ظهر على حين غرة مني منزل أمامي، بدا أنه منزلنا ومن المعقول أن أكون أنا الذي يسير في الشارع وذاك المنزل هو منزل الوالد الغائب. وقفت أمي عند الباب تقول: لقد تأخرت، أين كنت، لقد أقلقتنا؟
فالتفتُ إلى الخلف، إلى المكان الذي كنت أمشي فيه، لعلني أرى سبب التأخر.. التفت الى الماضي كي أفهم لماذا تأخرتُ في هذا الوقت؟
وقفت عند الباب وهي تستفسر. وبالنسبة لي لم أجد الجواب. كنت الآن أدخل المنزل أما هي فقد ظلت واقفة تنتظر الجواب.
اضطراب وضجيج، لكنني عازم على الوصول، في طريق أحث فيه خطواتي التي تنظر إلى جهة هناك- كان العالم كله هناك، وحين رأيتها عند الباب لم أميزها، لأنني لم أكن هناك، لأنني لا أمشي، أنا هنا، والمنزل الذي ظهر أمامي المنزل القديم لا أحد فيه، أراه في بريتي المهجورة ومازالت علائمه قائمة: حائط متداع، فتحة نافذة، وباب مشرع، وعلامة زمن إنه كان هنا وكان يوما ما وجودا صاخبا.
لم أقدر أن أدخل، أيها المنزل الذي ظهر من عالم آخر وحضر أمامي ماذا تفعل في هذه اللحظة وأين مكان زمنك.
نزل المطر دوما نزل المطر، وهبطت ستائر النجوم، واستقر المكان، وكانت طيور الخلق المحلقة تدفع الذكرى إلى العودة إلى الصوت الذي كان أول مرة، أسمع مثله.
كان هناك ربيع، في شهر آذار، حين يتغير العالم ولا أدري هل هو في هذا المكان وتصر عليّ الذكرى ويعلو صوت الماضي حتى أظن انه يقود خطاي نحو الأيام التي لا تريد أن تنتهي، تبقى تدور وتدخل أعماقي وتتكلم وتتحاور وتخلق عبثها الراكن.
وقالت قلقت عليك أين كنت؟
هل أقول لها وأحكي قصتي أم أصمت وأدلف المنزل الذي لم يكن أمامي ولم يكن في زمني؟
سأفرض يا أمي أنك أنت التي تقف عند باب المنزل في ‘شارع قسطاكي حمصي’ المدينة حمص وأنني أنا الذي يمشي وفجأة هبط عليّ تصور قدري أن الحب لا مناص يبقى يتخفى ويغيب.
في حال أنني أعود من دون ولد ولا امرأة فقط الزمن والخيال المعلق في العلى…وكان هو الدنيا يتحرك في الكون الفسيح، النجوم عالية مضيئة بسرعات خافقة ونسر يحلق ويميل أبعد من الدرب.
وحيدا إلا من ماكنة الحب التي كانت تشتعل وتحرق الحطب والزرع والماء. سوف أدخل وأترك سؤالها. لم تكن تقف عند الباب، لم يكن هناك شارع ولا حمص، المدينة التي حرقتها النار وهدمها المغول. كانت واقفة فمررت من جنبها وهي تلتصق بالشق الآخر من الباب كي أمر وكي أذهب وأستلقي وأنام عائدا مرة أخرى إلى أحلام الحق.
لم أحلم، وعلى حين غرة انتهى النوم واستيقظت على صوت طائرات تشق رقة الصباح المنعش. كانت الطائرات في الغرفة، تخترق الجدران وتباغت المشاعر- إنها طائرات االمطار القريب من المدينة ترتفع في الفضاء كي تغيب بين غيم الربيع ثم لكي تنقض على المدينةـ وحين انقضت استيقظت. لم أسمع مثل هذا الصوت من قبل، وموجة هواء راحت تتهاوى في أنحائي تدخل من النافذة المشرعة.
الآن أعود وحيدا، وكما ترون، وخمنت انني من دون ذاكرة ذلك لأنني حين رأيت أمي لم أفكر بأنها أمي بل هي أم أخرى وتنتظر ابنها كي يدخل المنزل. وقالت:
لقد قلقت عليك، أمضيت وقتا طويلا في الخارج.
كانت طويلة ونحيلة، تربط إلى شعرها وردة. ثم مضت وحين احاول مرات ومرات بعد ذلك بزمن أن أعيدها وأجعلها تقف أمامي عند الباب لكنها ليست هنا. وما وجدت نفسي عليه أسير هو أنني في منطقة لا معالم فيها. كان الدخان يتصاعد من فتحات الأرض ويغمر ناظريّ. توقفت عند المكان الذي، لما، حتى ضجرتُ وسرتْ في داخلي خفة بيان، وموسيقى، كأن ماخُـلق في داخلي يقول أين أنا.
حين كنت أمشي نحو الباب- كما ترون هاهي أمي وقد رآتني، فتورد وجهها ولمعت عيناها فلوحت لي ورأيت عند الجدار المقابل للمنازل المتناثرة في ذلك الحي بابا آخر تقف عنده ابنة الجيران تفتح الباب وتتشاغل بأمر آخر، واستدارت كي تراني وإن رآتني أشاحت بوجهها تلتفت نحو المكان البعيد. نحو هناك كي تضيع في هذا الأثناء وتختفي. حين رأيتها عند الباب تصاعد وهم الحياة في جسدي، واشتعل النور، فتباطأت خطاي وتلكأت ولو أنها قالت كلمة واحدة: كانت تبتسم وهي تنحني نحو الأسفل لتلتقط من الأرض شيئا ما، هل علي أن أتحدث إليها؟ تأخرت خطاي وكأنها توقفت، مع أنني كنت أمضي، وأمشي، وأتظاهر بعدم الإنتباه، لكنها كانت تلك اللحظة التي تتسع وتتشبع بالمعاني، فقلت لها سوف يأتي وقت لا تجدين فيه حبيبا واحدا ينتظرك، الجميع سيغادرون. وشهقت وهي ترفع بيدها كرة صغيرة كانت قد التقطتها، شهقت: إيـــــــه!
كان شعرها المجدل الوحشي الذي جلبته معها من الغابة ملتفا حول رأسها ويرتفع عن جبينها الواسع وعيناها مثل زورق من حديد صلب لا مياه تحته، وقلت لها ضعي الكحل في عينيك الواسعتين المن سكبتين وهذا تمثيل ردئ وحالتي لا تقبل بذلك. هجم عليّ الضوء ودخلت أمي حين لم تجدني قالت للأهل الذين انتظروا جوابها: لم أجده، كلما يتأخر، وكل مرة، حين يراها يتغير وكأئنني لم أحمل به ولم ألده وهو ليس ابني ولا ملكي، رجل غريب الطباع لا قدرة لي على قراءة قلبه.
وهكذا حصل فرق واختلاف في قلب الأم، لقد أضاعت ولدها ومقلة عينها. وهبطت نحو الأعماق تنوح بصمت وتقول إن ما جرى هو بسببي، كان عليّ أن أبقيه في العالم الآخر.
لقد فات الآوان… لماذا حَدَرتِني؟
هجمت الطائرات نحوي، وكانت تقترب وتقترب وأنا لا أفعل سوى أن أراها تقترب، كانت تقترب مثل ضوء الشمس الذي حين يشرق لا يشرق بغتة بل يشرق ويتحضر، الضوء للإشراق والوصول، وكانت الشمس تصعد على مهل بينما الطائرات تهبط، وأحسست أن الذي يهبط نحوي هو شيطان يربط عمامة حول رأسه. وحين، إلى آخره، كانت الطائرات قريبة سوف تصرعني فصرخت أمي صرختها العظيمة، مما جعلني أجفل وأصاب بالساعة وأقع في أرضي ويلزم زمن.
وقعت في منتصف الشارع. في المكان الذي وقفت عنده ابنة الجيران. كانت قد رفعت الكرة الزجاجية كي تريني إياها هذه هي. التي كنت أبحث عنها وعن عينيها. ودحرجتها بالقرب مني. وقد جمعت الصرخة المجهولة حوالي سكان الحي، ولا احد يعرف من أين ظهروا. كان الحي شبه معزول، مقوضا، والجدران كانت تتساقط أمام عيني، تسقط وتتداعى وحين أهب إليها كي أرفعها وأسندها تحدث قضيضا شجيا أن العالم كبا على وجهه.
كانت ابنة الجيران هنا. تقف طويلة نحوي.
وأمي لم تقطع الصراخ. صراخها الطويل. على علم أنني أحمل في قلبي زهرة التي لا تدري كيف ولماذا ثم ألتقطت الكرة وتركتها تتدحرج قريبا مني، وبعدما أصابني ما أصابني ركضت نحوي وكفت عن الإستدارة وعن اللعب عند الباب.
من غير المعقول كي تصيبني الطائرات. لم يكشف أحد موقعي بعد، فأنا العائم الطقوسي.
وهي تسقط نحوي سقوطها الوطني.
وبالنسبة لي كنت في ذلك الأثناء أنظر نحو أمي التي تصرخ وجعلتني أجفل من غير المعقول أن تصيبني يا أمي فلماذا تصرخين. أن الموت غير مكتوب وأنا كما تعلمين هناك وبعيد عن المعمعة التي خرقت أجواء المدينة الساهية التي تهب عليها رياح اليوتوبيا التي في إحدى الأعصر رفعتني فوق السحب ورحت أرى حمص من بوابة الخلود.
كان شارع قسطاكي حمصي الطويل المنسق الذي يضحك تنتصب فيه أعمدة النور والجو، العصافير المرحة كبيرة الحجم تعلو ويسمع صوت علوها وهي تكاد تصل القمر.
حتى في الصيف هناك برودة وعصافير يقظة تختبر المدى الذي حين تغيب عنه الشمس يبقى مضيئا ومشرقا وتذهب الأنوار المتصاعدة كي تتكلم مع الأرواح التي تحلق فوق المدينة، لا أحد يرغب في هجرها ولا الإبتعاد عنها، حتى الموتى أنفسهم تراهم يعودون إليها مرة أخرى. كما هو حالي.
‘ كاتب من سورية
hsolaiman@hotmail.com