النظام السوري واغتيال الجميل: شارع نقمة… وآخر نعمة!

حجم الخط
0

النظام السوري واغتيال الجميل: شارع نقمة… وآخر نعمة!

صبحي حديديالنظام السوري واغتيال الجميل: شارع نقمة… وآخر نعمة!من جديد يقطع لبنان (الشعب اللبناني والشارع اللبناني علي وجه التحديد، قبل سلسلة المسميات الرائجة: أغلبية ، أكثرية ، حكومة ، معارضة …) خطوة إضافية نحو حافة الهاوية، بل يبدو وكأن واقع الحال علي الأرض أشد مأساوية من أية بلاغة قد يوحي بها مجاز الهاوية ذاتها. وإذا كانت جريمة اغتيال النائب والوزير بيير أمين الجميل تستأنف جرائم سابقة، ربما ضمن سياق خاص هو تعطيل إقرار مشروع المحكمة ذات الطابع الدولي، فإن السياق العام لا يضيف جديداً ملموساً هذه المرة، ما خلا أن تقنيات القتل مختلفة لأنها بالضبط هدفت إلي تفخيخ رسائل سياسية وأمنية مختلفة أو بالأحري طارئة.ولعل المفارقة الأولي هنا هي أن تلويح المعارضة بالنزول إلي الشارع، انتهي إلي نقيض غير منتَظر، وإنْ كان غير مفاجيء في المشهد السياسي اللبناني الراهن: نزول الأكثرية إلي الشارع، لتشييع قتيل جديد انضم إلي لائحة رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني، ولكن أيضاً لاستئناف روحية انتفاضة 14 آذار التي ارتبكت قليلاً أو فقدت زمام المبادرة أو تراخت، لكي لا نقول استرخت. وإذا كان سيناريو الجريمة التي تشحذ همة الأكثرية، وأهل انتفاضة الاستقلال علي نحو خاص، قد بات كلاسيكياً الآن، بل لاح وكأنه ارتدي صفة رد الفعل علي الفعل (ليس أكثر، أحياناً، للأسف)، فإن الفارق هذه المرة أن ورقة الشارع باتت نعمة هنا بقدر ما هي نقمة هناك، بين مختلف المسميات السالفة: أغلبية ، أكثرية ، حكومة ، معارضة …الآن، وفي المثال الأبرز داخل صف المعارضة، يلوح الأمين العام لـ حزب الله ، الشيخ حسن نصر الله، بالنزول إلي الشارع من أجل إسقاط حكومة فؤاد السنيورة وتشكيل حكومة وحدة وطنية، أو ـ إذا لم يتحقق هذا الهدف ـ الضغط من أجل تنظيم انتخابات نيابية مبكرة. وإذا صدقنا ما يعد به السيد من أن هذا النزول إلي الشارع سيكون سلمياً وحضارياً وغير عنيف وغير مسلح، فلا ريب في أن الخيار وسيلة ديمقراطية مشروعة تماماً (المفارقة أن السيد نفسه عابها علي اللبنانيين أنفسهم، ربيع السنة الماضية، أمام مئات الآلاف في ساحة رياض الصلح، حين اعتبر أن لبنان ليس أوكرانيا، وهو اليوم يريد من اللبنانيين أن يفعلوا كما فعل الأوكرانيون تماماً: النزول إلي الشارع، والاعتصام، والتظاهر السلمي والمدني من أجل تغيير واقع سياسي).غير أن خيار الشارع ليس باليسر الذي يبدو عليه، سواء في ما يخص تنفيذه علي نحو حضاري ديمقراطي أو في طبيعة القوي الخليطة التي ستشارك فيه ضمن أجندات متباينة في العمق أو لا تلتقي إلا علي أغراض انتقالية محددة ومحدودة. وبهذا المعني طرأت تلك الخلخلة الجلية التي اعترت قوي المعارضة مؤخراً، وقبيل اغتيال الجميل، بصدد قرار النزول إلي الشارع تحديداً: مشكلات التيار الوطني الحر وآل فرنجية مع الشارع المسيحي، والماروني تحديداً؛ ومشكلات آل كرامي مع جمهور السنة، في طرابلس قبل بيروت؛ وكذلك مشكلات الصف الشيعي الذي لا يبدو منضوياً تماماً خلف سياسات حزب الله الراهنة، سواء علي صعيد مواقف أمل ونبيه بري المتباينة في قليل أو كثير، أو مواقف مرجعيات دينية شيعية بارزة مثل السيد علي الأمين مفتي صور وجبل عامل، والسيد هاني فحص، وجمهرة واسعة من المثقفين الشيعة المستنيرين. وإذا افترض المرء، كما أفعل شخصياً، أن النظام السوري ـ بالتعاون الوثيق مع ما تبقي للنظام الأمني اللبناني السابق من جيوب خفية في مختلف الأجهزة الأمنية اللبنانية، وكذلك بالتنسيق والتعاون المباشر مع أجهزة استخباراتية خاصة تابعة لقوي لبنانية متحالفة مع النظام السوري ـ يقف خلف معظم جرائم الاغتيال التي شهدها لبنان منذ مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، فإن ما بات عاقبة كلاسيكية في هذه الجرائم هو السيناريو التالي: واقعة القتل تستهدف تغييب شخصية معارضة، أو تعطيل طاقة سياسية أو إعلامية أو فكرية، أو قطع الطريق علي دينامية تطوير نوعية في صف الأكثرية الراهنة (وهذا ما يقوي، ميكانيكياً كما يُظن، صف الأقلية المتحالفة عموماً مع النظام السوري)، ولكنها تنتهي إلي النقيض تماماً، أو لعل من الإنصاف القول إنها تسفر عن عاقبة مضادة مزدوجة: تقوية صف القتيل، وإضعاف صف القاتل!وفي المثال المأساوي الذي بين أيدينا، ورغم أن قوي 14 آذار فقدت شخصية شابة واعدة بالكثير، علي صعيد استئناف موقع آل الجميل في مؤسسة الرئاسة اللبنانية والصف الماروني إجمالاً، فإن الواقعة في ذاتها ـ ولأن أصابع الاتهام اتجهت إلي دمشق أساساً ـ ردت حال النظام السوري إلي الوضع الذي سبق حدوث تطورين أساسيين يمكن اعتبارهما في صالح النظام: مجيء السير نايجل شينولد، المستشار السياسي لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير، إلي دمشق بحثاً عن دور سوري إيجابي في العراق (وبالتالي: المقايضة بفترة سماح إضافية في حجم الضغوطات الأمريكية علي النظام)؛ وزيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلي العراق، بناء علي رغبة بريطانية وعدم ممانعة أمريكية، للبحث في ما يمكن للنظام السوري أن يقدمه من مساعدات أمنية ولوجستية للحكومة العراقية (أي: للاحتلال الأمريكي!).وأياً كانت طبيعة التقديرات السرية، الأمريكية قبل البريطانية في الواقع، لأقصي ما يمكن للنظام السوري أن يلعبه من أدوار في خدمة الاحتلال وتخفيف المأزق الأمريكي الشامل في العراق (وهي، في نهاية المطاف، أدوار هزيلة محدودة النطاق ومرتهنة مباشرة بموقف إيران ومرونتها واستعدادها للمشاركة، وليس بما يملك النظام السوري أو ما يوحي بامتلاكه في جعبته)، فإن اغتيال الجميل قد عطل الكثير من الزخم الذي أشاعته وسائل الإعلام السورية حول زيارة شينولد والمعلم، سواء بسواء. لقد عاد النظام إلي المواقع ذاتها التي وُضع، أو وَضع نفسه، فيها عشية الاغتيالات كافة: أنه المتضرر من واقعة الاغتيال، وأن المؤامرة خارجية (إسرائيلية، غالباً) تستهدفه إسوة باستهداف لبنان، مع غمز دائم إلي أن مجموعات في قوي 14 آذار قد تكون هي القاتلة!ومما له دلالة خاصة، تجمع مرارة المأساة إلي سخرية الأقدار، أن النظام السوري يتضرر بالفعل إثر كل واقعة اغتيال، ويرتد خطوات إلي الوراء، ويتطابق أكثر فأكثر مع صورة القاتل الذي يطلق النار علي قدميه، بعد أو قبل أو حتي أثناء الإجهاز علي الضحية! وفي تحليلات سابقة لوقائع وسياقات مماثلة كان آخرها اغتيال جبران تويني، اعتبرت شخصياً أن سلوك النظام أخذ يرتدي صبغة انتحارية تزداد ضراوة وشراسة ودموية، وبالتالي تنحدر أكثر فأكثر نحو المأزق، كلما زاد يقين أهل النظام بأن ظهرهم يلتصق أكثر فأكثر إلي الجدار الأخير. الساحة اللبنانية هي اليوم، وربما ليس كما كانت في أي زمن منذ التدخل العسكري السوري المباشر في لبنان سنة 1976، آخر ما تبقي للنظام من ميادين يناور فيها أو يستعرض قواه أو يوغل في المزيد من تخريب البلد علي رؤوس أصحابه حسب عبارة بشار الأسد الشهيرة في آخر لقاءاته مع رفيق الحريري.وكما في الماضي، وفي كل واقعة اغتيال عموماً، ترسل جريمة اغتيال الجميل سلسلة رسائل صارت بدورها كلاسيكية، أولها إلي الداخل اللبناني: خرجنا عسكرياً، ولكننا باقون علي الأرض أمنياً، أقرب من حبل الوريد، ننوع تقنيات القتل كما نشاء، وقريباً سننزل إلي الشارع سياسياً (من خلال الحلفاء، لا بأس، ولكننا سنتواجد!). وإلي الداخل السوري: إذا كانت ذراعنا في لبنان طويلة هكذا، في قلب بيروت، فكيف يمكن لذراع الاستبداد أن تكون، في دمشق وحلب واللاذقية؟ وإلي الجوار العربي والإقليمي: علي وعلي أعدائي، وزلزالنا هنا هو زلزال هناك عندكم، في بيروت كما في بغداد والرياض والقاهرة وعمان. وإلي أمريكا: في انتظار الصفقة، التي تخص إطالة عمر النظام أولاً وأساساً، لسنا جمعية خيرية، بل لعلنا أقرب إلي جمعية مافيوزية لا تلتزم بقوانين دولية أوبأعراف أخلاقية في ما يخص القتل وتقويض المعبد علي رؤوس الجميع، ولا بد أن نقبض الثمن في منجاة النظام.غير أن ما يفخخ معظم هذه الرسائل المفخخة إنما ينبثق مباشرة من ذلك المأزق الشامل الذي يعيشه النظام، وفي بيت السلطة مباشرة وضمن المعادلات القليلة الضيقة التي ما تزال تحفظ تكافلها وتضامنها. هذا نظام استبدادي ـ وراثي متهالك لا ينتهي من معضلة كبري حتي يدخل في أخري أكبر، علي أصعدة بنيوية وجوهرية عديدة بينها اختلال معماره الأمني ـ العسكري كما شيده حافظ الأسد منذ 1970 وخلفه لوريثه في حزيران (يونيو) 2000، وانحسار شبكات الولاء التي كانت تتكفل بالإبقاء علي النظام متماسكاً في الحدود الدنيا، ونضوب منابع النهب التي كانت خير المنافذ لترحيل التناقضات بين أطراف النظام، وإفقار المجتمع أكثر فأكثر مع اختلاط سياسات النهب المنظم بسياسات التخطيط التجريبي المتخبط. لا ينفصل عن مظاهر الاعتلال البنيوية هذه تلك المعضلات التي تخص شيوع مقاربات في السياسات الخارجية تجمع بين طيش الهواة ومجازفة المافيا ورهان المقامر، وما يرتبط بها من تساقط متعاقب لأوراق القوة التي كان الأسد الأب قد استجمعها عقداً بعد آخر علي الصعيد الإقليمي، وهبوط موقع النظام في المحيط العربي والإقليمي والعالمي إلي حال من العزلة شبه تامة.في موازاة هذا كله، ثمة ذلك الخطر الأكبر الخاص الذي يتهدد بيت السلطة من داخلها، أو ربما من داخل الداخل كما قد يصح القول، وأقصد تفكك اللحمة بين أطراف الحلقة الأضيق في السلطة، علي مستوي عائلة الحكم ذاتها أولاً، ثم بعدئذ علي مختلف مستويات المحاصصة في النهب وتقاسم النفوذ وتنظيم شبكات الولاء وتحسين المواقع في التسويات المحتملة القادمة، تالياً. وكما سبق أن تساءلنا في التعليق علي تغييب اللواء غازي كنعان: إذا كان احتمال وقوع شقاق بين عائلة الحكم (بشار الأسد وماهر الأسد وبشري الأسد ـ صهر العائلة ورجل الأمن الأقوي ـ اللواء آصف شوكت) ورجل مثل كنعان، كان آخر حواريي حافظ الأسد وأعلاهم كعباً في الشؤون الأمنية، قد حتم تصفية الأخير علي ذلك النحو الدراماتيكي الصارخ، فكم من غازي كنعان آخر ينبغي أن ينتظر دوره؟ وكم خادم تاريخي للنظام سوف يتحسس رأسه، إذا تكشف المزيد من الأسرار حول جرائم النظام هنا وهناك؟ وهل في وسع عائلة الحكم هذه، الضيقة أصلاً والآخذة في الانكماش أكثر فأكثر، أن تدير وحدها معارك البقاء القادمة، خصوصاً وأن تلك المعارك تَعِدُ بكل ما هو شرس عنيف؟ثم هل نستكثر علي نظام، ظهره إلي الجدار علي هذا النحو الدراماتيكي، أن يذهب إلي أقصي الحدود القصوي في الحيلولة دون تشكيل محكمة يمكن أن تميط اللثام عن كل تلك الجرائم، وأن تحاسب أدوات النظام المنفذة، من أعلي إلي أسفل، فتُحدث المزيد من الخلخلة في شبكات الولاء، وتطيح بالكثير من الرؤوس التي لا يُطاح بها دون أن تؤدي إلي مس شديد بأمن النظام؟ وكيف لا يكون سفك دم هذا الفتي، بيير أمين الجميل، رخيصاً عليهم… مثل أي وكل دم أريق أو سوف يُراق علي مذبح، وفي غمارمذابح، منجاة النظام؟9

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية