات الذات العربية في التوسيع والتطوير، بيد أن التحصيل في ختام هذه المقالة الجازم بأن (أي توسيع للسرديات مهما كانت أصوله تحريف لها وليس تطويرا، ولا توسيعا) هو ما يحتاج إلى وقفة نقدية.
ومدار الوقفة هو مركزية النظر إلى المدرسة الفرنسية التي معها تزول أي أهمية لأي مدارس أخرى مستحدثة لا بالنسبة إلينا، بل بالنسبة إلى حواضنها الأصلية نفسها، كونها ما زالت في موضع النمذجة والاختبار. وهذا لوحده أمر جدير بإعادة النظر في مركزية ما نتمدرس عليه في نقدنا وفيه ينبغي أن يكون التحدي في ضوء ما استجد من حيثيات علم السرد ما بعد الكلاسيكي، الذي به نتمكن من تقييم نقدنا العربي وندلل على مدى ما لدينا من اجتهادات نقدية، وسعت أو طورت أو حتى تجاوزت وربما تفوقت على ما لدى الآخر من اجتهادات منظريه الكلاسيكيين، وما بعد الكلاسيكيين.

السرديات الثقافية

إنّ التحدي إذن هو في قدرة ذواتنا على وضع خطوة بعيدا عن الخطوات التي اعتدنا وضعها، ولعلنا بذلك نتمكن من تسلّق سلّم أقلمة سردنا العربي، مفيدين من أجواء الانفتاح والعولمة متخلصين من التبعية، مؤكدين قدراتنا في المساهمة في تطوير علم السرد ومؤهِلين إمكانياتنا، من ثم للعمل على الإضافة إلى علم السرد. لكن السؤال المؤرق للذات وهي تنقد نفسها هل نتمكن فعلا من التخلص من أغلال علم السرد البنيوي وما بعد البنيوي، كي نقفز بثقة في اتجاه علم السرد ما بعد الكلاسيكي وفروعه العلمية، أو في أقل تقدير التوسيع والتطوير في واحد من هذين العلمين القبلي والبعدي؟
لا شك في أن الإجابة بحاجة إلى إحصاء ما لدينا من منجزات نقدية ما بعد حداثية في دراسة السرد نظرا وتحليلا، غير أن العودة إلى العينة من الذوات التي بها مثّل يقطين ستسمح بتكوين صورة أولية لما يمكن أن يكون بمثابة جواب ابتدائي على السؤال أعلاه. والعينة تضمنت نقادا أفادوا من رحابة الدرس ما بعد البنيوي، فحسيب الكوش تخصص بالسرديات المعرفية مفيدا من الجمع بين البنيوية والسيميائية في دراسة الخطاب والمعنى وهندسة البنية والسيموزيس، وأفاد الناقد محمد بو عزة من انفتاح الدرس ما بعد البنيوي فتخصص بالسرديات الثقافية، التي فيها جمع بين البنية ومسائل ثقافية كالهوية والاختلاف والآخر والذات والتخاطب والعواطف والجسد وغيرها.

سعى سعيد يقطين منذ بواكير مشروعه النقدي، إلى تأكيد أهمية النظر إلى السرد علما، سواء في كتابيه «تحليل الخطاب الروائي» و»انفتاح النص الروائي» 1989، أو في كتابه «قال الراوي البنيات الحكائية» 1997 ومرورا بكتبه اللاحقة ومنها «السرديات والتحليل السردي الشكل والدلالة» 2012 فضلا عن دراساته المنشورة في مجلات عربية مختلفة.

وإذا كان هذان الناقدان قد جمعا بين البنيوية وما بعد البنيوية، فإن ذلك لم يخرجهما من دائرة المدرسة الفرنسية، ومعهما ينخرط محمد نجيب العمامي الذي تخصص في السرديات التلفظية، وظل ميالا إلى المدرسة الفرنسية نظريا وتطبيقيا، معتمدا على أعلامها ومنهم ألان راباتال في كتابيه «البناء النصي لوجهة النظر» 1998 و»الإنسان الراوي في سبيل تحليل تلفظي وتفاعلي للقصة» إلى جانب غريماس وفيليب هامون وكوهن وجيرالد ودانون بوالو وميك بال وكارديو ودومنيك منغو وسيلفي باترون ورينيه ريفارا الذي ترجم العمامي كتابه «لغة القصة» 2015 ومع هؤلاء النقاد يلتقي جمع كبير من نقاد آخرين في مقدمتهم سعيد بنكراد وجميل حمداوي. وفي هذا تكون الغلبة في إنجازنا النقدي العربي موجهة نحو المدرسة الفرنسية (بنيوية كانت أو ما بعد بنيوية) لأنها على انفتاحها مستغلقة وعلى استغلاقها منفتحة. ومن ثم لا يستطيع النقد الفكاك من إنشائية البنية ولا من التباسية قول بارت «أنا في الموقع نفسه الذي هو لي أنا» كتلفظ فيه النص والمنتج والمتلقي مشاريع للتأويل. وليس وراء هذه الغلبة والتحيز للمدرسة الفرنسية إتقان نقادنا اللغة الفرنسية، إنما هي الرغبة في السير على المعتاد ورفض التجديد.
ولو كانت المدرسة الفرنسية بلا ثغرات ونقائص لما نفذ منظرو المدرسة الأنكلو أمريكية من خلالها، وسعوا إلى تدارك أخطائها فتخلصوا من ضغط البنية، ووسّعوا حدود التعدد في التخصصات ووجهوا نقدهم إلى مفاهيم ملتبسة وإشكالية كوجهة النظر والراوي والمؤلف والمحاكاة والحبكة والتبئير. وساعدهم في ذلك فهمهم الدقيق لمفهوم الأقلمة، فلم ينغلقوا على انفتاحيتهم، بل ظلوا في حالة توسيع مستمر جامعين بين الجغرافيات والعلوم بأنواعها النفسية والبيئية والعقلية والسيبرانية، وانتجوا علوما فرعية تمخضت عن علم السرد ما بعد الكلاسيكي، كعلم السرد المعرفي وعلم السرد النسوي وعلم السرد غير الطبيعي وعلم السرد البيئي وعلم السرد الرقمي وغيرها.

تجسير المسافات المعرفية

ولقد سعى سعيد يقطين منذ بواكير مشروعه النقدي، إلى تأكيد أهمية النظر إلى السرد علما، سواء في كتابيه «تحليل الخطاب الروائي» و»انفتاح النص الروائي» 1989، أو في كتابه «قال الراوي البنيات الحكائية» 1997 ومرورا بكتبه اللاحقة ومنها «السرديات والتحليل السردي الشكل والدلالة» 2012 فضلا عن دراساته المنشورة في مجلات عربية مختلفة. وفيها كان يشدد على ضرورة الاتجاه بالسرديات النصية إلى أن تكون سرديات خطاب وعدها حصرية، بينما سرديات النص توسيعية. ودعا في كتابه «الكلام والخبر» إلى تبني علم للسرديات سماه علم البويطيقيا (أدبية الخطاب) وهو في ذلك كله متماهٍ مع تودوروف وإمبرتو إيكو وباختين وبارت. أما في مجال سيموطيقيا السرد فكان متماهياً مع غريماس جنباً إلى جنب جاتمان وبال وريمون كينان وبريموند وهاليدي وغيرهم من المنظرين المنتمين إلى المدرسة الفرنسية.

ومن ثم تكون العينة النقدية الممثل بها هي امتداد لمسعى نقدي واحد تخصص فيه الناقد يقطين، سواء في المرجعيات النظرية أو في الاحتكام إلى المفاهيم والاستعانة بها في التطبيقات الإجرائية. واحتج يقطين لميله إلى المدرسة الفرنسية بأنها الأصل (المظلة) التي تحتها تأتي كل توسيعات وتطويرات منظري علم السرد ما بعد الكلاسيكي. هذا أولا وثانيا أن المدرسة الفرنسية ظلت بصيغة مفردة دون اتجاهات متفرعة، بينما المدرسة الأنكلو أمريكية يتفرع عنها (خلط مبيت أو مقصود) لا يميز المنجزات السردية القبلية أي ما قبل ظهور السرد ما بعد الكلاسيكي. وثالثا أن وضع تاريخ للسرديات لا يعني أن المدرسة الفرنسية كلاسيكية، ورابعا ان أي توسعة او تطوير هو انحراف إلى ما قبل البنيوية، ولن يأتي من ورائه سوى (اضطراب وفوضى تداخل الاختصاصات). ولا نرى في القول بكلاسيكية المدرسة الفرنسية عيباً؛ لأن المسألة ليست (إبدال) سرديات بسرديات، وإنما هو تلاقح فكري يكمل ويرمم ويعيد ويجمع عبر تجسير المسافات المعرفية. وإذا كان منظرو المدرسة الفرنسية لا يريدون الاعتراف بكلاسيكيتهم، فلهم مبرراتهم لكن دون أن ينخرط ناقدنا العربي معهم؛ فليس واجباً عليه أن يدين لمدرسة دون غيرها.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية