كثر الحديث والجدل اليومي في وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية الجزائرية أو حتى العالمية حول مدى الشرعية الدستورية لترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة نظرا لحالته الصحية السيئة جدا. فالرئيس مريض منذ فترة طويلة وهو غائب عن الوعي الكلي أو الجزئي أحيانا لذلك كان من واجب الحزب الحاكم إيجاد بديل جدي لشخصية فعالة قادرة على الترشح للانتخابات المقبلة المؤجلة خلال سنة 2019.
إن الاستخفاف بالطبقات المثقفة وإهانة منصب الرئاسة بمثل تلك الطريقة ستؤدي إلى إنحراف المسار الديمقراطي الإصلاحي والتنموي نحو المجهول. فكان من الأجدر تكريم الزعيم بوتفليقة عبر خروجه المشرف من الحكم ليتم تخليده في ذاكرة التاريخ. إذ بعد الترشح للعهدة الخامسة والعودة من جنيف بعد العلاج الروتيني وفي ظل تواصل الاحتجاجات الشعبية المتواصلة ودخول الجزائر في فوضى عارمة تم اتخاذ قرار تأجيل الانتخابات الرئاسية الجزائرية إلى وقت لاحق.
أما المصالح الاقتصادية الفرنسية في الجزائر فتدخل هي أيضا على الخط مباشرة وتواكب هذا الحدث الانتخابي الذي من واجب ومسؤولية الجميع إنجاحه ولو أن الرئيس بوتفليقة قد إتخذ القرار النهائي لتأجيل الانتخابات وذلك من أجل إمتصاص الغضب الشعبي والدعوة لعودة الهدوء في الشارع ثم سيتم بعد ذلك طرح مخرجات للأزمة عبر الحوار الوطني وتغيير النظام إلى برلماني وتسليم السلطة بطريقة سلمية للجميع.
أما في المقابل فإن السيناريوهات المحتملة بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة ستأخذ منعطفا جديدا في النظام الرئاسي بحيث من الممكن أن يتحول نظام الحكم من رئاسي إلى برلماني وذلك بطرح إستفتاء شعبي لتعديلات دستورية عميقة تمثل جوهر الديمقراطية المستقبلية في الجمهورية الجزائرية الجديدة.
مما لا شك فيه تعد الإنجازات العظيمة للرئيس بوتفليقة خلال فترة حكمه ثورة وطنية تمثل فخرا وإعتزازا لكافة الجزائريين. فكانت مسيرة الرئيس حافلة بالإنجازات الاقتصادية، الثقافية والسياسية بحيث تطورت في عهدته البنية التحتية للجزائر وتعززت مكاسب التنمية الاقتصادية على كامل ربوعها وتحولت الثروات الطبيعية إلى قوة مالية إنعكست بالنتيجة إيجابيا على رفاهية كافة الطبقات الشعبية الجزائرية.
وحققت التجربة الإشتراكية الشعبية لكافة الشعب الجزائري العدالة الإجتماعية مع تلبيتها للحاجيات الأساسية للمحتاجين والفقراء. كما ساهمت صناديق الدعم والتعويض للمواد الأساسية في تقليص نسبة الفقر بحيث إستفادت الطبقات الشعبية من بعض الخدمات المجانية مثل التعليم والصحة وخاصة منها إستهلاك المياه الصالحة للشراب. لكن شتان بين الأمس واليوم، إذ تغيرت الصورة لذلك الفتى الشاب الطموح في وزارة الخارجية في عهد حكم الرئيس السابق الهواري بومدين حتى بلوغه لمنصب الرئاسة في مسيرة عمل طويلة من خطابات رنانة وقوة شخصية مهيبة، وصولا اليوم إلى تلك الحالة المزرية من العجز التام عن الحركة والوهن الكلي وسوء الفهم. فالرئيس منذ إصابته بجلطة دماغية أولى في أواخر العشرية السابقة مع تكرار تلك الحالة من الإصابات طيلة العشرية الحالية وخاصة منها تلك الجلطة الحادة التي أصيب بها سنة 2013 حيث مكث زمن طويل في مستشفيات غراس في فرنسا للعلاج من هذا المرض الخطير جعلته غير قادر على التواصل مع الجميع أو الحـركة بسـهولة كالسـابق.
إن الرئيس بوتفليقة المريض لا يمكنه أن يعطي المزيد وهو في حاجة ماسة للتقاعد والإهتمام أكثر بصحته على أن يهتم بشؤون دولة وإدارة سلطة تحتاج إلى مجهودات وطاقات كبرى لتسيير الشؤون الداخلية سياسيا وإقتصاديا والسهر علي العلاقات الدولية مع الشركاء والحلفاء الإقلميين والدوليين الدائمين. فعلى هذه النتائج ومع تواصل الحراك الشعبي في الشوارع الجزائرية وتصاعد أعمال العنف والتخريب قرر الرئيس تأجيل الانتخابات إلى وقت لاحق حتى يتسنى للجميع التحضير للندوة الوطنية والإستعداد لتعديل الدستور وتغيير نظام الحكم.
مصالح الامبراطورية الفرنسية
قال تشرتشل ذات يوم «إن فرنسا هي التراب وفرنسا هي أيضا الامبراطورية» وإنطلاقا من هذه المقولة الشهيرة يتضح لنا مدى تغلغل السلطة الفرنسية في مستعمراتها السابقة. فبالطبع كان خروج فرنسا من تلك المستعمرات رمزيا وعسكريا فقط لكن الجوهر بقي الإحتلال الثقافي والسياسي والإقتصادي متواصلا إلى الآن. فمن البوابة الاقتصادية تتضح للجميع مدى حرص الإدارة المركزية الفرنسية عبر سعيها للحفاظ على مصالحها السياسية والاقتصادية الاستراتيجية في دولة الجزائر. كما أن بعثاتها الدبلوماسية هي التي تتدخل بالأساس في السلطة التنفيذية الجزائرية وكذلك في كافة دول القارة الإفريقية بتعلة حماية مستعمراتها والوصاية عليها تجاريا وماليا.
لا يمكن الجزم اليوم أن فرنسا بعيدة عن تلك الأحداث الحالية في الجزائر خاصة منها ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقية لولاية خامسة. بالتالي تراقب الإمبراطورية الفرنسية على أرض الميدان الأحداث الجزائرية المحلية بحيث لا يهمها من يحكم أو من في السلطة بقدر حرصها على متابعة التقارير الاستخباراتية اليومية وجمع المعلومات الشاملة والكاملة التي تحدد من خلالها مخططاتها ونظرتها الاستشرافية البعيدة الأمد. إذ يوميا تنقل التقارير السياسية، الاقتصادية والمالية للإدارة المركزية في فرنسا وعلى تلك النتائج من التقارير يتم إتخاذ القرارات اللازمة الردعية أو السلمية من أجل الحفاظ على مصالحها التجارية والمالية خاصة منها ما يخص مصادر الطاقة كالنفط والغاز وغيرها أو أسواقها الإستهلاكية الترويجية وحماية مستثمريها الفرنسيين في تلك الدولة. كما قال أيضا تشرتشل «لا يوجد صديق دائم أو عدو دائم بل توجد مصالح دائمة» بحيث لا يشكل لها ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة أو تأجيل الانتخابات الرئاسية المقبلة تهديدا مباشرا لمصالحها الاقتصادية المستقبلية لأنها تعرف من يحكم حاليا الجزائر.
سيناريوهات
أما بخصوص تخوفات الحكومة الفرنسية الحالية من المشهد السياسي الجزائري الحالي المتوتر مع تصاعد الاحتجاجات الشعبية وإنتشار الفوضى العارمة في الشوارع من خلال العصيان المدني والتمرد الشعبي الشامل تبدو واضحة نظرا لتجربة سنوات التسعينيات التي كانت دموية وإرهابية بشتى المقاييس في تلك الدولة التي أصبحت تعيش فوق صفيح ساخن. إذ تعتبر تلك المنطقة برمتها قنبلة موقوتة تهدد الأمن الإقليمي والدولي وأي حدث إنقلابي على السلطة بالجزائر سينعكس سلبا على دول الجوار وعلى الدول الأوروبية نظرا لقرب المسافة وأيضا على مصالحها الاقتصادية في مستعمرتها السابقة دولة الجزائر الكبرى إفريقيا.
إن الجزائر تعاني اليوم من مأزق دستوري كبير فالرئيس يعتبر غائبا كليا عن الوجود وترشحه هو عبارة عن مجرد صورة متحركة لا أكثر ولا أقل. أما القرار الأخير لتأجيل الانتخابات إلى وقت لاحق فيعتبر مجرد جرعة مسكن بحيث لا توجد دلائل واضحة على إعتزاله ممارسة السياسية. إذ عدم الترشح للولاية الخامسة لا يعني إنسحابه الكلي بحيث تعتبر هذه مناورة سياسية لمواصلة مهامه على السلطة التنفيذية التي يمكن أن تتجاوز إلى ما بعد الولاية الخامسة في الجمهورية الجزائرية الجديدة الموعودة التي سيكون بوتفليقة زعيمها وراعي حوارها. كما أن طرحه للندوة الحوارية الوطنية والإستعداد للتعديل الدستوري وتأسيس مجلس دستوري لكتابة الدستور الجديد ثم طرحه على الإستفتاء الشعبي كلها ستتم خلال مدة زمنية تتجاوز العهدة الخامسة بالفعل والتي لا تقل عن خمس سـنوات.
إن تأجيل الانتخابات هدفه الأساسي يتمثل في إمتصاص غضب الشعب مع تعزيز مواصلة الرئيس مهامه على السلطة التنفذية إلى مدة أطول تتجاوز العهدة الخامسة وخاصة أن الندوة الوطنية ستتحول إلى ساحة لممارسة السلطة التنفذية مع مدة طويلة لكتابة الدستور الجديد وطرحه على الإستفتاء الشعبي. إذن الجزائر تعيش حاليا على صفيح ساخن من الأحداث السياسية المستقبلية التي من الممكن بدورها أن تؤثر على الأوضاع الاقتصادية والإجتماعية. فإنفجار ذلك البركان الشعبي أو الإسلامي سيؤثر مباشرة على إستقرار الجزائر وسيعود بمشهد الأحداث الدموية التي عاشها ذلك البلد خلال فترة التسعينيات حيث كان بطلها الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة الذي حقق من خلالها المصالحة الوطنية والسلم الإجتماعية وساهم في تعزيز الإستقرار السياسي والاقتصادي.
كاتب تونسي