تداعيات عراقية من القاهرة

حجم الخط
0

تداعيات عراقية من القاهرة

د. عبد الحميد الكاتبتداعيات عراقية من القاهرة مع اقتراب العطلة الصيفية وانتهاء العام الدراسي يبدأ الاساتذة الوافدون في بعض دولنا العربية بالتسابق لتنظيم سفرهم الي بلدانهم، فالمصري او السوري او السوداني وغيرهم متلهفون لقضاء اجازة العطلة الصيفية بين احضان اهلهم في بلدانهم، ومما يحرصون عليه اننا نراهم يرتبون تاريخ الذهاب والعودة لدرجة استنفاد جميع ايام الاجازة والتأخر يوما واحدا يكون عندهم مشكلة.هو حق مشروع، لكن لماذا ترانا نحن العراقيين نمتعض منهم؟ نعم انه الحسد، فالوحيدون هم ابناء الجالية العراقية لم يعد عندهم ذلك الاندفاع لزيارة البلد منذ (تحريره) علي يد قوات الاحتلال (الامريكية الديمقراطية)، فاذا كانت العطلة متنفسا للجميع فان اقترابها يعني مشكلة للعراقي المغترب، المشكلة هي انك تفكر اين ستقضيها وكيف تخطط لذلك، الخيارات محدودة وجميعها مقلقة، العودة للعراق امر صعب ومجازفة كبيرة، فالطريق من الحدود الي بغداد – او اي مدينة اخري – غير آمن وتنتظرك فيه عصابات الســـلب، والحي الذي تعيش فيه ربما لن يحميك لا من قوات الاحتلال (الصديقة) ولا الميليشيات العميلة ولا عصابات الخطف التي تترقب العائدين بدولارات الاغتراب.يبدأ الهاجس في تفكير العراقي المغترب بالسؤال (اين نذهب هذه السنة)؟ هل نسافر الي سورية ام الاردن كما فعلنا في السنوات السابقة من اجل رؤية الاهل هناك، الاردن بدأ يضيق الخناق علي العراقيين، وسورية اشتعلت غلاء بعد هجرة الملايين اليها، ففضلا عن العنف الطائفي في العراق جاءت حرب لبنان، لن نستطيع البقاء في بلدنا هذا الذي نعمل فيه فالحياة تصبح صعبة بعد رحيل الجميع فضلا عن قسوة المناخ فيه. ونحو هؤلاء كان تفكيري لكنني هديت الي فكرة جديدة هذا العام، لماذا لا نقضي عطلتنا في القاهرة، بلد جميل والحياة فيه مفعمة والمعيشة فيه ليس فيها غلاء كما نسمع، توكلنا علي الله ورتبنا امورنا علي ذلك، ونزلنا القاهرة فرايناها كما كانت توصف (مصر ام الدنيا)، يتداخل الليل والنهار وحركة الناس مستمرة لا تنقطع، جمال المتنزهات ووفرة الخدمات وتعدد خيارات الترفيه لا تسمح للسائح بالملل.تمتعت عائلتي علي غير عادتهم وشاهدوا ما لم يشاهدوه من قبل، الا انني كنت في كل يوم اذرف الدموع واعتصر الما، باختصار انها تذكرني ببلدي بغداد، اتمشي علي كورنيش النيل فأتأوه علي كورنيش (ابو نواس) او كورنيش الاعظمية، اركب الزورق فتلامس وجهي قطرات من مياه النيل فترجع بي الذكريات الي دجلة ونحن نعبر في زوارقه ولا سيما من (الشواكة) في الكرخ الي (شارع النهر) في جانب الرصافة.كانت للاطفال متعة كبيرة وهم يتجولون في (حديقة الحيوان) لكنني كنت اسير وانا أتأوه علي ذكريات (حديقة الزوراء)، نعم لم تكن حديقة الحيوان عندنا بهذا التنظيم لكن يكفي انها كانت في بلدي، وكانت المساحات الخضراء تحتضن سفراتنا العائلية او الشبابية، واتساءل هل بقي هناك شيء اسمه (الزوراء) ام اصبح كذلك قاعدة للاحتلال او وكرا للميليشيات، ام باتت خرابا كحال كل جميل في بلدي!كثرة الجسور علي نهر النيل ذكرتني بكل جسر فوق دجلة في بغداد، وهل يمكنني نسيان اي جسر وكنت اتسابق مع اقراني بتعدادها، ومما شاهدته من الجسور جسر حديدي ذكرني بجسر (الصرافية)، الجسر الذي كنت اعبره بشكل شبه يومي طيلة اربع سنوات ايام الدراسة الجامعية الاولية، (جسر الحديد انقطع من دوس رجليه) كما ورد في الغناء العراقي القديم، والذي يربط بين (العطيفية والكسرة)، انه من بقايا الاحتلال البريطاني مطلع القرن الماضي، لم يشيده المستعمر كاحد حملات (اعمار العراق) وانما شيده لانه كان يستخدمه لحركة القطارات التي تنقل له البضائع والمؤن، وهل يوجد مغفل يعتقد بان المحتل يريد له الخير، وهل يرتجي من الذئب ان يوفر للغنم علفا او يحقق لهم امنا.المتنزهات في القاهرة عديدة وتتميز بالمساحات الخضراء والارصفة والزهور والاضاءة، كل ذلك كان سببا لفرح اطفالي وهم يمرحون في (المراجيح) وياكلون سندويشات الطعمية (الفلافل)، الا انني علي خلافهم كنت استرجع ذكريات رحلاتنا في (ساحة الاحتفالات) او (الجزيرة السياحية) او (جزيرة الاعراس)، تلك الرحلات التي كانت ترافقنا فيها (الدولمة) كاشهر اكلاتنا اللذيذة.شاهدنا المتحف الوطني الذي يدلل علي التاريخ العريق والحضارة العظيمة، فبكيت علي متحفنا الوطني في (علاوي الحلة) الذي زينه الاحتلال في اول يوم دخل بغداد بقذيفة ثقبت واجهته، وكم كنت اتمني بقاء ذلك الثقب ليكون تاريخا يضاف الي تاريخ العراق العريق، المتحف الذي نهبه جنود الاحتلال والعصابات التي جاءت معه، لست (وثنيا) ابحث عن التماثيل والاصنام لكنني وطني افتقد ما يشير الي تاريخ بلدي التليد، وزرنا الاهرام فتساءلت عن بابل هل دفنت من جديد تحت التراب، وكيف حال (الزقورة) ومدينة الحضر وغيرها.وكان للناس من اهل مصر دور في تحريك ذكرياتي، فغالبا ما يقول لي احدهم – حين يعرف باني عراقي – انا كنت اعمل في العراق لسنوات عديدة، ويذكر الفضل للعراق وان اجمل سنين حياته قضاها هناك، ويخبرني انه لم ير خيرا قط مثل ما رآه في العراق ولا شاهد مثل كرم اهل العراق، نعم لقد احتضن العراق في زمن ما ملايين الاخوة المصريين، كان لهم الفضل في العمل في كل مرافق الحياة حين كان اغلب الشباب العراقي في جبهة القتال، لقد كان ذلك ايام حرب العراق ضد الهجمة الايرانية التي كانت تستهدف (تصدير الثورة الايرانية)، ايامها انشغل العراق بالدفاع عن الامة، وكان لملايين المصريين فرصة عمل رائعة كسبوا من خلالها مليارات الدولارات التي انتفعت بها ملايين العوائل المصرية فضلا عن استفادة الدولة المصرية.متي ما خرجت في ليالي القاهرة تري الناس في هرج ومرج، انه الامان حيث لا يخشي الناس شيئا، انها النعمة التي نفتقدها اليوم في العراق اكثر من اي شيء آخر، اولم يكن الناس في ليالي بغداد يخرجون ويسهــــرون دون خوف، الم يكن الامان متوفرا للجميع رغم قسوة (ودكتاتورية) الحــــكومة، اتذكر حين كان الناس تخرج للتزاور او التنزه وتعود قبيل الفجر، لم تكن تتهددها كما هو اليوم سطوة الميليشيات ولا مداهمة الاحتلال.اينما توجهت في القاهرة تذكرت بغداد وما كان فيها، نشتري (الشاورما) فاتذكر (قاسم ابو الكص) في الاعظمية، نشتري الفواكه فاذكر اسواق بغداد التي كانت تلونها انواع كثيرة من (العنب والتين والمشمش والنجاص ووو)، نريد شراء الحلويات فنتذكر (نعوش والخاصكي والشكرجي) وغيرهم، ادخل سوق (العتبة) فاذكر اسواق الكاظمية وزحمتها (باب الدروازة) وصياح الباعة علي بضائعهم.لقد كانت عطلة من اجمل العطل الصيفية لعائلتي، لكنها كانت اشد العطل الما بالنسبة لي، لقد كنت اذرف الدموع في كل يوم علي بغداد وذكريات جميلة مضت فيها، لقد كانت القاهرة بكل ما فيها من جمال وهناء سببا لتأجيج الآلام في صدري، ومن هناك كنت ادعو اللهم احفظ العراق واهله، اللهم حرر العراق من الاحتلال وخلصه من الميليشيات المجرمة، اللهم اعد لنا تلك الايام الهانئة الآمنة كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا.ہ كاتب من العراق8

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية