المرتدون: تأريخ للشخصية الغربية (3 من3):

حجم الخط
0

المرتدون: تأريخ للشخصية الغربية (3 من3):

المسلمون الموريسكوس ختنوا ابناءهم وصاموا رمضان وتمسكوا بعاداتهم حتي بعد تنصيرهمعندما تهاوت فكرة الحلال والحرام مال الغرب لاتهام الاخر مسلما ام يهوديا بكل سلبياته ورميه بكل رذيلةالمرتدون: تأريخ للشخصية الغربية (3 من3):عرض وتقديم: ثامر بيراويہهذا كتاب مهم من ذلك النوع من الكتب التي يمكن تسميتها بذات الحدّين، ولا غرابة في ذلك، فالقلم كما السيف والكلمة كالمنشار، قال ذلك عرب وقد يقوله اليوم غربيون معاصرون، والحكمة ضالة المؤمن بحتمية الصح وفناء الخطأ، وقبل هذا وذاك كل شيء فان الا وجه الحقيقة.وأكثر من أن يكون هذا الكتاب ذا حدين فهو كتاب حدود، موضوعه يخترق الحدود التقليدية بمعناها الجغرافي المعروف ويرسم لنا عوالم كبقع الزيت الهائم فوق الحدود.فمن الناحية العملية البحتة كان هذا الكتاب فرصة جيدة لكاتبته المثقفة الغربية المعتدلة الأهواء والجدية التثقيف للتعرف علي زوايا خبيئة من شخصيتها كفرد وكمجتمع، وهو للقارئ الغربي تحسس لحبله السرّي الذي قد يكون قد نسيه كاملا أو نسي بعض أجزائه.أما لنا فهو سياحة وعلم ومعرفة وتاريخ وجغرافيا وحسرة وتأمل وتعلم، تماما كما تقول الكاتبة عن نفسها نيابة عن قومها، فالآخر نعرفه بالتعرف أيضا علي أنفسنا وتظل لعبة المرايا هذه مهمة لكل من أراد مصارحة نفسه ومعرفة الخبيء من زواياها.وتبقي ميزة الكتاب الأساسية انه يعالج قصة قوم احتار مجتمعهم الأصلي فيهم فلم يصل لا في الماضي ولا في الحاضر الي رأي نهائي حول انتمائهم، وهؤلاء هم من عرفوا في الغرب بالمرتدين، وفي التسمية هذه تهمة ليس مفروضا علي القارئ تبنيها، فهم مرتدون بالنسبة للكنيسة وقد يكونون مهديون، وهم شبيهون باليهود والموريسكوس الذين اعتنقوا المسيحية مع فارق وحيد ومهم جدا وهو أن المرتدين دخلوا الاسلام طواعية في أغلب الأحيان بينما اليهود والموريسكوس أجبروا علي اعتناق المسيحية ومع هذا عاملهم مجتمعهم الغربي بالشك الدائم والمستمر الذي أفضي في نهاية الأمر الي اجلائهم قسرا عن بلادهم في عملية تطهير عرقي ـ ديني لم يمارسها الشرق أبدا حتي في أحلك أيامه.(الطائفة المحمدانية) ان وجود (أماكن الحدود) و(أشخاص الحدود) اللذين شكلا ما يشبه (مساحة محايدة) في الوساطة بين عالمي البحر المتوسط المتناقضين في الفترة ما بين 1550 و1650 قد تزامن ـ تقول الكاتبة ـ مع مرحلة تغير عميق في العلاقات بين الثقافة الأوروبية الغربية و(الآخر) المسلم الذي مثلته الامبراطورية العثمانية. وتلاحظ الكاتبة أن الأوروبيين ومع احتفاظهم بالخوف من العالم (التركي) الاسلامي الا أنهم بدأوا يعتبرونه أقل خطرا و أكثر ألفة خاصة مع نهاية القرن الخامس عشر عندما تراجع الاعتقاد السائد بأن الاسلام ليس الا تأويلاً محرفاً للمسيحية ليحل بدلا منه اهتمام به بعينه. وهذا الاهتمام بدوره كان مصاحبا لتغيرات مهمة، منها اكتشاف العالم الجديد واكتشاف ثقافات وديانات بعيدة كل البعد عن ديانات أهل الكتاب ما جعل صورة المسلم في عيون الغربيين أكثر قربا لهم. وهكذا ومع الاستمرار في اتهامهم بالالحاد والفجور لم يعد أتباع (الطائفة المحمدانية)هم الوحوش وأخذ مكانهم في المخيل الجمعي الأوروبي مواطنو العالم الجديد كما تعتقد الكاتبة. وباحتكاك الثقافة الأوروبية بديانات وثقافات العالم الجديد صحيح أنه توسع أمامها فضاء (الضلال) ولكنها بقيت محافظة علي أساسيات رفضها للآخر، وتدلل الكاتبة علي ذلك أن غزاة العالم الجديد من الاسبان أطلقوا تسمية مسجد علي أماكن عبادة أهالي العالم الجديد الوثنيين كما أطلقوا تسمية (القاهرة الكبري) علي أحد المدن الأصلية المهمة، كما قام الاسبان بتصدير احدي الرقصات التي ما زالوا يمارسونها في بلادهم في احتفالات بعض مدنهم وهي الرقصة التي يكون احد طرفيها خاسرا ويمثلهم في الأصل (لوس موروس) أي المسلمين الذين حل مكانهم هنود العالم الجديد بينما الرابح في الحالتين يمثله الطرف الغربي المسيحي. وقد لعبت الثقافة البروتستانية في رأي الكاتبة دورا مهما في دفع عملية البحث عن التشابهات مع الاسلام، اذ أنها لم تخفِ منذ البدء تعاطفها مع دين مثل الاسلام يلتزم بقوة بفكرة التوحيد ورجال الدين فيه لا يمثلون طبقة علي غرار الكنيسة الكاثوليكية ويمنع التجسيد والصور. وبالطبع ـ تؤكد الكاتبة ـ بقيت اختلافات أساسية في الممارسة العملية وفي التنظير الفكري الايديولوحي خاصة في موضوع هو عقدة الاختلاف بين التيارات الفكرية المسيحية نفسها الا وهو (التبرير بالعمل)، فالمسلمون كما هو معروف يؤسسون شخصيتهم الدينية علي سلسلة من الممارسات اليومية وبالتالي علي أعمال يؤدونها اطاعة لأحكام القرآن وبهذا ـ تقول الكاتبة ـ يصطدمون وجها لوجه مع الطوائف البروتستانتية التي عن طريق (التبرير بالايمان) كانوا يذهبون حد الشطط في عملية الابطان الحاضرة في التقاليد المسيحية. وعلي كل حال بقيت ـ في رأيي ـ علاقة كل التيارات المسيحية مع الاسلام ذات رأسين: اذ عادة ما كان كل تيار يتهم الاخر بالشبه والتعاون مع الدين الاسلامي وفي الوقت نفسه ضرب المثل في تعاون المسلمين وجديتهم الدينية واعتدالهم. وقد فتح اكتشاف العالم الجديد ـ تقول الكاتبة ـ آفاقا جديدة لأوروبا ظهرت آثارها في طريقة رؤية أوروبا لنفسها خاصة بعد اكتشاف مطواعية واستعداد الشعوب الأمريكية للدخول في المسيحية وهذا ما أعطاها قوة وحماسا خاصة للكاثوليك منهم والذين كانوا الأوائل في بدء الاستعمار عن طريق الوجود الاسباني، وبهذا ـ تلاحظ الكاتبة ـ تكون قد انتهت فترة العصور الوسطي التي عرفت حرب مواقع مهلكة مع المسلمين وصداما لم ينته ابدا مع اليهود وكلاهما عصيان علي الدخول في المسيحية، وبدأت مرحلة جديدة من الأمل بنشر المسيحية في كل العالم. واذا كانت ولادة الاسلام وانتشاره قد شكلا صدمة للعالم المسيحي ـ كما تقول الكاتبة ـ وكبحا من نجاحه فان اكتشاف العالم الجديد جاء ليجدد الطموحات التوسعية للمسيحية وبالتالي اضعاف التوجهات الانفتاحية تجاه الاسلام من جهة وإثراء تجربة الدعوة للمسيحية ونقلها للبلاد الاسلامية من جهة أخري، فقد استفادت مثلا البعثات التي أنشأها (فيسيمت دي بول) من التجديدات الناتجة عن التجربة الأمريكية، ومع أن جهودهم كانت فاشلة ـ كما تلاحظ الكاتبة ـ الا أن حلم تنصير المسلمين لم يمت ويدل علي ذلك برأي الكاتبة نشوء وتطور أدب خاص يعني بتربية وتدريب المبشرين المنتدبين للعمل في أرض الاسلام، وقد اتخذ هذا الأدب قالب الحوار بين ممثلي ديانات مختلفة وهو أدب كان له نجاح واسع في العصور الوسطي كما تذكر الكاتبة ونشر في عام 1683 الفرنسي (الأب ناو) الذي عاش طويلا في سورية حوارا مماثلا أراد به دحض فكرة عدمية واستحالة الحوار مع (الأتراك) بشأن الدين، وكان (ميشيل ناو) هذا واثقا من نفسه لدرجة اعتبار عمله التبشيري بين المسلمين ليس (رميا للدرر علي الخنازير) بل (تحويل الذئاب الي خراف) كما يقول حرفيا، وقد استفاد (ناو) من انفتاح الاسلام علي المسيحية كما تقول الكاتبة ليقنع مستمعيه من المسلمين بأن محمدنفسه (ص) يعترف بتفوق دين عيسي عليه السلام. ويبدو أن (ناو) ـ تلاحظ الكاتبة ـ كان يعلم جيدا انه وبالرغم من أن الديانتين ـ الاسلام والمسيحية ـ ولدتا من كتب إلهية مسطورة الا أن السلوك المسيحي تجاه كتابهم المقدس مختلف جدا عن سلوك المسلمين، حيث لم يأخذ المسيحيون ـ كما تقول الكاتبة ـ كتابهم بحرفيته بل فسروه واعادوا تفسيره بهدف استنباط المعاني المخبأة فيه، بينما المسلمون يقبلون المعني الظاهر والمباشر لكتابهم. وتلاحظ الكاتبة كيف تصدي اليسوعي (ميشيل ناو) في كتيباته التثقيفية لما تعتبرها الكاتبة المواضيع أو النقاط الخلافية بين الديانتين والثقافتين وهي نفس المواضيع التي اعتبرها (ماكس ويبر) نقاط خلاف بين الثقافتين أي: الموقف من الكتب المقدسة، الاختلاف في فهم مبدأ التوحيد، معادلة الدنس ـ الخطيئة وحرية الاختيار، وهي فروق تمس اسس البناء الثقافي كما تلاحظ مثل العلاقة مع الجسم وبالتالي الجنس وكذلك المساحة المتروكة لحرية الاختيار الشخصي فيما يخص السلوك الديني، أم فكرة التوحيد فبما أن اله المسلمين بعيد وغامض ـ تقول الكاتبة ـ فان أحكامه أبدية وغير قابلة للتغير، ولهذا علي المسلم أن يتبعها حرفيا بينما العبادات في المسيحية مصدرها الكنيسة التي تغيرها لتتناسب مع الظروف. وفي المحصلة تلاحظ الكاتبة أن الثقافة المسيحية دون الاسلام هي التي طورت من قدرتها علي فهم ودراسة (الآخر) فالثقافة الاسلامية كما تقول لم تظهر أي اهتمام أو حب استطلاع تجاه أعدائها الأساسيين وخاصة المسيحيين منهم حتي القرن التاسع عشر علي الأقل. ولأن معرفة الذات تمر بمعرفة الآخر فان الكاتبة تتخيل ان تجربة (المرتدين) احتلت موقعا متقدما في عملية التعرف الأوروبي علي الذات مع كل ما ينقص هذه التجربة من مصادر بسبب الصمت الأوروبي عن هذه (الفضيحة) كما تقول.الدم أو الدنس(الطبخ لغة يترجم بواسطتها كل مجتمع بلا وعي مبادئه) ليفي شتراوسالباطن/الظاهراعتمادا علي أرشيفات محاكم التفتيش تورد الكاتبة أمثلة تظهر من خلالها السهولة التي اندمج بها (المرتدون) فيما تسميه الكاتبة الطقوس الاسلامية أي عزوف المرتدين عن أكل لحم الخنزير ـ علانية علي الأقل ـ وشرب الخمر ـ وهو محرم عادة ما التف عليه المسلمون أنفسهم ـ كما تقول الكاتبة وكذلك ممارستهم للاغتسال وأكلهم اللحم أيام الجمعة وقبولهم بالختان، وتستشهد الكاتبة بروايات (المرتدين) عن طرق الختان وانهم كانوا يربطون أو يمسك بهم أربعة رجال أثناء الختان لمنع وقوع اذي بهم، وقد استخدم بعض المرتدين هذه الظروف للقول فيما بعد أمام محاكم التفتيش أن ختانهم كان اجباريا كما تقول الكاتبة. وكان المرشحون للدخول في الاسلام يخافون الختان لأسباب كثيرة كما تقول الكاتبة أهمها الخوف من حمل علامة جسدية دائمة قد تكون دليل اثبات ضدهم في حال رجوعهم الي المسيحية ـ وهو احتمال لم يستبعد ابدا ـ كما تقول الكاتبة، اضافة الي الخوف من الألم الجسدي الناتج عن الختان أو حتي الخوف من الاخصاء أو أن يكون ضحية لممارسات لواطية تعود عليها واتهم بها كما تقول القراصنة (البربر)و تحدثت عنها كثيرا الثقافة الشعبية لشعوب المتوسط.. فالخوف من الختان كان هو الخوف الأوحد والكابح الوحيد لمن أراد الدخول في الاسلام من الغربيين وقد فعل كثير منهم ذلك وبسهولة تلفت انتباه الكاتبة باستمرار وتقارنها بصعوبة ان لم يكن استحالة ارتداد المسلم حتي في ظروف عصيبة، وعند هذا الحد كان لا بد من التطرق الي تجربة (الموريسكوس) أي المسلمين الاسبان الذين تولي في نهاية القرن السادس عشر أمر الاشراف علي صدقية اعتناقهم الجمعي للمسيحية قبل هذا التاريخ بخمسين عاما ما سمي حينئذ بالمكتب المقدس. فمن تقارير محاكم التفتيش هذه يظهر للكاتبة أن أهم الصعوبات في عملية اندماج المسلمين الموريسكوس حدثت بالتحديد في مواضيع الأكل وطرق الاعتناء بالجسد. فموريسكيو غرناطة تقول الكاتبة ختنوا أبناءهم وصاموا رمضان ولم يأكلوا خنزيرا ولا شربوا الخمر وبشكل عام تمسكوا بعاداتهم الغذائية حتي بعد تنصيرهم. وكان هذا سببا لكثير من الاتهامات والمحاكمات ضدهم، ولكن هذه العادات الغذائية تقول الكاتبة كانت الوسيلة التي سمحت للموريسكوس بالتواصل مع ماضيهم وتاريخ شعبهم وبناء جاليتهم وتمييزها عن جيرانهم المسيحيين الذين كثيرا ما كانوا يقيمون دعاوي ضدهم بسبب هذه الممارسات اليومية. واضافة الي الغذاء كان الجسد وطرق نظافته وأوقاتها أحد التهم التي دائما ما وجهها الجيران النصاري للموريسكوس.جدير بالذكر أن فن وتراث الأيقونات الغربي والمسيحي عامة حافل بما لا يحصي من الأيقونات التي تمثل المسيح عليه السلام لحظة الختان، وهناك محاريب في بعض الكنائس تسمي محاريب الختان مما يدعو المرء الي الاعتقاد أن ختان الأطفال ليس غريبا عن المسيحية.ثقافة الخنزيروتستخلص الكاتبة أن هناك عددا من القوالب والأحكام المسبقة التي طبقتها الثقافة الغربية علي الآخر المختلف الداخلي (أي اليهود) أولا وعلي المسلمين لاحقا وعلي بعض الجماعات العرقية المسيحية الكاثوليكية أيضا وهي قوالب تبدأ بالأكل مرورا بالجسد وصولا الي الروائح وغيرها، فمهاجمة جسد الآخر ورميه بكل العيوب هو جزء من الثقافة الغربية التي كثيرا ما تسميها الكاتبة مسيحية. وقد مرت هذه الثقافة بتغيرات عدة أوصلتها الي ما هي عليه الآن، وأول خطوة علي طريق هذا التبدل جاءت في رأي الكاتبة بالابتعاد عما كان يمارسه اليهود فيما يخص الجسم ونظافته مثلا وهو ابتعاد حصل في السنين الأولي من انتشار المسيحية وسببه الحاجة الي التميز والتجديد كما تري الكاتبة وهو ما سيفتح عملية تطور معقدة للشخصية الأوروبية (المسيحية). وبعد أن تذكر الكاتبة بعضا من محتوي رسائل القديس بطرس عن الأكل تصل الي نتيجة مفادها أن المسيحي الفرد لا يجد أبدا صعوبة تذكر في أكل ما تقدمه الثقافات الأخري وهذا برأيها أحد أسباب توسع وانتشار الثقافة المسيحية. علي العكس من ذلك وجد اليهود والمسلمون صعوبة في استيطان بلاد النصاري بسبب صعوبة تأمين الغذاء علي طريقتهم كما تقول الكاتبة، فاليهود مثلا كان عليهم التواجد بأعداد معينة لتأمين احتياجاتهم من الغذاء (النقي) وكان مهما أن يستطيعوا بيع ما لا يصلح لهم للنصاري. ويعود انحسار وجود المسلمين في أوروبا (سابقا) الي عدم وجود ما يحتاجه هؤلاء من خدمات من مساجد وحمامات عامة وغذاء محضر علي طريقتهم والكاتبة تستشهد بآراء بؤنارد لويس في هذا الشأن. ولكن الغرب ومع وضوح مبادئه النظرية في هذا المجال الا أنه تصرف في هذه الحالة أيضا بتناقض كما تشير الكاتبة. فاذا كان الغرب قد تخلص ولو نظريا من فكرة النجس فانه يطبقها عمليا باتهام الآخر المختلف بها وللدلالة علي ذلك ستفحص الكاتبة كل المحرمات الاسلامية وموقف الثقافة الغربية من هذه المحرمات وهو موقف تخبرنا الكاتبة مقدما انه لم يكن متناغما مع نفسه.الخنزير: تري الكاتبة أن تحريم أكل لحم الخنزير في الثقافة الاسلامية جاء كنتيجة للعلاقات الوطيدة التي أقامها الرسول (ص) مع اليهود في المدينة في السنين الأولي من بعثته وان هذا التحريم قد غدا سريعا واحدة من علامات التمايز بين الداخلين في الاسلام والعرب الوثنيين وعلامة للتقارب مع اليهود الموحدين وقد جاءت لاحقا الآيات المدنية الذاكرة لاسماعيل وابراهيم (عليهما السلام) لتؤكد استقلال الدين الجديد عن اليهودية حسب رأيها.أما المسيحيون ـ تقول الكاتبة ـ فقد أكدوا علي تمايزهم عن اليهودية بالقفز فوق المحرمات الغذائية ومنها لحم الخنزير، واذا كان اليهود والمسلمون يعتبرون المسيحيين نجسين لأنهم يأكلون الخنزير فانه ـ تتابع الكاتبة ـ من الشائع بين المسيحيين الاعتقاد أن اولئك لا يأكلونه لأنهم هم أنفسهم (خنازير) أي فاسقين. وبعكس اليهود والمسلمين فان الخنزير في الثقافة المسيحية ـ تقول الكاتبة ـ يحتل موقعا مهما جدا لما للحمه من أهمية في دورة الغذاء دون نسيان ما يرافق ذبحه وتحضير لحمه من مراسيم وعادات وطقوس تجعل من ذبحه الأكثر طقوسية.بل ـ تتابع ـ يمكن القول أن هناك ثقافة حقيقية خاصة به هي (ثقافة الخنزير) بتقويماتها واقتصادها ولفتاتها وممثليها ومسرحيتها، وأن هذه الطقوسية الزائدة قد تكون في جزء منها ردا علي الثقافات المجاورة ، ولكن الكاتبة تورد آراء (فابري فاساس) دارسة المجتمعات البشرية التي تري أن الضيق والحرج اللذين يصاحبان ذبح الخنزير وأكله مصدرهما التشابه العضوي بين جسم الخنزير وجسم الانسان، واذا أضفنا الي هذا التشابه ـ تتابع الكاتبة ـ عادة الفلاحين الأوروبيين في تربية الخنزير في البيت واحاطته بكل عناية كأنه طفل من أطفال العائلة يظهر جليا ان مسألة (أكل لحوم البشر ـ الكنيباليزم) هي في صلب عادات تربية وأكل الخنزير لدي المسيحيين الذين بنوا سلسلة من التلاعبات الرمزية بهدف تجنب الخلط التام بين الطفل والخنزير. وتتابع الكاتبة نقلا عن مصادرها أنه وبسبب ما يمكن تسميته عادة أكل لحوم البشر المهجورة وبسبب القلق الداخلي من أكل الخنزير يعمد الغربيون (المسيحيون) الي اتهام اليهود بأكل طفل مسيحي بدل الخنزير في عيد الفصح.ولكن هناك أيضا تناقضا ـ كما تلاحظ مجددا الكاتبة ـ في الثقافة الغربية (المسيحية) فمن جهة إلهة الخصب والقمح (ديميتريا) كانت علي هيئة خنزير وقد تكون عبدت في الأصل علي أنها كذلك وفي المقابل يمثل الخنزير النجس والوسخ والمحرم، وقد حلت الثقافة الغربية هذا التناقض عن طريق التفريق بين الخنزير الأسود المشيطن والخنزير الوردي المثمن عاليا. هذا التناقض الغربي يظهر ايضا ـ تتابع الكاتبة ـ في تصدير السالب الي الآخر المختلف الذي يرفض أكل الخنزير والذي تتم معارضته ليس فقط بطقوس التقديس التي ترافق ذبح الخنزير وانما بشخصية القديس (أنطونيو) الذي يقدمه فن صناعة الأيقونات مع خنزير دائما.وتعتقد الكاتبة أن الخنزير المرافق لـ (أنطونيو) في الأيقونة جاء مكان الخنزير البري الذي كان في الأصل والذي يمثل للغرب حيوانات الصحراء البرية، وهذا التبدل في الأيقونة جاء مصاحبا لنقل رفات القديس من القسطنطينية الي ايطاليا في القرن الحادي عشر.وقد استخدم شحم الخنزير للطبخ في الغرب المسيحي عوضا عن الزبدة أو زيت الزيتون وهذا الأخير كانت الكنيسة قد فرضت استخدامه ـ كما تنوه الكاتبة ـ خلال صوم الأربعين في محاولة لتوحيد عادات التغذية بين مناطق الشمال والجنوب الأوروبي ولكن المحاولة لم تنجح لأسباب عدة وقضي عليها الانقسام الداخلي في الكنيسة في القرن الخامس عشر، وبقيت المواجهة قائمة حتي تاريخ حدوث الانقسام بين شحم الخنزير وزيت الزيتون وهي المواجهة التي انعكست علي التغذية في الكرنفال والأعياد و الأيام التي تسبقه. وتذكر الكاتبة كيف أن البروتستانت تمردوا علي أوامر كنيسة روما ورفضوا زيت الزيتون كبديل لشحم الخنزير بينما أوروبا المتوسطية بقيت في منتصف الطريق بين تحليل وتحريم جزئي للشحم والزيت.خمر ولحم ودمبعد أن تستعرض الكاتبة خصوصية الاسلام في تحريم الخمر وكل المشروبات المذهبة للعقل باستثناء الاستخدامات الطبية تنوه الي عدم التزام المسلمين بهذا التحريم في كثير من الحالات وتدلل علي ذلك بتقارير الرحالة الغربيين ومشاهداتهم خاصة في المدن الاسلامية وخاصة اسطنبول، كما تنوه الي الصعوبة التي كان يلاقيها المرتدون في الامتناع عن تناول الخمور مع أن واحدا منهم هو داي تونس (الأسطي مراد الجنوي) أظهر حزما واضحا في منعه. وتلاحظ الكاتبة كيف انقسمت آراء الغربيين حول هذه القضية: فمن ناحية كانت سببا للاعجاب عبر عنه كثير من الرحالة بينما أدانه رجال الدين الغربيون طارحين حرية شرب الخمر للمسيحي باعتباره حكيما وقادرا علي شرب ما يناسبه من الخمر دون الوصول الي السكر، ولكن هذه التفسيرات لم تقنع المسلمين كما تقول الكاتبة وتستشهد بما قاله سفير ايران لدي الفاتيكان من أن المسلمين يحترمون عيسي عليه السلام أكثر من الدعاة الكاثوليك أنفسهم وان الانجيل يشكك في أخلاقية عيسي ويقدمه علي أنه شارب للخمر بل مبارك له. ولكن الكاتبة تعتقد أن هذه المواجهة بين ثقافة تحرم الخمر وتستبدله بالقهوة واخري تبيحه وتدين استخدامه المفرط تخفي فرقا رمزيا أكثر عمقا، فالنبيذ في الثقافة المسيحية هو اكثر من شراب مسكر حيث العلاقة واضحة بين النبيذ والدم كمادتين حيويتين ومقدستين كما تقول. فدم المسيح يمحو الخطايا بدل الماء عند اليهود والمسلمين والمسيح ذاته كما تدعي أسس في العشاء الأخير للطقوس التي ستربط دمه ذا الخصائص الاعجازية مع النبيذ، وجاءت ثقافة العصور الوسطي الأوروبية لتثبت التماثل الوظيفي بين النبيذ والدم، وهكذا تستنتج الكاتبة أن المسيحي يعارض تعليمات الاسلام مرتين عندما يشرب الخمر الطقوسي باعتباره شاربا للخمر ولدم الرب في آن، وهكذا ينتقل الخمر في الرمز من شراب مسكر الي رمز للروحيةممثلا للدم المطهر، وتضيف الكاتبة أن الدم في المجتمع الغربي مثل الركيزة لنظام الطبقات الاجتماعية وساهم في استمراره حيث كان الاعتقاد سائدا في العصور الوسطي أن دم الملوك كان مختلفا وأكثر نقاء وصفاء معطيا بذلك حقا طبيعيا لحكم الأرستقراطية وهذا بالطبع ـ تضيف الكاتبة ـ مخالف للنظرية الاسلامية ممثلة هنا بالامبراطورية العثمانية حيث الحكم لم يكن وراثيا وثروات الحاكمين كانت تؤول في النهاية لبيت مال السلطان، وهكذا يتقابل نظامان رمزيان: الثقافة الغربية التي تصر الكاتبة علي تسميتها مسيحية التي لا تحرم الخمر ولا تناول الدم بل ترفع هذين السائلين الي درجة رمزية عالية تجعل منهما منبعا للطهارة، بينما الثقافة الاسلامية تحرم الخمر وكذا تناول الدم الذي لا دخل له في ترسيم طبقات المجتمع حيث الكل رعية للسلطان.الاغتسال بالماء والجنسبالنسبة للمرتدين فقد عني دخولهم للاسلام تعلم الوضوء وممارسته من بين امور أخري عديدة، والوضوء كان غير معروف في أوروبا كما تقول الكاتبة، وقد كان من بين المواضيع التي تطرقت اليها تحقيقات محاكم التفتيش المقامة ضد من رجع من (المرتدين). وتلاحظ الكاتبة أن المحققين عادة ما لخصوا سلوك (المرتدين) في جملة واحدة متكررة وهي: (وعشت في مأكلك ومشربك وفي الظاهر كما الأتراك.. وصمت وتوضأت). ولكن الكاتبة تلاحظ أن علاقة المتهمين بالغسل والتطهر لم تكن بهذه البساطة وأنها لم تكن علاقة ظاهرية دائما وتورد علي ذلك أمثلة تظهر أن ممارستهم للوضوء والطهارة كانت من أجل محو الخطايا والسيئات تماما كما يفهم ذلك المسلمون.وبالرجوع الي آراء وكتب الرحالة والمستكشفين الأوربيين يظهر للكاتبة اندهاش وثنائية الأحكام التي أطلقها هؤلاء عن الغسل والوضوء وتذكر بهذا الخصوص ما كتبه عالم النباتات المبعوث من طرف لويس الرابع عشرالفرنسي (تورنيفورت) الذي رأي في اهتمام المسلمين بالنظافة اليومية لأجسادهم شيئا ايجابيا وقد شاركه هذا الرأي كثيرون دون أن يتوقفوا عند الأهمية الدينية لطقوس النظافة هذه، ولكنهم ـ تلاحظ الكاتبة ـ وانطلاقا من المفاهيم الطبية السائدة آنذاك في أوروبا اشاروا الي خطورة الاستخدام المكثف للماء في نظافة الجسم وتسببه في التهابات المخ، ومع هذا يظل الاستحسان هو السائد في آراء عالم النبات الفرنسي عن الحمامات ونظامها ونظافتها وهدوئها، وينسحب هذا الاستحسان علي وجود المراحيض العامة في المدن وهو ما لم تكن تعرفه أوروبا حينها. وتذكر الكاتبة أن القلة من المسلمين الزائرين لأوروبا حينها كثيرا ما اشتكوا من وساخة الأوروبيين ومدنهم وأن هذه الشكوي استمرت حتي القرن التاسع عشر علي ما يذكره بيرنارد لويس في كتابه (أوروبا البربرية).والكاتبة تري أن هذا الرأي القاسي من نظافة الأوروبيين أو من وساختهم بالأحري لم يكن غير ذي اساس، فالحمام كمكان عام لم يكن معروفا في أوروبا خصوصا من القرن السادس عشر الي نهاية القرن الماضي كما تقول، ونظافة الجسد عندهم كانت تقتصر علي دعكه جافا بخرقة نظيفة واستخدام بعض العطر والمساحيق، فالحمامات العامة التي وجدت أغلقت علي اثر حركة الاصلاح والاصلاح المضاد وذلك لأنها كانت قد تحولت من أماكن للنظافة الي أماكن للدعارة.وتعليقا علي اعتبار علم الطب الأوروبي الماء خطرا علي الصحة تقول الكاتبة ان هذا الاعتقاد طال الطبقات العليا فالملكة اليزابيث الأولي التي كانت تغتسل مرة في الشهر كانت تعتبر مهتمة جدا بالنظافة بينما لويس الرابع عشر لم يغتسل الا مرة واحدة في حياته تنفيذا لأمر من طبيبه.ولكن الاغتسال لم ينظر اليه باعتباره خطرا علي الصحة الجسدية وحسب بل كان يعتبر خطرا علي الروح أيضا كما تبين الكاتبة.أما الكنيسة فقد انتقدت دائما الوضوء وطرحت مفهوما باطنيا للذنب مقابل النجاسة الظاهرة، ولكن موقفها هذا في الحقيقة كما تقول الكاتبة لم يكن الا تعبيرا عن خوف من موضوع آخر متفرع عن الوضوء الا وهوالعلاقة المختلفة التي تنشأ بين الفرد وجسده عن طريق ممارسة الوضوء والاغتسال.فالحمّام والاغتسال بالنسبة للمسيحيين كما تقول كان يمثّل مناسبة خطرة للهواجس السيئة التي تشجعها رؤية الجسد ولمس اعضائه المغسولة. ولفهم ما سبق تذكرنا الكاتبة بحملة الانضباط الروحي التي كانت قد بدأتها الكنيسة نهاية القرن الرابع عشر والتي كان من أول نتائجها تركيز انتباه جمهور (المعترفين) بالخطايا علي موضوع الجنس وبالخصوص الأفكار والهواجس الجنسية السيئة. وقد وصل الأمرـ كما تذكر الكاتبة ـ بأحد أفضل ممثلي هذه الأفكار ـ ألفونسو دي ليغووري ـ الي اعتبار مجرد لمس الأعضاء الجنسية بدون سبب وبانفعال ذنبا، بينما النظر الي العورات بتمعن وبدون سبب مقبول قد يكون قاتلا حسب رأيه. ولتجنب هذه الوضعية الخطيرة ـ تقول الكاتبة ـ كان يتم التشدد في نصح الرعية (المسيحية) بالعزوف عن مراسم النظافة التي تتطلب اتصالا مباشرا بالجسد ومنها الاغتسال وبالنتيجة الحمامات التركية العامة التي أصبحت في رأي (المسيحيين) أماكن للفساد والدعارة.ومع أن الكاتبة تعرف أنه كانت للحمامات الاسلامية العامة قوانين وشروط بهدف الحفاظ علي الحياء والحشمة بين مستخدميها الا أنها تذكر أن هذه الشروط لم تكن محترمة دائما، وهي تذكر بالخصوص ما كانت تثيرة الأحاديث عن الحمامات التركية العامة من تخيلات جنسية عند السامعين الأوروبيين خصوصا تلك التي تصف الحمامات النسائية، وبهذا الخصوص تنوه الكاتبة الي الآثار التي تركتها رسائل الانكليزية (ليدي م. مونتاغو) العائدة لعام 1717 والتي وصفت فيها الأجساد العارية للنساء في حمامات صوفيا والتي كانت مادة لكثير من اللوحات الفنية وأشهرها لوحة (الحمام التركي) لـ(انغريس). الحماموتستنتح الكاتبة أن وجود الحمامات وواجب الوضوء هما سبب الاعتقاد الشائع عند الأوروبيين أن وراء الدخول في الاسلام كانت تكمن في الغالب رغبة في ترك منظومة اعتقاد متشددة (مسيحية) وتبني دين أكثر تسامحا (الاسلام) مع الجنس ويدل علي ذلك أيضا في رأيها مبدأ جواز تعدد الزوجات.ومن المعروف ـ تتابع الكاتبة ـ أن الاسلام يعاقب بشدة أي خروج عن قوانين الجنس التي جاء بها ـ فالزني مثلا عقابه الموت ـ ولكنه لا يعتبر الشهوة الجنسية ذنبا بل احدي نعم الجنة، وهذا كله معاكس ـ تقول الكاتبة ـ لما جاءت به الرسائل البطرسية التي دعت الي تجاوز العلامة الجسدية الفارقة (الختان) والحلال والحرام في الأطعمة واعتبرت التشدد في الجنس العلامة الفارقة في تحديد هوية المسيحي، وهكذا كانت ممارسة الجنس خارج الحدود أو تخيله هو النجاسة أو الحرام الوحيد الذي كان يمكن أن يقع فيه المسيحي، وبناء عليه فالجسد الطاهر كقالب أمثل لتلقي الخطاب الإلهي لم يكن ذلك الذي يبتعد عن الأطعمة والمواد الدنسة بل ذلك المصقول بالزهد والصوم عن الجنس والمتوج بالعذرية، وهكذا ـ تقول الكاتبة ـ كان لا بد أن يري المسيحي في الوضوء الاسلامي مناسبة خطيرة تحمل في طياتها تدنيسا لأخلاقياته. وتعترف الكاتبة أن الماء ولو بعد مباركته يدخل في تقاليد مسيحية مهمة مثل التعميد الذي يهدف بالأساس الي محو الخطيئة الأولي وكذلك في أيام الابتهال لمباركة الحقول، وتعتقد الكاتبة أن وجود مثل هذه التقاليد في المجتمعات المسيحية قد يفسر الارتباك الذي وقع فيه الكثير من المرتدين بقبولهم الوضوء.شخصية تهوي الي الداخلبالرغم من نقاط الاتصال العديدة بين الثقافتين الا أنهما حافظتا علي اختلافات جوهرية خاصة فيما يتعلق بالجسد ـ كما تستنتج الكاتبة ـ وتضيف ان (الجسد الشرعي) عند المسلمين هو ذاك الذي ينصاع في حياته اليومية لتعاليم القرآن بغض النظر ـ كما تدعي ـ عن الشهوات والهواجس والنيات بينما (الجسد الشرعي) عند المسيحيين غير مبال بالطقوس الخارجية ويحافظ علي طهارته بالحراسة الداخلية والفردية. وتعتبر الكاتبة أن عدم المبالاة بالطقوس كان السبب في تسهيل انخراط المرتدين في المجتمع الاسلامي وهو نفسه الذي أمّن انتشار المسيحية في مناطق عديدة ذات ثقافات محلية دون دفع هذه الثقافات ـ في البداية علي الأقل ـ الي نمط ثقافي منتظم في حياتها اليومية. وتري الكاتبة أن هناك علاقة بين انتشار المسيحية وعدم التزام هذه الديانة بالمحرمات الغذائية و تشاطر (سولير) الرأي أن هذه العلاقة أساسية في الثقافة المسيحية متخذين من رؤية بطرس الواردة في أعمال الرسل دليلا علي ذلك. والرؤية هذه فيها تحليل لبعض ما كان يحرم بطرس علي نفسه من جهة ومن الجهة الأخري دخول الوثنيين الي المسيحية. ولكن غياب ما تسميه الكاتبة طقوسا خارجية أدي الي ضعف في الشخصية المسيحية وتناقضات في تصرفها الجمعي، فمن جهة تستقطب الثقافة الاسلامية بطقوسها الخارجية القوية كثيرا من أتباع المسيحية الأوروبيين وفي المقابل يجد الأوروبيون من اهل المناطق الحدودية مع المسلمين أنفسهم مدفوعين الي ضرورة تمييز أنفسهم عن المسلمين بأكلهم ما يعتبره هؤلاء محرما. وقد كان مأكل اليهود وذبحهم من المواضيع التي أثارت زوابع في بعض مدن ايطاليا في العصور الوسطي، فمثلا حاولت مدينة (تودي) فرض توحيد للعادات المتبعة في الذبح بهدف وضع حد للحالة الناجمة عن رفض اليهود أكل لحم الحيوانات المذبوحة علي طريقة المسيحيين بينما المسيحيون يأكلون دون مانع ما يذبح علي طريقة اليهود أيضا كما تورد الكاتبة نقلا عمن كان لسنين طويلة رئيسا للجالية اليهودية في ايطاليا وحدثت في عهده زيارة البابا الشهيرة لمعبد روما في الثمانينيات (طواف). وتجزم الكاتبة بأن ما حصل في اسبانيا في القرن الخامس عشر يظل مثلا صارخا لما تسميه العودة الي عتبات محسوسة للهوية. فاسبانيا حينذاك كانت المملكة المسيحية الوحيدة التي تعاملت مباشرة وعلي نطاق واسع مع مشكلة التعايش مع مسلمين ويهود كما تقول الكاتبة التي لا تنسي التأكيد علي أن اختراع وممارسة مفهوم (نقاء الدم) الذي يتعارض مع المبادئ المسيحية قد أدخل درجة مادية للتفريق بين البشر في لحظة تاريخية كانت تشهد تباشير عملية دمج محتملة. وفي محاولة لفهم ما يمكن تسميته بالجريمة التاريخية ضد مسلمي اسبانيا القرن الخامس عشر تعتقد الكاتبة أن افتقار المجتمع الغربي المسيحي لمنظومة مادية محسوسة من الانتماء منعت هذا المجتمع من ضبط علاقته بالآخر المختلف عنه وجعلت هذه العلاقة خطرة وحولت أي احتكاك الي مواجهة، والكاتبة تصل الي هكذا نتيجة منطلقة من أن مهمة المحرمات في أي مجتمع هي تنظيم المواجهات والتوترات الاجتماعية، وعندما محت المجتمعات الغربية فكرة الحلال والحرام وبالتالي تجاوزت مفهوم المحرم تهاوت معه حدود الانتماء وصاحب ذلك ميل الي اتهام الآخر المختلف مسلما كان أم يهوديا بكل سلبيات الغرب نفسه، وهكذا فكل رذيلة أو عيب أو ممارسة غير مقبولة في الغرب يصبح مصدرها الآخر كما تقول الكاتبة، فمثلا اذا حدثت حالات لواط في أوروبا يقال ان (رذائل البربر قد عبرت البحر) واذا انتشر وباء ما فينسب ذلك دائما الي سفن قادمة من الشرق حينما لا ينسب ذلك الي اليهود مباشرة كما تقول الكاتبة.المؤلفة: لوشيته سكارافيا، من مواليد تورينو عام 1948، تدرس التاريخ المعاصر في جامعة روما الحكومية (لاسابينتسا) مؤلفة لعدة كتب منها: (قديسة اللاممكنات، قصة ومعاني التعلق بالقديسة ريتا) ومن كتبها التي تتعرض لمواضيع حديثة (النساء والإيمان) و(القدسية والحياة الدينية) و(خيوط الذاكرة: نساء ورجال في التاريخ).عنوان الكتاب الاصلي بالايطالية:Lucea ScaraiaRinnegati: Per una storia dell’identitˆ occidentale Editori Laterza7

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية