تجليات الربيع العربي تجسد معاني الدين لدى المجتمعات العربية

حجم الخط
0

يجمع الباحثون على الأهمية القصوى لما بات يعرف بالتماسك الاجتماعي من أجل استمرار المجتمعات واستتباب الأمن والسلم الاجتماعيين للدول والأنظمة. فعمليات التنشئة الاجتماعية، وعمليات التكيف والإنتاج والتغيير الاجتماعي كلها تفعل فعلها من اجل المساعدة على تجنب أي انهيار. والحقيقة إن استمرار هذا التماسك من شأنه أن ينعكس إما إيجابا أو سلبا على الأنظمة، ولعل آلية الدين والتي يجمع المهتمون بالشأن السياسي ببلداننا العربية على دورها المحوري في دغدغة المشاعر والعواطف الروحية، بل وتعتبر العامل المحدد سواء لاستمرار الحكومات أو الأنظمة، آلية لا يستطيع أي كان المرور عليها مرور الكرام. قد يقول المحسوبون عن التيار الليبرالي بعكس ذلك ولكن لنا في التاريخ الإنساني عبرا كثيرة لمن لا يعتبر.
إن طبيعة تكوين العقل العربي وطبيعة المجتمعات العربية عموما تجسد معاني الدين بمختلف تجلياته. وما جرى ببلدان الربيع العربي يؤكد هذه الحقيقة التي يصعب على أي كان استبعادها أو القفز عليها. أما المراهنات التي تصدر عن البعض من هنا وهناك من أجل تغييب هذا العامل فإنها غالبا تبوء بالفشل، فقادة العسكر بمصر مثلا والذين لم تعد لهم مهمة منذ توقيع كامب ديفيد الا تلقي ‘الرشاوى’على شكل ‘مساعدات’ من أمريكا لم يفطنوا الى خطورة الرمزية الدينية والتي تزدهر غالبا في سياقات الأزمات وأوقاتها. والتي تتسق غالبا مع التدين والسلوك الديني، فكما أن الشعور الديني وتجلياته تزدهر عادة في خضم الأزمات، فإن الرموز هي الأخرى تدور حول هذا الفلك: بمعنى آخر تقوى الرمزية في خضم الأزمات وتتغول الى درجة يصعب مع أي ملاحظ أن يتكهن بمآلاتها، والإنسان المصري بطبيعته ميال إلى التدين لكن عندما يرى نفسه مستضعفا، فإن الغريزة تدفعه، آجلا أم عاجلا، إلى استدعاء القوى الدينية لتقف إلى جانبه في هذه الأوقات العصيبة. وهنا لا بد للمرء أن يتذكر أن العقاب الجماعي المسلط لا بد وأن يولد أوتوماتيكيا عنفا جارفا. فالاستفزاز لا يولد إلا الاستفزاز. ولا عجب أن قادة الانقلاب العسكري اختاروا عبارة ‘محاربة الإرهاب’ منذ اليوم الأول، وهذا ليس قرارا بريئا البتة؛ لأن القاصي والداني يعرف أن مفهوم الإرهاب هنا له محددات وجذور غربية: بمعنى آخر الإرهاب حسب الاعتقاد الغربي يوازي مفهوم الأسطورة، والأسطورة لا يوجد لها كاتب، بل هي نتاج الخيال السياسي الجمعي لحكومات الغرب الاستعمارية. وهنا يتجلى بوضوح مراهنة قادة الانقلاب على ‘الإرهاب’ كمفهوم أسطوري حتى يتسنى لهم مقارعة ما هو ديني ‘إسلامي’ متجذر في ثقافة المصريين منذ قرون. إن تصريف العدوانية من طرف قادة عسكريين تجاه فصيل هنا وهناك من شعب مصر من شأنه أن يعجل بنخر كيانهم بل وإنهاء وجودهم إن آجلا أم عاجلا. إن تصريف هذه العدوانية وتبريراتها يصطدم مع الوعي الثقافي الثوري الجامح لدى الشباب الذي استلم زمام الأمور بعد سجن الرعيل الأول من رموز الخطاب الديني. وسيبقى صراع الرموز من’رابعة’ و’التحرير’ و’الإرهاب’… مؤثرا لا محالة على التماسك الاجتماعي مؤقتا. وسيغذيه الاضطهاد الممارس من طرف الانقلابيين، والذين ينطلقون من خلاله إلى إدانة الآخر ‘الشرعية’ وإلصاق الذنب به وتحميله المسؤولية وتحويله إلى ‘مذنب ‘يجب عقابه، مما يجعل العدوانية التي تسقط عليه مبررة ومشروعة، وهنا ومن حيث لا يدري الإنقلابيون يصبحون ‘مرضى’ لعدوانيتهم ونواياهم الآثمة، بل ويسقطون في مرض العظمة (البارانويا). اضطهاد يتمظهر من خلال صياغة ثقافة معادية تقلب المفاهيم رأسا على عقب وكأني بالانقلابيين يقولون لأصحاب الشرعية: ‘إنكم لستم جديرين بالحياة ولا خير يرجى منكم، ولا تصلحون لأي رفعة، ولا يحق لكم أن تحكموا مصر، ولا يحق لكم أن تحيطوا أنفسكم بأي اعتبار أو تقدير’. عموما هذا النوع من الإدانة ينتج عنه استعلاء واستكبار من جانب المتسلط الانقلابي فيفرد لنفسه هالة من الإعجاب والتقدير، باعتباره وحده الذي يستحق الحياة، أما أصحاب الشرعية الذين أتوا بواسطة الصناديق فعليهم أن يعترفوا برداءتهم وسوء انحطاطاتهم، ويتجرعوا كأس المذلة والمسكنة حتى الثمالة،بل ولينتحروا…’
كل هذا يذكرني بحكاية عن شيخ قبيلة أعماه تسلطه وهواه فأعجب بامرأة جميلة وأراد أن يتزوجها عنوة في حين أنها على ذمة رجل فقير عرف بالزهد والوقار. وصل الأمر الى السلطان فبعث أحد القضاة لحل هذه النازلة فما كان من الشيخ المتسلط إلا أن أتى بعشرة من شهود الزور لكي يدعموه في قضيته. توجه القاضي الى منزلي الرجلين ومعه كل أطراف القضية. فطلب من امرأة الزاهد أن تتوجه الى بيت الشيخ، وما إن وصلت الى الباب حتى تصدى لها كلب الحراسة بالنباح، فتراجعت المرأة من شدة الخوف. فأمرها القاضي بأن تتوجه نحو بيت الرجل الفقير الزاهد. هذه المرة استقبلها كلب حراسة منزل زوجها الحقيقي بفرحة عارمة. حينها ابتسم القاضي وقال للشيخ والشهود: ‘ألا تخجلون من أنفسكم؟ شهادة الكلاب أشرف من شهادتكم؟؟…فأمر بسجن الشيخ المفتري وشهود الزور الذين آزروه .
إن ما جرى بمصر هو اغتصاب لشرعية أسس لها الشعب من خلال استحقاقات انتخابية تاريخية والانقلابيون ومعهم شهود الزور الذين يؤازرونهم ليسوا إلا ‘لصوصا’ أخرجوا بواسطة صندوق الانتخاب ودخلوا من النافذة عنوة وهذا سلوك لا يمكن لشعب مصر ولا لأحرار العالم أن يستسيغوه. لقد فهم العالم أن أقصى ما يمكن لهؤلاء الانقلابيين أن يفعلوه هو أن يصنعوا العبث لمدة قد تزيد أو تطول ولكن في النهاية ومن حيث لا يدرون فإنهم ينصبون مشانقهم بأيديهم وما يؤكد ذلك هو التآكل الذي أصبح يتراءى للجميع من خلال التخبط الذي وقعوا فيه، فالتعثرات التي تواجههم على أكثر من مستوى خير دليل على أن يوم الفصل آت لا ريب فيه.
عبدالله المساوي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية