الكاتب وصراعه

حجم الخط
0

لا أحبّ كلمة صراع، ربما بسبب سوء تداولها على ألسنة الساسة، أو لأنها تنتسب إلى هذه الشريحة من الكلمات التي تفقد ألقها من جرّاء توظيفها لتوصيف الأوضاع الأكثر تنافرا. سأستخدم برغم هذا التحفظ المقدّم مفهوم الصراع استثناءً، بالتحديد بنفس طريقة عندما أسكن مكانا، أفضّل ألاّ أسكنه، في غياب مكان مثالي أرتحل إليه.
إن السبب الأساسي الذي حفّزني للكتابة الأدبية، هو أنني عشت، حسب ذكرياتي البعيدة، في حالة صراع دائم. وحين أعيّن صفة دائم، أعني أنني نادرا جدا ما استشففت هذه التجربة الحيوية المثارة من قبل الكثيرين، والموسومة توازنا، طمأنينة أو سلاما داخليا. عشت في حالة توتر مستديم مع نفسي، ومع العالم الذي يحتويني. وضع لم أختره طوعا؛ أي لم يكن خيارا واعيا، بل نمط عيش حطّ عليّ ولا يزال، كنوع من القدر، كعاهة أو كعلّة وراثية. بِمُكننا وصفه بحالة من اللاتوافق الدائم أو التناقض غير المحسوم، حالة فكرية تحبّب لي أن أكون في حيّز مختلف عن الذي أوجد به. أن أكون مغايرا عما أنا عليه، وأن أمتلك شخوصا وأشياء أخرى غير التي أمتلكها. بالنسبة لبعض الكتّاب، لست الأول ولا الأخير الذي يقول هذا، الاندفاع الإبداعي يتغذى على عدم قابلية الكاتب للسعادة، تماما كتغذية الفطريات المهلّسة على روث البقر. من جانبي، هذه اللاقابلية هي ما يشكّل الاحتكاك الذي يولّد الجذوة التي تنبثق عنها المرويّات التي أكتبها. من المحتمل، إذا كانت السعادة الملمح الغالب في حياتي، وإذا قنعت بطيبة خاطر بنفسي كما أنا، وإذا قبلت برضى العالم المحيط بي، فإنني سأقضي أوقاتي في التأمل والصمت، أو ستكون حياتي مرصودة لتحقيق بعض الأفعال الطيبة التي ستساعد المقربين مني.
يعني هذا أنني لا أكتب فقط من أجل متعة سرد الحكايات، على عكس كتّاب كثر حين يحددون أصل موهبتهم. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أنه لا يحدث لي أن أستمتع وأتسلى حين أكتب سردياتي، لكن لا أمارس الكتابة فقط من أجل المتعة في حد ذاتها. أكتب لترويض التوتر الذي تثيره بداخلي حالة الصراع الدائم، عدم قابليتي للسعادة، وعدم توافقي مع نفسي، والواقع الذي أرزح تحت وطأته. حتى وإن وُجدت أسباب أخرى وراء أصل كتابتي، كجروحات الذاكرة، المرارة إزاء المظالم، الرغبة في تصفية حسابات.
لكن من أين تتولد حالة الصراع الدائم؟ وما أصلها؟ لست موقنا من معرفة الأجوبة؛ أعرف فقط أنه بفضل هذه الحالة توجد كتبي، وأن كتاباتي أتلقاها أحيانا كتعزية. لقد اعتقدت طويلا أن كون أن أولد وأنشأ في مجتمعات أمريكا الوسطى – غير العادلة، واللامتوازنة والعنيفة إلى درجة عالية – هو أصل تصدّعي الداخلي، مستعيرا هنا تعبير أوكتافيو باث.
ليس من شك أن الخروج من المراهقة والتواجد كرجل بالغ في نيران الحرب الأهلية لهي تجربة تطبع حياة بأكملها؛ التمَاس مع الموت يشوّش الوعي، وطريقة الإدراك. لكن اليوم، لا أعرف إن كان يمكنني أن أُنسب طريقة أن أكون إلى هذه التجربة. لست موقنا كذلك من أن ضيقي من نفسي، ومن العالم هو ما يمكّنني من أن أصير شخصياتي، وأن أكون في جلد الآخر، ذاك الذي أريد أن أكونه، وذاك الذي كان من المفترض أن أكونه، أو الذي لم أرد يوما أن أكونه، أو أن أتخيل أوضاعا قصوى وأعايشها بعمق لحظة كتابتها.
أتساءل ما إذا كان ممكنا أن نقول ببساطة إننا نخترع عالما روائيا لأننا غير قانعين بهذا العالم المسمَى الواقع، وإنه بدون هذا الصراع الذي يساكن الكاتب يوميا، لا يمكن للأدب أن يتخلّق، في الأقل حسب رؤيتي.
ترجمة علال بورقية

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية