يعجز كل متتبع للسياسات الأمريكية الحالية عن فهم ما يجري وكيف يجري، وهذا ما يجر توتر سياسات كل الدول الفاعلة في ملف ما في ساعة ما. فتوتر شخصية الرئيس الأمريكي الناتج عن ملاحقته في قضايا فساد أخلاقي وسياسي يجعله مزاجياً متقلباً بين الرفض والتأييد لقضية بعينها في أوقات متقاربة. وحسب آخر المؤثرات التي تعرض لها، والارتجال الذي تعارض مع حسابات غالبية من تعانوا معه من أعضاء الإدارة التي تعرض أغلبهم للتبديل، إضافة لعدم وجود سياسات مبدئية للرجل إلا فيما يخص الاقتصاد والربح والخسارة، ومن عجائب القدر وغرائب (الديمقراطية) يصل هكذا رجل بهذه المواصفات إلى سدة الحكم في أكبر وأقوى دولة في العالم. كل ذلك يجعله متناقضاً بين التصريح والآخر، واللقاء والآخر، والتغريدة التويترية والأخرى، يضاف هذا إلى جهل الرجل بالسياسة والاستراتيجية التي جبل عليها رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية السابقون، بناءً على أهداف وسياسات الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس والمؤسسات الاقتصادية التي دعمته والتي يكون قد خرج منها أصلاً.
هذا ما ألقى بظلاله على الأزمة الأخيرة الناتجة عن التدخل العسكري التركي في شمال شرق سوريا، فتركيا تتألم من الأحزاب الكردية المتواجدة في شمال العراق (كردستان) وشمال شرق سوريا منذ عقود طويلة ووجدت أن الفرصة سانحة بعد الانحسار الطويل الأمد لسلطة الدولة المركزية في دمشق عن منطقة شمال شرق سوريا التي تمدد فيها الأكراد بدعم وتسليح أمريكيين، وتمويل سعودي إماراتي ليس حبّاً بالكرد إنما لرغبة كيدية ضد تركيا، فقويت شوكة الكرد خلال السنوات الأربع الماضية وفرضوا سيطرتهم على أجزاء من محافظات سورية عدة لم تكن يوما كردية، إضافة إلى أن غالبية سكانها من العرب، لكنه الدعم السعودي – الإماراتي والعسكرة الأمريكية، أنتجت هذا التمدد وما صاحبه من تنكيل بالشعب صاحب الأرض وقتله وتهجيره، وبناء على الرغبة التركية باستئصال الأحزاب الكردية التي يتبع قسم كبير من عناصرها للجنسية التركية والإيرانية وجنسيات أخرى إضافة للسوريين الكرد.
وللوصول إلى هدفها حاولت تركيا منذ العام 2012 اقتراح المنطقة الآمنة في الشمال والشمال الشرقي من سوريا لكن اقتراحاتها لم تلق آذاناً صاغية من الدول المؤثرة في الملف السوري روسيا وايران وأمريكا ومن خلفها إسرائيل لتعارض وجود هذه المنطقة مع أهداف تلك الدول، فبقيت تركيا عاجزة عن تنفيذ هدفها طيلة السنوات السبع الماضية، لكنها بقيت تراقب الأوضاع والمتغيرات الدولية مستغلة تباين الأهداف الروسية الأمريكية، واختلاف وتيرة سياستيهما، حتى جاءت الفرصة المناسبة وبحنكة سياسة لا يقلل من قيمتها إلا جاهل فأعلنت تركيا تدخلها في الشمال السوري مترافقة مع فصائل من الجيش الحرّ التي تمثل الشعب الثائر على العصابة الطائفية الحاكمة في دمشق. وهذا ما استدعى مواقف دولية كانت غالبيتها منددة وشاجبة وتطالب تركيا بتوقيف تدخلها لا بل وتدعوها للتراجع.
وما يهمنا هنا هو مواقف الدول الكبرى والإقليمية المؤثرة في الملف السوري فروسيا تفهمت ضرورة العملية وإيران أيضا وكلاهما بشكل مبدئي لأن تصريحاتهما تغيرت بعد ذلك قليلاً أو كثيراً.
أما أمريكا فقد مثلت التناقض بعينه، فقد أعلن ترامب عندها عدم رفضه للعملية وحق تركيا بالقيام بها في الوقت الذي هدد فيه تركيا بسحق اقتصادها إن هي قامت بالهجوم! كما أعلن غالبية الساسة والمسؤولين الأمريكيين رفضهم العملية مع تحميل اللوّم للرئيس ترامب لتخليه عن الحلفاء الكرد الذين قاتلوا تنظيم «الدولة» (داعش) مع أمريكا، واستمر الساسة الأمريكيون على التصريح والتصريح المضادّ، مترافقاً ذلك مع اتهامات أخرى لترامب والمطالبة بمحاكمته إيذاناً بعزله، مما زاد تصريحات ترامب توتراً وارتجالية فتارة هو مع الأكراد وتارة مع حقّ تركيا بضمان أمنها، وتارة أخرى يهاجم الكرد لأنهم ليسوا ملائكة أو لأنهم أفرجوا عن قيادات في تنظيم «الدولة» محرجين بتصرفهم هذا الولايات المتحدة الأمريكية، أو يبرر موقفه بأن الكرد قد قاتلوا مع أمريكا لكنهم أخذوا أموالاً طائلة مقابل ذلك.
وتزداد ردود السياسيين الأمريكيين المعارضين لسياسة ترامب حدةً وجفاءً، وتتقلب التحليلات السياسية وتتغير استناداً إلى هذا التصريح أو ذاك كما تبعتها سياسات دول، مما جعل الساسة في حيرة من أمرهم في تهميش تصريحات وتغريدات رئيس أكبر دولة في العالم أو الأخذ بها، أو الأخذ بتصريحات أعضاء الإدارة وغيرهم من السياسيين المعارضين لسياساته، ولكل موقف ثمنه. ويأتي السؤال هنا: هل الديمقراطية هي التي أوصلت ترامب لهذا المنصب؟
كاتب سوري