النظم المتوتر

استوقفتني ميمية للشاعر الجاهلي الأسود بن يعفر النهشلي، مطلعها (قد أصبح الحبل من أسماء مصروما //بعد ائتلافٍ وحب كان مكتوما). اختارها المفضل الضبي في مفضلياته وذكرها من بعده آخرون. ليس في القصيدة شيء مميز به تختلف عن بنات عصرها من قصائد الجاهليين وهو ما دفعني إلى التساؤل عن سبب اختيارها ففيها حديث عن هجر أسماء له بتعلة الشيب وهو يصف في القصيدة جمالها وجمال الخمرة وبهاء الرحلة مع الراحلة. ما رأيته في هذا النصّ أنّ النظم كان في القصيدة متوترا ليس فيه ما في الكلام المألوف من تدريج في الانتقال بين المعاني، بل فيها قطع ورجوع وقطع جديد ثمّ رجوع آخر إلى أن ينتهي النصّ ولا شيء يوحي بأنّه انتهى فعلا. سوف نترك جانبا فكرة أنّ التشتت راجع إلى أسباب خارج النصّ كأن يقال إنّ يدا عابثة قد أربكت النظم الأصلي الذي أورده الشاعر وأنّ يدا عابثة قد تكون يد الراوية أو الناسخ هي من فعل ذلك. هذه عناصر من خارج النصّ يعسر إثباتها لكن سننظر في التوتر باعتباره ظاهرة نصّية تشبه انتقالنا في كلامنا اليومي من موضوع إلى موضوع دون إتمام الأوّل والرجوع إليه من جديد ثمّ مغادرته ثانية فنحن نتكلم في خطابنا اليومي بشكل حرّ وفق ما يتيحه لنا الخاطر ويسمح به تركيز مخاطَبنا معنا طوال المحادثة وحسن متابعته لها.
يمكن أن نلخص فحوى قصيدة النهشلي بالتعريض على مضامين الأبيات وفق تسلسلها وهي هجر الحبيبة له والشيب الذي ابتلي به ثمّ افتخاره بنفسه ثمّ مواطن جمالها وتشبيه ريقتها بالخمرة ثمّ الحديث عن الخمرة لذاتها وقدامتها وأخيرا حديثه عن الدابة ومشيتها والأرض التي قطعها. سينبري ناقد مفعم بحب الشعر القديم والدفاع عن بنية القصيدة ليجد لنا منطقا في هذا الترتيب وهو بذلك يدافع عن أنّ في القصيدة نظاما سببيا يمكن إدراكه فالعلاقة بين الشيب والهجر علاقة سببية والعلاقة بين وصف الراحلة ومكان الرحلة أيضا له علاقة تجاور. لقد انصرفنا في غالب الوقت إلى صناعة نسق لقصيد قد يكون من داخله مشتت الأوصال لا إرضاء للنصّ وإنما إرضاء لمنطق خارج عنه هو منطقنا في تأويل الأحداث. ولو نظرنا إلى انفصال المضامين لوصلنا إلى نتائج أخرى تتعلق بما يسمّى تفكّر القائل وهو يقول وهذا يستبطن لحظة القول وطبيعة الشعر بما هو نصّ شفويّ.
إنّ النظم المتوتر الذي نبحث عنه هو ذاك الذي ينقل لك نوتر القائل ونشتت ذهنه لحظة القول هو قول لا دليل فيه على توع من المراجعة أو التحكيك لترتيب الأفكار، بل تساق تلكم الأفكار كما حدثت وفتها قي ذهن صاحبها. في ذلك ملامسة لطبيعة هذا الشعر الجاهلي الشفوية قبل أن يدوّن وفيه أيضا بحث عن التزامن بين تشتت الإدراك وتوتر القول.
الشفوية هي سمة ايّ خطاب بقطع النظر عن كونه مكتوبا أو شفويا ومن المعلوم أنّ الشعر الجاهلي هو شعر تناقله الرواة قبل أن يدوّن وهذا يعني أنّ حياته الأولى والوسطى كان شفويا وعلقت به خصائص الشفوية والإلقاء، ومن الممكن أن يكون النص قيل في سياق تفاعلي مثلما يقال أي خطاب شفوي اليوم في محادثة أو محاورة أو غيرها.
من مظاهر الشفوية التكرار كما في قوله واصفا صدودها بطريقتين رمزية وصريحة: (قد أصبح الحبل من أسماء مصروما// صدت) وربما كان ذلك التكرار لا يفيد فقط رجوعا إلى المعنى الأوّل بعبارات ثانية وإنّما يفيد التبسيط. ففي الخطاب الشفوي لا يقال عن الصدود ما قاله الشاعر أوّل مرة (قطع الحبل ) إلاّ إذا كان في العادة اللغوية اليومية هذا الضرب من الاستعارات أو الكنايات (أنّ العلاقة الغرامية حبل) يمتن في الوصل ويقطع في الهجر. نحن نعتقد أن الشفوية ليست في تكرار المعنى بشكلين رمزي وصريح وإنما بتكرير المعنى بقطع النظر عن حقيقيته ورمزه: وأنت تتكلم عن شيء مهمّ يمكن أن يدور في خلدك أنّ مخاطبك لن يركز عليه إلاّ إذا كررته وحتى لا تكون مملا فعليك أن تكرره بأسلوبين.
الشكل الثاني من التكرير يمكن أن نراه في القصيد من خلال التأكيد على معنى الشيب فقد حضر الحديث عنه بشكلين : الإخبار عن رؤيتها الشيب وقد علاه والتقرير على لسانها وقد رأت الشيب وذلك في قوله: ( لما رأت أن شيب المرء شاملهُ /بعد الشباب وكان الشيب مسؤوما // وقالت أرى شيباً تفرعه :إن الشباب الذي يعلو الجراثيما). أفاد هذا التكرير التفسير الذي يفيد الأمانة في نقل ما قالت هي وما سمعه هو منها. هناك إدراكان بصري: رأت وسمعي فيه تبئير على ما سمعه من تعليقها على شيبه. الشيب عنده ليس أمرا مدركا بصرا بقدر ما هو مدرك من خلال وقعه على حبيبة الأمس وقد رأت فيه علة الهجر.
في الشفوي، يُستخدم التكرير أيضا بوصفه علامة على الحيوية والانخراط في القول، إذ يُظهر المتكلم أنه متفاعل مع مستمعيه، وأنه مستعد لإعادة المعنى أو شرحه بحسب الحاجة. في الخطاب الشفوي، يكون المتكلم على اتصال مباشر بالمخاطب، مما يدفعه إلى تكرار المعاني أو إعادة صياغتها بطرائق متعددة لضمان أن المستمع فهم الرسالة. تكرير المعنى في الخطاب الشفوي ليس علامة على ضعف أو فقر لغوي، بل هو استراتيجية تواصلية وظيفية تتناسب مع مقتضيات الشفوية التي تقوم على التفاعل الفوري، وضمان الفهم، والمرونة في التعبير.
الأمر الثاني المرتبط بالشفوية هو تشتت الإدراك وهو يتضح في الأبيات الثلاثة الأخيرة وهي (حتى تناولها صهباء صافية: يرشو التجار عليها والتراجيما/وسمحة المشي شملال قطعت بها:أرضاً يحار بها الهادون ديموما/مهامهاً وخروقاً لا أنيس بها:إِلا الضوابح والأصداء والبُوما) فأنت ترى انتقاله من وصف الخمرة ومن يترجم لشرابها وإلى وصف الفرس ثم إلى وصف المكان الذي قطعه وقفره. يصف الشاعر أشياء مدركة آنيا متنوعة فالخطاب الشفوي غالبًا ما يُنتج في لحظته، ويتفاعل مع معطيات متعددة آنية (المخاطب، المكان، الإيماءات، …)، وهذا يفتح المجال لتشتيت الانتباه. فأنت عليك أن تفكر وأنت تنتقل بسماع الشعر وقراءته من فكرة إلى فكرة بعيدة عنها والانتقال فيه جهد إدراكي لأنّه سيكون جامعا بين بناء مشهد بكل عناصره وتأثيثه وتجهيزه لكي يكون مشهدا كاملا ثمّ ينتقل إلى مشهد آخر لا علاقة له بالأوّل. ليس من اليسير الانتقال من مشهد شارب الخمرة إلى مشهد مجاور هو ترجمة المترجمين للخمار كي يزود بها طالبيها. هناك صورة صوتية متعدّدة اللغات عليك أن تصطفي منها ما يبني انسجامها ويحاول أن يفهمها في سياق سابق: الشيب والهجر وفي سياق لاحق الرحلة. الشفوية غالبًا ما تكون حوارية، ويُحدث تدفق وتغيّرات مفاجئة في الموضوع. ولكن المتكلم وحيد هنا ولذلك يعدد أصواته الذاتية ومشاهده المتفرقة. لا تثبّت الشفوية المعاني في بنية لغوية مستقرة، بل تظل مفتوحة على تأويل اللحظة، مما يُسهم في تشتت الإدراك: تشتت الإدراك في هذا السياق ليس بالضرورة سلبياً، بل هو مظهر من مظاهر المرونة الإدراكية والتفاعل السياقي الوقتي. الدماغ البشري يعمل بشبكة ترابطية: كل فكرة تستدعي فكرة أخرى. هذه الذاكرة الترابطية تجعل الكلام يخرج أحيانا على شكل تشعّبات: يبدأ الشخص بفكرة. تذكّره هذه الفكرة بشيء آخر فيعود لاحقا إلى الأصل، إذا تذكّره.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية