كثير من الخيال القصصي والسرديّ ليس في حقيقته خيالا مجنّحا، بل كثيرة هي العناصر التي يمكن أن نجد لها أساسا علميا، فهو خيال إن عزلته عن إمكان تحققه عقلا، ولكنّ كثيرا من الخيالات باتت صدقا كفلق الفجر. لم يطر الإنسان بنفسه ولكنّه بات يطير في آلة، وكان يحلم بأن يأكل العنب في الشتاء فصار حلمه حقيقة، وأمكن أن يصبح جزءا من العالم الافتراضي بأن يدخل فيه ويمارس الأعمال مثلما يمارسه الأبطال الافتراضيون، وكثير من الخيالات الأخرى التي طعمت بها الأقاصيص والأخبار، باتت كحلم يرى في فلق الفجر. في المقطع السردي التالي وهو من صنعتي يمثل كيف يمكن أن نقرأ الخيال فيه، وبالتدقيق، حديث العصافير والطيور والشجر، شجر السنديان وما يمكن أن يرى فعلا في التحليل الإدراكي للأشياء.
المشي على الصخور عادة لا يهواها من تربت رجلاه على لين التراب ولطف الرمال.. أنا من عقود ستة ولدت على أرض سيقول عنها محمود المسعدي، مسافر «مولد النسيان»، إنها بلقع صخرها جلاميد كقطع العذاب.. على تلكم الأرض مشيت حافيا طويلا، ولم أنتبه إلى نتوءات الصخر، لأنّي كنت أحتفي بأني أمشي.. أحتفي بأني أرافق أمّي.. نتوءات الأرض وأشواكها تكسرها رفقة أمّ فخرُها أنك بتّ تمشي.. أشتاق اليوم أن أمشي على صخور أخرى ليس لي من رفيق عليها غير شجر البلوط (السنديان) والصنوبر.. أعود إلى الصنوبر الحلبي والبلوط وقد أبعدني عنهما لين الطين وخضرة البيادر قبل الحصاد وشجر الزيتون المؤنس، رغم وحدته. الصنوبر الحلبي جارٌ من قديم الزمان لشجر البلوط تعاشرا على الحلوة والمرة؛ لكن فرَّقهما البشر، حين باتت حبّة الزقوقو، ثمرة الصنوبرة، مقترنة بالمولد النبوي الشريف وعلا شأنها وغلا ثمنها.. وظلّت ثمرة البلوط شعبيّة تباع بالطست وبالملاليم ويشويها هواة الحريق..
يغازل طائر غمره الحبّ شجرةَ البلوط يقول لها: لا تحزني يا رفيقة العشّ.. سيأتيك زمان تصبح ثمرتك فيه ملكيّة من يدري؟ كلّ طائر منشغل بزوجه عن غيره من الأفراد، غير آبه بما قيل بالأمس في عيد حبّ البشر.. لم يسمعوا ما قيل من أنّ تزاوج الطير يصادف أمسهم.. هذه خرافات البشر عن حبّ الطبيعة لعناصرها، تمضحك اللّبّ حدّ الخجل.. الحبّ في الطبيعة شريعة لا تنسخ.. قانون لا يمكن أن يحيط به عقل.. والطيور لا تحبّ مثلما نحبّ؛ هي تشحن ريشها بشيء من الجذب مثل المغانيط ثمّ تترك لريشها يدنيها من نصف ريشها الثاني، حتى تسلم الروح لهذا السفر المفاجئ والوقوع الجديد الذي اسمه الحبيب.. ليس عند الطير لا نظرة ولا كلمة ولا موعد ولا لقاء…
الحبّ ليس اختراعا بشريّا هو فقط فكرة يكيفها الناس بألوان أفئدتهم، أمّا في الطبيعة فيكفي أن ترى كيف يحضن جذع أغصانه ويحنو غصن على أوراقه: إنّه موسم أبديّ للعشق بين الأرض وثمرتها.. حين تسقط الثمرة تخفيها الأرض بين دفّتيها وتعيد إنباتها شجرةً شامخة.. هنا لا هجر بين الكيانات ولا قتل للوقت بالحبّ ولا قتل للحب بالوقت… هنا شيء اسمه الصّخب العاشق إذ يظلّ النبت العاشق والشجر الهاوي والطير الجذل في صخب بأصواته وبألوانه وبفروعه وبأصوله وبريشه وبورقه وبثمره، حتى ينسى أنّه محبٌّ كيانا مثلَه أو من جنسه… ينسى لا ليهجر، بل ليوسّع من نطاق عشقه فيعشق كلّ الكائنات.. كل الكون.
حين أكتب كتابة كهذه وهي كثيرة في إبداعنا، فإنّي أنتقل بين الخيال والواقع، وبين الحقيقة والمجاز، انتقالا لا رخصة لي فيه من أحد؛ لأنّ النصّ في السياق السّرديّ يتيح للّغة أن تجنّح ويتيح للقارئ ألاّ يتفاجأ. غير أنّ الانتقال الخيالي من سياق إلى آخر يكون غالبا بإسناد ما يعقل إلى ما لا يعقل، إسنادا لا أكسر فيه القاعدة اللغوية، ولكنّي أسمح بإرباك الإسناد وبالعدول من ملاءمة الفعل للفاعل والمفعول ملاءمة عقلية إلى ما لا يلائمها. هو يشبه بشيء من التجوّز أن ينوّن الشاعر ما لا يقبل التنوين في الأصل.
في النصّ أعلاه قبلنا الكلام على لسان الطير، والمحاورة بين شجرة البلوط والطائر، في سياق من الحنوّ وبث الأمل. الكلام طبعا لا يكون على لسان الحيوان من طير أو غيره، ولكنّه ضرب من تلبيس الحيوان لبس البشر، هو إن شئت استعارات اقترضنا فيها للحيوان صفات البشر، واستعرنا للبشر صفات الحيوان الجميلة لنمدحه والقبيحة لتهجوه. الكلام على لسان الطير هو كلام بشريّ بألفاظ البشر ومعانيهم. غير أنّه في الصعيد العلمي، فإنّ الدراسات الحديثة تتحدث فعلا عن أنّ للطير منطقا، ليس بالمعنى الذي حكاه شعرا، فريد الدين العطار في منطق الطير، بل هو حديث مخصوص وكلام مشفّر. للطير لغته الخاصّة التي يبحث العلماء عن تفكيك شيفراتها بما يتناسب والعرفان الحيواني Animal cognition. وهو يعني، بالمعنى الواسع، جميع الطرق التي تتلقى بها الحيوانات المعلومات من خلال حواسّها، وتعالجها، وتحتفظ بها، وتقرر التصرف بناءً عليها. إنّ دراسة العرفان الحيواني لا تنطوي على أيّ موقف معيّن حول ما إذا كانت الحيوانات واعية أم لا. فتفاعل الحيوانات باستمرار مع بيئتها من خلال سلوكها، هو الذي يكسبها قدرتها على التغلب على عناصر الطبيعة، بمعالجتها والبحث بالتالي عن أسباب البقاء؛ وعيش الطيور في مجموعات يكسبها الحاجة إلى التواصل في ما بينها، وربما لأن يشعر بعضها مع بعض بشيء مهمّ كالاجتماع لغرض غريزي معين، ثم إن بعض المعرفة التي لدى الطير بالبيئة هي معرفة معالجة بالعرفان الحيواني.
العرفان يعرّف بأنّه مجموعة العمليات التي تسمح للحيوان بالحصول على معرفة معينة من بيئتها. وتهدف دراسة العرفان الحيواني إلى فهم مدى المعرفة التي يمكن أن تمتلكها الحيوانات عن كونها المحيط. يقول الباحثون في العرفان الحيواني، إنّ للطيور معرفة تكتسبها عن طريق تحويل المعلومات، بل إنّ الطيور تتخذ القرارات بناءً على هذه المعرفة. فحين يقع الطائر على الشجرة، أو حين يبحث عن مكان لعشه، فهذه صورة من صور اتخاذ القرار اكتسبتها من تجربتها الموروثة من الطبيعة، وهي قادرة بتلك التجربة على حلّ ما يعترضها من مشاكل. لكنّ التواصل الحيواني مع المحيط ضمن ما نعتبره في الخيال كلاما بين الطيور، وكلاما مع خارجها يظلّ استعارة؛ ذلك أنّ الطيور، وإن كانت بأصواتها تتواصل وتقول أشياء، فليس من الثابت أن تقول شيئا للسنديان أو للصنوبر الحلبي، لأنّها تعتبرها أدوات أو محلات لقرارها، وليست موضوعا للتواصل فهي لا تشبهها ولا تمثل سببا أساسيا لاجتماعها.
يبقى أنّ الأدب الذي يستعمل خيالات عجيبة كالتي استعملناها في المقطع السردي، هو يستعملها من باب الخيال الذي يمكن أن نجد له أرضيّة فعلية في الواقع الخارجيّ. فحديث أنثى الطير إلى ذكرها ليس حديثا مفتعلا تماما، وإن كانت اللغة جعلته كذلك. لولا أنّ البشر يتعامل بعقله الوظيفي، لا الخيالي الفني، مع الطير، لما أمكن له أن يركب الطائرة اليوم. صحيح أنّه لم يطر بنفسه، ولكنّه طار بالواسطة التي حاكى شكل الطير وكثيرا من معطياته فيها.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية