الشاعر سليمان العيسى: إنهم مثل المعابد ..

حجم الخط
1

كأنه أبي ! بل هو أبونا الذي يلفّنا بضحكته الحاضرة، ويأخذنا أطفالاً لقصائده الأناشيد، التي أصّل بها مداركنا ،بعد أن اكتشف أن الصغار هم المياه الجوفية التي ستروي طين الأُمّة الظمآن، بعد الانكسار الرسمي لمن باعوا روحهم لفاوست، وتكرّسوا لخدمة النقيض البغيض .
أغذّ إليه الخطى، وأُعانقه فيستجيب ويفتح درّاعة قلبه، برهافة الطفل، الذي يحتضن أباه .
ونجلس معه على المنصّة، ونقرأ، فيتابع بعين قلبه تأتأة الشعراء الشباب، الذين أطلقهم في هذا البرّ، الذي لا يحدّ / الشِعر، فنصبح شعراء مُعْتَرف بنا، إذ صَفّق و عَلَّق، ومسّد رؤوسنا شيخُ الكلام، فكانت أصابعه يدَ الله على أكتافنا الطالعة .
التقيته غير مرّة، وتشرّفت أن قاسمته فضاء الإلقاء في مهرجان جرش وفي قاعة المكتبة بدمشق، وفي صنعاء … وكُنّا مأخوذين، لخفّة الوَهْم، بأننا كهؤلاء، الذين، أدركنا لاحقاً، أنهم مثل الظواهر الطبيعية و المعابد، وأننا كالحصى حولها .
وأتملّى المشهد من جديد، فأتذكّر كل الأسماء الكبرى، الذين فتحوا لنا هامشاً، في عوالمهم الممتلئة، لنصير شعراء، بفضْل حضورهم واستماعهم لنا، أيام كُنّا عُشباً غضّاً، لا يحتمل وَقْع الأقدام الثقيلة على الأرواح . أتذكّر البياتي وفدوى طوقان وتوفيق زيّاد وممدوح عدوان ويوسف الخطيب ومحمود درويش رحمهم الله، وغيرهم ممن نتمنّى لهم العافية وطول العُمْر .
هؤلاء الآباء الواثقون هم أعمدة البيت الذي تعالى واتَّسع، ليشملنا جميعنا تحت أفيائه، لندرج ونجرّب ونخربش وننكسر وننهض .. هؤلاء الأنهار الفيّاضة التي غسلت أرواحنا ورنّقتها بعذوبتها المستحيلة . وهم الذين أمدّوا حديقة الحياة العربية بالنسغَ، وهي تواجه الاقتلاع والتغريب والتشظّي والعدميّة القومية .
هؤلاء، ومن أوائلهم سليمان العيسى، الذي سيكون موته، أيضاً، مجازيّاً، لأنه باقٍ في كل ما قال وفعل وأقَرّ. هؤلاء هم لَحْمُ الروح العربية، التي نبضت رغم أسداف العتمة والرّكام والاستلاب، وأنبتت تلك الشجرة الخالدة، التي هي طوبى العرب من المحيط إلى الخليج، شجرة الشِعر !
والشاعر واحد، أكان اسمه محمود أو سليمان، لأنه ذاته هي هي التي تأمر الأرض فتدور، ويهفّ يأصابعه النارية على الغابات فتزخّ بالأمطار الساخنة ،وهو نفسه الذي يحيل النار جسداً من حليب ونبيذ .
الشاعر، أيّاً كان عصره ومكانه، هو الذي وشوش الطيور فجعلها تصّاعد إلى أحلامها الشفيفة الغامضة، وهو الذي غمّس قدمه في المجهول فانشق نهار، وهو الذي نسمع القتيل في صوته ونرى دمه الممرع على طرقات العودة .
الشاعر المُطلق هو السؤال غير المحتمل الذي ندخل تحت قبّته، فنسمع كل شيء يقول : مَنْ هذا الخارجُ من جلسة قلبه.. المتوحّد بعيداً وسط الحضور؟ يبدو آدمياً، ويتراءى للناس نمراً! تراه خاشعاً على مشهد من أناييس المعبد وعاموده! وتلحظه نوّاسياً يحفر قحفة الزهرة الصغيرة، أو تلمحه تمثالاً راكعاً متأملاً في أُمّهِ التراب.
كأنه امرأة تلفّ يديها حول عُشّاقها الفتيان وتسحب شرايينهم بأيديها الكثيرة، ثم ملّت اللعبة فتجمّدت إلهةً صامتة. وقيل هو الذي سرق النار وَلاكَ الطيرُ كبدَه. وقيل هو الحلم الكبير الذي ندور في فلكه، غير أن رأسه المُتعبة ستلقينا مثل ندم الخيانة في النسيان. وقيل هو الكوبرا التي ظلّلت النبي الأمير، ولمّا نجا أحبّت أن تُهدي قوامها للنساء.
وقيل هو المتخّلع الذي لن يتوب ما دامت الأمطار المسحورة تتكوّر كشحاً يعوي. وقيل هو الواقف تحت الشمس الناغرة شاخصاً في يوم القيامة. وقيل هو اليتيم الذي قدَّ أضلاعه كَمَنْجَةً مذبوحةً تحت شبابيك الياسمين. وقيل هو ما وجدوه في قعر الكأس المقدسة في ذلك الكهف المغلق منذ الخليقة، فاختلفوا على ما فيه، فمنهم من رآه سُلافة، ومنهم مَنْ تبيّنه ندى السماء الأول، ومنهم مَنْ قال: هذا عَرَق الروح، وآخرهم قال: هذا دمع الشهوة أو الاختلاج أو الحنين إلى كل شيء. وما زالوا يجهلونه، أو يتجاهلون شخصه.
* * *

غاب فلم يفطنوه! وعاد فلم يحتفوا به.
واتهموه بكل الرذائل والسقطات. وحينما صاح قالوا: هذا صوتنا المنهوب. وعندما صمت فَرَدوا له النطع الواسع.
ولمّا سافر جرّدوه من حبق أمّه البعيد. وحَضَر، فلم يحضروا، كانوا يعدّون له المشنقة.
طلع من لَحْده الضيّق كان مغشيّاً عليه من ريح حامضهم النافث فوجدهم يُدبّجون له مديح الغياب.
وعندما أيقنوا أنه حيّ وله عُمر نوح، احتشدت صدورهم وانفجرت، وماتوا غيظاً. وظلّت المشنقة تتأرجح دون جسد يتدلّى، غير أني أرى مجموعةً جديدةً تهتف لغريب جديد، وكانوا فرحين، فقد تأكدوا أن غايتهم حاضرة.
وأرى هذا الشيخ الجليل يردّ عباءته على كتفه، ويمضي مسرعاً، كأنه لا يريد أن يرى أطفاله وقد اختنقوا بدمهم اليانع في شام الله، التي يدمّرونها جميعهم، أو أنه ذاهب ليبكي على القدس، حتى تعود ، وتعطيه الهدية التي وعدته بها .
وأرى بكاءه طويلاً …أو أقرب من النوايا البيضاء

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية