كل عام يمضي تتناقص معه قيمة النفط، تتهاوى ميزانيات دول وتتعقد وضعية العديد من المجتمعات، وفي كل عام أيضا تتصاعد قيمة التكنولوجيات الحديثة وتتعاظم إيراداتها وتتوسع استخداماتها، تزيح النفط التقليدي عن عرشه، تاركة الباب مشرعا أمام بروز النفط المعرفي الجديد، أو البيانات الضخمة ، الذي بات سوقا استراتيجيا تسيطر عليه الصين بدرجة كبيرة جدا، وسط منافسة محمومة تخوضها مع الولايات المتحدة للظفر بأكبر حصة في هذا المجال الحيوي، الذي لا يكلف إمكانات ضخمة ولا استنزافا متوحشا للثروات الطبيعية، باستثناء الاستثمار الناجع في العقول وفي بناء الإنسان القادر على تطويع التكنولوجيا واستخدامها بذكاء في كل المجالات.
ثقافة الطبقة المهيمنة
إن الفقر والتخلف لا يرتبطان فقط بتوافر الموارد الطبيعية أو ندرتها، بل العقدة كلها في العقول المتحجرة التي ترسم السياسات العامة بعشوائية، وتسيء توظيف القدرات والكفاءات وتصر على إهدار الطاقات البشرية وتهجيرها، فالسلطة السياسية التي تتميز بثقافة ذات طابع شعبوي كلياني، تتبنى العنف والفساد والإقصاء والمحسوبية، تصير ثقافتها مع الوقت مُعدية وتنتقل بسلاسة إلى الحمض النووي لشعوبها، على رأي أنطونيو غرامشي «ثقافة الطبقة المهيمنة على السلطة، وبحكم عوامل عديدة، يمكن أن تكون بمرور الوقت هي الثقافة المتبنّاة من قِبل الطبقات والشرائح الاجتماعية المتضررة من تسيُّد تلك الثقافة»، حتى أن مفهوم الثقافة في عرف هذه السلطة يصير مقرونا بـ «الأفيون»، فكل ما يُغيب الوعي هو ثقافة، وكل ما يسحب الجماهير إلى مجالات غير السياسة هو ثقافة، وكل ما يُغلب العاطفة على العقل هو ثقافة أيضا.
كما أن السلطة المنكفئة على نفسها، والمقتنعة بما لديها من نخب أو مصادر دخل، لا تجد نفسها مضطرة إلى العمل والإنتاج والإبداع، لذلك هي سلطة فاشلة بامتياز؛ لأنها تسير من دون استراتيجية عقلانية وواقعية، وتتجاهل حركة التاريخ وتتعارض معها، مما يقودها إلى إهدار الطاقات البشرية والطبيعية وتعميم الفشل في جميع المجالات، متجرِّدة من أي رؤية مستقبلية أو وازع أخلاقي ضابط.
وحين تخفق الدولة التي تسير وفق سلطة تفتقد آليات الحوكمة الراشدة، في تنمية موارد المجتمع وإشباع حاجات طبقاته وشرائحه المختلفة وإرضائها، تلجأ -كما يقول سعد محمد رحيم في كتابه «أنطقة المحرم»- إلى «الاحتماء منه، وذلك بالانكفاء عنه، واستمالة أقلية انتهازية من الأفراد»، غالباً ما يتم انتقاؤهم بعناية من دوائر الجهلة وعديمي الضمير والفاسدين والقاسية قلوبهم، «فتغدق عليهم الأموال وتمنحهم الامتيازات على حساب الأغلبية»، ليكونوا أداتها في قهر وقمع أي نزعة للتغيير؛ ما يقود الجميع نحو شفير هاوية مرعبة، كما حدث مع الكثير من أنظمة الدول العربية التي انفصلت عن شعوبها واحتمت منها بدلاً من الاحتماء بها.
فهذا النوع من السلطة، بمؤسساتها السياسية والإعلامية والدينية والاجتماعية، مخنوق بتراتبية علاقات صارمة مبنيّة وفق معمار هرمي لا يسمح بالنقاش والحوار والرأي المخالف، ولا بتبادل الأفكار وتلاقح الاتجاهات، ولا يؤمن البتة بإمكانية النقد وإعمال العقل لكشف الأخطاء وفضح العيوب وتحفيز الإنتاجية وترشيد الحوكمة، المجد فيها للصوت الواحد شديد اللهجة الذي يسبّح باسم الأصنام -وما أكثرها- والغلبة لمن يحوز هامش سلطة ولو كان حارس بوابة.
لذلك، غالبا ما يكون التموقع فيها واتخاذ مكانة اجتماعية أو سياسية مرموقة، متوقفا على درجة الولاء وشدة التملق لمن هو أعلى في الترتيب الهرمي، وليس شيئاً آخر كالكفاءة والأخلاق مثلا، فنجد المنتفعين في مختلف المراكز والمسؤوليات، الذين يسوّقون للأوهام السياسية والاجتماعية والاقتصادية، هم غالبا من الجهلة والفاسدين، الذين يسعون جاهدين للحفاظ على امتيازاتهم ومصالحهم الشخصية، ولا يهمهم مستقبل أوطانهم ولا مصائر شعوبهم.
لكأننا اليوم نعاود تجربة العيش في عصر الجاهلية الأولى، فالقبائل التي كانت تتناحر من أجل مراتع الإبل والخيل، صارت تتقاتل بضراوة من أجل آبار النفظ والثروة والسلطة والنفوذ، والعقل الذي كان حبيس حدود الخيمة وبلا أفق، منغمسا فقط في التفكير في ملذات الجسد الحيوانية وسبل تحصيلها والظفر بها، هو نفسه العقل اليوم الذي لا يفكر سوى في إشباع غرائز صاحبه والجري المحموم وراء الماديات، دون أن يتجرأ على فك قيوده الفولاذية، أو مد أجنحة لنفسه يحلق بها في سماوات الإبداع والإبتكار، والانخراط في صناعة التاريخ والحضارة الإنسانية، حتى صار عالة على هذه الأخيرة، مهزوما مقلدا وتابعا.
الشرعة الإنسانية
إن الحاكم العربي إلى اليوم يغير جلده فقط ، فهو لا يملك أي نية للتنازل عن النظام الذي أسسه، أو تغيير أيديولوجيته وذهنياته وذاته العميقة، لذلك تبقى نظرته إلى شعبه في كل تمظهراته واحدة: « لا أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد»، فتراه يلقي إلى شعبه لقيمات وفتات من موائد الوطن العامرة، التي يستأثر بها لوحده مع زبانيته وعصبته، ثم يخرج على الشاشات ليمن على شعبه أن أطعمه وآواه وأسكنه وعلمه، وهلم جرا من الإنجازات الدعائية التي تركز على الشكل لا على الجوهر، وعلى الكم لا على الكيف، والتي هي في الأصل حقوق مكتسبة تضمنها الدساتير وتقرها الشرعة الإنسانية، لذلك فإن أي تضاد مع هذه القناعة المضللة، هو بمثابة تآمر على الدولة وخيانة للوطن ومحاولة لقلب النظام ونشر الفوضى، في تشبث مرضي بالسلطة وملذاتها، ونظرة إقصائية متطرفة للآخر المخالف.
باتت الدول العربية بأجمعها في الوقت الراهن، دولا هشّة يمكن أن تتهاوى في أي لحظة كجذع خرب نخره السوس، وهذه الهشاشة نتاج التمسك المرضي لقادتها بالملك والرياسة والزعامة، والتنافس على الدنيا حتى فسقوا فيها، وهو المسلك الذي قاد إلى الإنشغال بالمؤامرات والدسائس، والاستنجاد بالقوى العالمية والتذلل أمامها، وتقديم فروض الطاعة والولاء، بالتنازل عن السيادة أو جزء منها، أو تقديم ثروة من الثروات أو قرار من القرارات الاستيراتيجية والوجودية كهدية لهذه القوى، في سبيل الحفاظ على ملك أو رياسة أو سلطان أو سلطة، و تغليب كفة دولة على أخرى أو إفنائها إن أمكن ذلك، فبأسهم بينهم شديد.
الديكتاتوريات البشعة في العالم العربي ألفت تغيير سلوكها للتأقلم مع مطالب التغيير، فهي عادة ما تحتجب في خمار الديمقراطية، أو بمعنى أدق ديمقراطية الواجهة، فتترك الحبل على الغارب، حيث نسمع جلبة وضجيجا صادرا عن عشرات الأحزاب الهامدة التي أنشئت لتأثيث المشهد السياسي شكليا، بدون وجود قدرة حقيقية على الفعل والحركة، وصحافة متنوعة وغزيرة من حيث العناوين، متعددة من حيث التوجهات، لكنها تكتب وتنشر المألوف فقط والمعروف من العامة ومرتادي المقاهي الشعبية، محرم عليها الخوض في المسائل والقضايا المهمة والوجودية، إلا بإيعاز، كما أنها تسمح أحيانا بخروج المظاهرات في الشوارع، وارتفاع الصياح والهتاف، لكن هذا السماح حكر على مظاهرات موسمية تطالب عادة بأشياء تافهة وضيقة تهم زمرة أو جماعة محدودة، ولا تغطي مطالب شعبية أو سياسية ذات أهمية، وخلف هذا الزخم الزائف، تقول الدكتاتوريات العربية لشعوبها المغرمة بالديمقراطية: قولوا ما شئتم وأنا أفعل ما أشاء، رأيكم قابل للسماع وقراري محتوم النفاذ.
إن الزخم الثوري الذي عاشته و تعيشه بلدان شتى من العالم العربي سيتزايد مستقبلا، وهو بالأساس نتاج استحواذ قلة ممن يملكون السلطة والنفوذ ورأس المال، على مقدرات الشعوب وقوت الفقراء، في ظل أنظمة جائرة تنظر للإنسان العربي وفق نظرة استعمالية تجرده من كينونته الإنسانية وتحوله إلى مجرد مادة وصوت انتخابي، من خلال التشييء والتسليع، ضمن سلسلة إنتاج الثروة التي تصب في جيوب القلة من أصحاب الملك والسلطة والدوائر الضيقة الفاسدة المحيطة بهؤلاء.
والفساد في العالم العربي معد جدا، بل هو حالة شبيهة بوباء أسود قاتل، وهو ليس عرضيا، بل تجده منظما ومهيكلا، يتموضع في مفاصل الدول بمرافقها العامة والخاصة ولا يستثني قطاعا، فهو فساد نسقي يأكل من بعضه ويتضامن مع بعضه بعضا، ويستفيد من موارد الدول ليتعملق، ويحتكر مصادر السلطة ويوظفها ليبقى ويتجذر، حتى أنه لو قدر للمرحوم مالك بن نبي أن يعيش حتى وقتنا الراهن، لصك مفهوما جديدا «القابلية للفساد»على غرار «القابلية للاستعمار»، ولو أدرك «اسبينوزا» عصرنا هذا، لنحت مفهوما جديدا أيضا لتفسير الجريمة وسماه «كروموزوم الفساد» على غرار «كروموزوم الجريمة» الذي يؤدي إلى تشكيل شخصية المجرم، فالشر يبيض ويفقس داخل القصور وبين جنبات العروش وتحت ظلال الكراسي، إنها الأمكنة الأمثل والبيئة الأخصب التي تتناسل فيها المؤامرات والدسائس، وتتعملق بداخلها الخديعة والغِل والنفاق، ويحلو على بلاطها العربدة وبيع الذمم، والرقص على ما تبقى من القيم والجغرافيا والتاريخ.
كاتب جزائري