السيسي… هل من مبارز؟

حملت مصر بالانقلاب في يوليو/يوليو 2013 كرها. وعد الجيش بحكومة مدنية ديمقراطية، وأقسم مهندس الانقلاب أغلظ الايمان أنه لا يطمح الى سلطة أو منصب، ولكنه فعل فعلته من أجل مصر!’ بدا زاهدا جدا، وصدقه من اراد تصديقه. وبعد تسعة اشهر كاملة ولد الانقلاب مرشحا رئاسيا، لم يكن الترشح مفاجئا لأحد، مع كل الدراما ومحاولات التشويق التي مارسها الرجل. بدا زاهدا في الرئاسة حتى عندما اعلن ترشحه، واعاد على مسامعنا مجددا انه لم يفعلها الا من اجل مصر! ونزولا عند رغبة الجماهير، ‘الجمهورعاوز كده’.
الجماهير مهوسة بالقائد الفذ، ويعتقدون انه سيحقق لهم الرخاء والسعادة والامن والاستقرار. سيحل بقدراته الفريدة مشاكل المواصلات والاسعار والبطالة والعشوائيات، والغاز والتدهور الامني والجامعات الثائرة والجماهير المتظاهرة، واضرابات العمال والاطباء، والاخفاق الكروي والاقتصاد المتدهور. العجيب في الامر ان الشعب الواثق بمرشحه لا يريد حملة انتخابية ولا برنامجا انتخابيا او خططا مستقبلية، والكثير منهم لا يريدون انتخابات اصلا . يكفي ان يصل الرجل الى كرسي الرئاسة ، وستحل كل هذه المصاعب فورا، بقدرة قادر. غدا عندما تذهب السكرة وتحل الفكرة، هل سيحاسبه الشعب عن انجازاته عندما تنقضي المئة يوم الاولى؟ وهل سينقلبون عليه بعد عام ان وجدوا ألا شيء قد تغير؟ الاعلاميون الذين رفعوه الى مراتب الملائكة او الانبياء تنبهوا لهذا فورا، اذ بدأوا يرددون نغمة واحدة حفظوها كالمقرر، الرجل لا يملك عصا سحرية، ربما سيحتاجون لتكرار هذه الجملة مرارا طوال فترة رئاسته او رئاساته في السنين القادمة. هو نفسه قال ان جيلا او جيلين سيشقون ويضّحون حتى تستقيم الامور لمصر لاحقا. لا احد ممن يرقص في الشوارع احتفاء بترشحه ربما يدرك كم من السنين يساوي جيلين! انها عقود عجاف يا سادة فهل انتم مستعدون، وصاحبكم ليس بيوسف. ينزل المشير الى الساحة، ويقول ببروده المعتاد، هل من مبارز؟ هل من منازل؟ ولا يتقدم أحد، ليس لان ساحة الوغى قد اقفرت من الفرسان، ولكن لأن معظم الفرسان في السجون والمعتقلات، فأنى لهم أن يبارزوا! وقانون الانتخاب الجديد حرم من اقيمت عليه دعوى قضائية من الترشح حتى لو خرج منها بريئا! وبعد كل هذا جاء القانون الرئاسي بتحريم الطعن في قرارات لجنة الانتخابات، ببساطة ووضوح’، الرئاسة فصلت للرجل، تماما على مقاسه، فلماذا النزال والمبارزة اذا؟
الرجل خلع بزته العسكرية وبدّلها بالمدنية، فلماذا تعترضون؟ ليس هذا حكم العسكر، هكذا يقول الاعلاميون المنافحون عنه. يستشهدون بأن اعرق الديمقراطيات الغربية حكمها عسكريون، والامثلة كثيرة جدا. الفارق في الحالة المصرية ان هذا العسكري المدني جاء بعد انقلاب على حاكم شرعي منتخب، وفصّل دستورا وقانون انتخابات على مقاسه. هذا هو الفرق بين الديمقراطية الحقيقية وديمقراطية السيسي والمطوفين حوله.
امر عجيب آخر يصعب تفسيره، ان كان المشير يمثل امتدادا للدولة العميقة والنظام السابق وتدعمه رؤوس الاموال والاعلام والجيش وغالبية الشعب (كما يدّعون) بالاضافة الى دول الخليج، السعودية والامارات، وروسيا (وامريكا)’ فلماذا ارتعب المستثمرون يوم اعلان ترشحه، وخسرت البورصة المصرية خمسة عشر مليار دولار (مش جنيه) يعني بالجنيهات اكثر من تسعين مليارا، ضربة اخرى للاقتصاد المصري المتهاوي. ترى الى متى ستستطيع السعودية والامارات مواصلة ضخ المليارات لمصر، وما المقابل؟ يبدو ان حال الخليج’وهذه المليارات كحال الذي يملأ قربة بالماء، والقربة مثقوبة.
تهدد المعارضة وتحالف دعم الشرعية بمقاطعة الانتخابات لانها غير شرعية. لا يهم، شاركوا أو قاطعوا، فلكم مطلق الحرية ولكن النتيجة واحدة، سيفوز السيسي بالرئاسة شئتم ام ابيتم. ألم نقل انها فصلت له وله وحده. هو لا يخشى الخسارة مطلقا، فالنتيجة مضمونة. يخشى ان ينقلب الجيش عليه، كما انقلب هو على مرسي. لم تفته هذه أيضا وقد اختار رئيس هيئة الاركان الذي تربطه به علاقة مصاهرة فيضمن راحة الحال (ربما) وهو على كرسي الرئاسة. السيسي ضمن الجيش والاعلام والقضاء والازهر وجزءا من الشعب. شباب الجامعات سيبقون كالشوكة في حلقه وكذلك المتظاهرون في الشوارع، الذين لم يخافوا من القتل والاعتقال والتنكيل واحكام الاعدام التي توزع بالجملة بعد محاكمات صورية بسرعة البرق. هل سيهنأ فعلا على هذا الكرسي الذي حلم به وتحدث مع السادات عنه؟ يبدو ان احلامه بالكرسي والسيف والقلادة واللون الاخضر وساعة اوميغا ستتحقق، ولكن السؤال الأهم هو، من سيحقق احلام الشعب المصري الذي لا يحلم بالاوميغا، بل برغيف العيش وشقة وعمل وحياة حرة كريمة وعدالة اجتماعية، تلك كانت شعارات واحلام ثورة يناير، المشكلة انها قد تبقى شعارات واحلاما غير قابلة للتحقيق تحت الحكم العسكري (المدني) القادم بقيادة المشير السيسي.
الرئيس عدلي منصور في مؤتمر القمة الذي عقد في الكويت يناشد بفك الحصار عن ‘اهلنا’ في غزة، وكأنه يعتقد ان غزة تجاور موزمبيق او بوركينا فاسو وليس مصر، التي تغلق معبر رفح. السيسي سيتاجر بفلسطين وغزة تحديدا كما يتاجر بمصر والمصريين.
كل هذا يحدث وتبريره أن مصر تمر بمرحلة صعبة استثنائية ودقيقة، وتخوض حربا ضد الارهاب. مصر التي تمر بهذه الظروف الحرجة تستحق ديمقراطية حقيقية غير مفصّلة على مقاس أحد، بل رئيسا يحب مصر فعلا حتى النخاع. الادعاء بحب مصر بالقول فقط طمعا في كرسي الرئاسة لا يكفي . مصر بحاجة الى رئيس من ثورة يناير لا من صناع انقلاب يونيو ويوليو. القصة لم تنته بعد والستار لم يسدل حتى بعد الانتخابات القادمة المعروفة النتائج. شباب الجامعات المصرية هم الذين سيكتبون الفصل الاخير من ثورة يناير، والثورة مستمرة.

‘ كاتب فلسطيني
تت

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية