في كتاب «النقد الثقافي من النسق الثقافي إلى الرؤيا الثقافية» الصادر عن دار الرحاب الحديثة للنشر ببيروت سنة 2014، توسّل الباحث المغربي عبدالرزاق المصباحي، الأستاذ المبرّز في اللغة والآداب والحضارة العربية، سبيلَ مجموعة من الأسئلة الجريئة للوقوف على بيّنات النقد الثقافي العربي ومُضمراته عبر الاشتغال على عيّنة من منجزاته الحديثة.
وقد توخّى في إنجاز ذلك منهجية بحثية صارمة صورتها تحكيك عُدّة النقد الثقافي المعرفية، والنظر في مدى مواءمة شَرْطياته المصطلحية للخطاب الثقافي الحاضن للممارسة النقدية في الثقافة العربية. ولم يخلُ كتاب المصباحي من تقديم إضافتيْن مائزتين لمشغل النقد الثقافي العربي، أولاهما «البلــــيغ الثقــــــــافي» وثانيتهما «الرؤيا الثقافية». والباحث، في خلال كلّ ذلك، لا يني يُنبّه إلى خصوصية التفكّر الثقافي كممارسة جمالية، وينزّل مستخلصاته في الغرض منازل إجرائية دالّة، دونما وقوعٌ منه تحت إكراهات الوصايا القيمية أو أحكام الانطباع المتسرّع.
بنية الكتاب
توزّع الكتاب إلى فصول ثلاثة وُسم أولها بـ»النقد الثقافي بين استعادة الأنساق المضمرة والخطاب المضاد»، وقد تفرّع بدوره إلى مبحثين هامّيْن حمل الأول عنوان «مشروع النقد الثقافي عند الغذامي» وانصب الجهد فيه على طرح قضايا ثلاث رأى الباحث في الإجابة عنها مرتكزا لباقي فصول كتابه، وهي «النقد الثقافي تفكيك سلطة النسق أم إعادة إنتاجه» و»النقد الثقافي والنماذج الإرشادية» و»النقلة المفهومية أو تغوُّل النسق الثقافي».
أما المبحث الثاني من الفصل الأول، فقد نزع فيه الباحث إلى تقديم قراءة في تجربتيْن من تجارب النقد الثقافي العربي الحديث، الأولى مثلتها أعمال عبدالنبي اصطيف وتركّز فيها الجهد على تتبع مظاهر الحياة المنفتحة للنقد الأدبي. بينما مثّلت التجربة الثانية أعمال سعيد علوش وانعقد الرأي فيها على اعتبار النقد الثقافي نظرية مشوهة.
بالنسبة إلى الفصل الثاني من كتاب المصباحي فقد حمل عنوان «الأنساق الثقافية والخطاب» وفيه ناقش مجموعة من القضايا التي حصرها بالتأليف في اثنتين وصورتهما «مفهوم الشعر عند الغذامي» و«الفقيه الفضائي باعتباره صيغة ثقافية للتغيير».
وتوزّع الفصل الثالث من الكتاب وعنوانه «تسامي الأنساق في ديوان كزهر اللوز أو أبعد» لمحمود درويش، إلى مبحثين رام فيهما المصباحي تجاوز ما لاحظ من هَنات في منجز النقد الثقافي. إذ ناقش في أولهما الذي حمل عنوان «البلــــيغ الثقــــــــافي»، مسائل عديدة على غرار خـــفـــة العتبات وثقل المعنى، والوَاقعيّ والخَياليّ أو مجاورة الممكن، وإدوارد سعيد الواقعيُّ المجاور للخيال. وفي ثاني المبحثين وعنوانه «الأنا المتعددة أو الهوية المفتوحة»، تتبّع المصباحي تجليات الأنا في الخطاب الثقافي من خلال مسألتين أولاهما «الأنا بين سطوة الموت وفسحة الحياة» وثانيتهما «الأنا بين الهوية والمنفى».
الغذامي في المرآة
استثمر الباحث تجدد المُنجَز النقدي عند عبدالله الغذامي في رهانه على الجمع بين الرصانة والجماهيرية ليقدم في الفصلين الأولين قراءة لمشروعه في النقد الثقافي من خلال كتبه «النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية العربية» و»الثقافة التليفزيونية: سقوط النخبة وبروز الشعبي» و»الفقيه الفضائي» و»اليد واللسان». وإذا كانت قراءة هذه الكتب تتم أحيانا باعتبارها مستقلة عن بعضها البعض، فإن الباحث عبدالرزاق المصباحي قرأها باعتبارها جميعا كتبا تطبق آليات النقد الثقافي ومفاهيمه على بنيات خِطابية متنوعة كالشعر، والنص الديني والمدونة الفقهية، وثقافة الصورة، وظواهر القراءة والأمية والأكثر مبيعا. ومن ثمة، بحث المصباحي في مدى فاعلية الأداة النقدية الثقافية عند عبدالله الغذامي في مقاربة هذه الظواهر عبر قراءة الفرضيات المنطلق منها وطبيعة النتائج المتوصل إليها، وغايته من ذلك تبيّن مدى قدرة النقد الثقافي على ربح رهان الوجودِ داخل الأنساقِ وخارجَها في الوقت نفسه.
وفي هذا الشأن، ناقش المؤلف مفهوم النقد الثقافي عند الغذامي وخلص منه إلى تحديد تركيبي يعتبره نشاطية نقدية ترمي إلى تفكيك أنساق الخطاب، سواء أكان إبداعيا أم لوغوسيا خالصاً أم مقدساً. وهو مفهوم معنِيٌّ بنقد الذهنية المتمركزة الناسخة للغير والساعية إلى الهيمنة والاحتواء والإلغاء دون اعتراف لحق هذا الآخر في الوجود والرأي، أي ما يسميه عبدالله الغذامي قبحيات الخطاب، وهي قبحيات منغرسة في تفكير الناس وفي المؤسسة الرسمية وتتخذ أشكالاً متنوعة من التلبس في الخطاب، ليس أقلها الاختباء من تحت عباءة الجمالي/ الشكلي. فالنقد الثقافي خطاب في نقد المتعة ومضاد لإنتاج الهيمنة بوساطة أنظمة ثقافية تعطل الوعي الناقد وتدخله في سيرورة طويلة من التلقي السلبي الذي من نتائجه القاتلة تكوين شخصية مشوهة بالعيوب السلوكية وأنماط تفكير مستلبة وطيّعة في يد المؤسسة الرسمية والخطاب النسقي عامة. إلا أن المصباحي ولئن كان يعتبر أن الإبدالات التي اعتمدها الغذامي (الدراسات الثقافية مع مركز برمينغهام، نقد ثقافة الوسائل مع غوستاف كاللنر…) قد أعمل فيها صاحبها كثيرا من النقد والتجاوز لتلافي سقطاتها النظرية والإجرائية، فإننا نلفي الباحث ينتقد فيها من جهة أولى إعلان الغذامي موت النقد الأدبي باعتماده مفاهيم بلاغية تنتمي في الأصل إلى مؤسسة النقد الأدبي (المجاز، التورية..) بعد تحيين أدواتها وقصديتها لتدل على الكلي الذي يهم الخطاب (التورية الثقافية، المجاز الكلي). ومن جهة ثانية، يرى المصباحي أن القول بموت النقد الأدبي هو استعادة لا واعية للنسق الناسخ؛ بل إنه إحدى أبشع أنواع الإلغاء. فالقتل، في جوهره، ليس مجرد حجر ظرفي، أو هيمنة قاسية تعترف بحق الحياة؛ وإنما هو إلغاء كامل للوجود.
مفهوم الشعر عند الغذامي
يعرض عبدالرزاق المصباحي تحت هذا العنوان تصور الغذامي للشعر من خلال كتابه «النقد الثقافي» الذي اعتبره الباحث أحد أخطر الخطابات الحاملة للأنساق الثقافية المضمرة التي جنت على الشخصية العربية ووصمتها بعيوبه؛ بل إنه وصفه بالجرثومة المستترة بالجماليات التي تتضمن شخصية الشحاذ والمنافق (الشاعر المداح)، والطاغية الثقافي (الشاعر الهجّاء)، والمؤسِّسة للخطاب المتعالي المُحَقّرِ لخصومه والراغب في سحقهم وإلغائهم، ابتداءً من عمرو بن كلثوم، مروراً بالمتنبي وأبي تمام، وليسَ انتهاءً بنزار قباني وأدونيس، وهو تصور يرى المصباحي أنه محفوز بموقفه السالب من الجمالي والشكلي الذي يعتبره أداةً أصابت فعل الاستقبال لهذا الخطاب الجماهيري بالعمى الثقافي لمدة طويلة.
ولقد سجَّل عبدالرزاق المصباحي أن الغذامي يضمّن، في هذا الموقف السلبي من الشكليّ والجماليّ، محاولةً نسقيةً في تنميط الخطاب الشعري، وجعله شبيها بخطابات لوغوسية أخرى حينما يرمي اللغة الشعرية بالتعالي عن متلقيها بسبب مجازاتها واستعاراتها دون اعتبار كونها مقومات تحفظ خصوصية الشعر، فيدعو الشعراء إلى استعمال لغة وسيطة تتموقع بين الفصحى وبين اللغة المحكية، كما أن الأداة النقدية الثقافية كانت تعتمد الانتقاء والانتخاب الذي لم يخلُ من تضخيم وتهويل لوظيفة الشعر وذلك من جهة أن السياسة، وهي الفاعل الحقيقي الأخطر، جعلت من الشعر إحدى أدواتها لتمرير الأنساق المعيبة المعطلة للوعي الناقد، وهو ما مثّل أحد أشكال تعامل الأنظمة غير الديمقراطية مع مواطنيها (أو رعاياها)، وبالتالي فإن العمى الثقافي أصاب أداة النقد الثقافي وهي تقارب الشعر، مضمنة رغبة جامحة في إلغائه، مثلما رامت في مرحلة أولى إلغاء النقد الأدبي.
الفقيه الفضائي باعتباره صيغة للتغيير
ينيط الغذامي وظيفة تغيير الذهنية وكسر سلطتها المتمركزة والمقدسة بالفقيه الفضائي بوصفه صيغة ديمقراطية للتغيير خاصة أنه يوظف وسائط الاتصال الحديثة ويطوعها في إنتاج خطاب ديني وسطي يؤمن بالاختلاف ويقاوم سلطة المؤسسة الرسمية التي تنحو صوب الحظر والرقابة والمنع وتصفية الآراء التي توائم سياستها. وقد لامستْ الأداة النقدية الثقافية في كتاب «الفقيه الفضائي» للغذامي مظاهر النسق الثقافي المقدس في التعامل مع الخطاب الديني؛ لكن عبدالرزاق المصباحي يرى، خلافا للغذامي، أن اقتراح الفقيه الفضائي بوصفه صيغة تغيير مهمة لا تخلو أيضا من مثالب، إذ الفتح المطلق لمسألة الإفتاء أدى إلى ظهور فتاوى التكفير الكثيرة التي تبيح قتل المخالفين في الرأي، وذلك يحدث من قبل فقهاء فضائيين يستعملون سلطان الوسيلة الثقافية (الصورة). بل إن الكثير منهم يفعل ذلك خضوعا لأجندات سياسية محلية ودولية ترمي إلى صناعة صورة منمطة عن المسلمين والعرب لتنفيذ مخططات جهنمية للسيطرة على السلطة أو الهيمنة على مصادر الطاقة المستقبلية.
تسامي الأنساق في شعر درويش
يرى الباحث عبدالرزاق المصباحي أن الأنساق الثقافية، خلافا لتصور الغذامي، لا تتسرب في جميع الأحوال عن طريق الثقافة في غياب وعي تام للخطاب الذي تسكنه، وإنما هناك إمكانية أن يتسامى الشعر على الأنساق الثقافية المعيبة. لذلك قال المصباحي بمفهوم الرؤيا الثقافية، التي هي عنده رؤيا منفتحة ومشبعة بالحياة تقول بالأنا المتعددة التي تحتوي الآخر وتستحضر صوته المغيب في ثقافة التمركز، والذي تَجسدَّ، أي الصوت المغيب، في المثيل والقرين المصاحب لذات محمود درويش في ديوانه «كزهر اللوز أو أبعد»، إذ تنفرز عن أناه ذوات أخرى تجسيداً للحق المقدس في الوجود المتعدد، وفي استبطان الآخر المختلف مشاعرَه ورؤاه دون خوف من سطوة الحظر والمنع والنسخ.
وهي جميعا أشكال للتسامي الوجودي في ظل رؤيا ثقافية تؤمن بالغيرية والاختلاف والطباقية التي يبثها الشعر مع درويش بكل الفتنة اللازمة، ولقد كان المفهوم الإجرائي البليغ الثقافي أداة المصباحي النقدية الثقافية الخاصة لملامسة أشكال هذا التسامي ضمن ما سماه الرؤيا الثقافية عند محمود درويش، وهي محاولة منه لتطويع الأداة الثقافية لتكون قادرة على تبئير الجانب الواعي في التجربة الشعرية وتستكنه المضمر الثقافي فيها دون حصر الغاية منها في التوغل المغالي في عيوب الشعر.
٭ كاتب تونسي
عبد الدائم السلامي