الدراما كخطاب سياسي تعبوي

حجم الخط
0

التشريح الأول (المنشور في هذه الصفحة في 16 يوليو/تموز 2014) أي في منتصف الشهر الفضيل تقريبا كان يحمل عنوان (دراما السياسة وسياسة الدراما) في محاولة قراءة إستباقية للتوجهات العريضة للدراما في مهرجانها السنوي: رمضان. الآن ومع إتضاح رؤية هلال العيد تتضح جيداً ملامح الخطاب السياسي، الذي سعى منتجو الدراما العربية لتقديمه رغم أن كلا منهم يبكي على ليلاه.

لا جديد في «باب الحارة»

«باب الحارة»، التي بدأنا بتشريحها أولاً – والتي سميناها الباب الواسع للدراما السورية الذي يمر منه معظم النجوم – مضت بعزم تحقق أعلى نسب المشاهدة على الإطلاق وتعُرض في وقت الذروة وتعاد على مختلف الفضائيات، رغم كثرة منتقديها. على مستوى الحدث الدرامي وتطور الحبكة والشخصيات لم يأتِ الجزء السادس بالكثير.
موقع التصوير لم يتغير قيد أنملة وكذلك دكاكين الحارة وبيوتها وحمامها والمقهى والباب الخشبي المتهالك وحارسه العجوز المتهالك هو الآخر وظل شباب الحارة ( زكرتيه) كدأبهم كما ظلت نسوان الحارة (يكسرن السفرة) كدأبهّن على وقع أنباء أم زكي الداية منذ الجزء الأول قبل عقد مضى.
وأحسب أن عودة أبو عصام لم تنتقل بالأحداث نقلة كبرى كما توقع المشاهد وحتى دخول النجم أيمن زيدان الى التشكيلة لم يُضف الكثير (خلافا لما توقعت ُ في المقال السابق) بل إقتصر دوره على البرّ والتقوى ثم الترشح لزعامة الحارة مع أبو عصام ولم يُحسم التنافس على المنصب على أي حال، بل تم ترحيله الى الجزء السابع.
إذن إنتهى الجزء السادس كما إنتهى الجزء الخامس بل الأجزاء التي سبقته: نهاية رمزية مفتوحة على كل الإحتمالات تتمثل في وقوف أهل الحارة صفاً واحداً في وجه (الفرنساوي) الذي يحاول بلا جدوى إقتحام الحارة.
سيكون على المشاهد العربي أن ينتظر عاماً كاملاً ليعرف ما ترتب على هذه الوقفة المتحدية عند باب الحارة. كل هذا بات مألوفاً ومقبولاً عند المشاهد العربي، لكن الجديد يكمن في رمزية الواقفين على «باب الحارة»، تلك الرمزية البسيطة التي تكاد تطفو على السطح: اليوم يقف رجال الحارة وقفتهم الشهيرة المعتادة ومعهم خليط ٌمن السنة والدروز والعلويين والمسيحيين رافضين تقسيم سورية الى دويلات (أظن أنّ هذا هو بيت القصيد)، وقبل ذلك أصدر قبضايات الحارة عفواً عاماً عن جميع الأسرى الذين إعترفوا بندم أن (الواوي) – لعنة الله عليه – هو الذي غٓرّر بهم ليهاجموا الحارة ويشهروا السلاح ضّد أهلهم.
يٌسدلٌ ستار النهاية على وعد اللقاء في الجزء السابع، فالمحتل ما زال واقفاً بعسكره على «باب الحارة» ولم تخلُ الحارة – بالتأكيد من (الواوية) .

عادل إمام.. «صاحب السعادة»

الخطاب التعبوي كان حاضراً بوضوح أيضاً عند زعيم الدراما عادل إمام في «صاحب السعادة»، وإذا أردنا البدء بالحسنات قبل السيئات فإن الكاتب يوسف معاطي غنيٌ عن التعريف بمهارته الفائقة في الإمساك بخيوط الحبكات الفرعية المتعددة وربطها معاً في خيط واحد مُحكٓم دون ترهل. الحوار عنده شيق ممتع تسوده نزعة كوميدية غير متكلفة (وكأنه – بل إنه – يكتب خصيصاً لعادل إمام). أما المخرج رامي إمام فقد شاهدنا له – من قبل – أكثر من عمل ناجح. في التشريح السابق قلنا إنّ الزعيم عاد الى أرض الواقع وعرف أنه لم يعد صالحاً لأدوار (الأكشن) والحبكات البوليسية اليوم سنسجل – للمخرج دون شك – أن شخصية الزعيم لم تمحٌ بقية الشخصيات، كما هو الحال على خشبة المسرح.
يبدو ذلك جلياً في أداء الفنان القدير خالد زكي والفنانة لبلبة وكذلك نخبة الفنانين الشباب في العمل. والحكاية بحد ذاتها ممتعة للغاية: بهجت أبو الخير (لنلاحظ رمزية الإسم) كهلٌ مبتهج دائماً ينشر البسمة أينما حلًّٓ ويدير الأسرة الكبيرة من بناته وأحفاده بديمقراطية تامة. صاحب السعادة ليس لقبا رسميا لمنصب رفيع (فهؤلاء لم يعرفوا طعم السعادة) بل أن السعادة الحقيقية في رأي بهجت هي أن تٌسعد الآخرين من حولك وأن تفعل ما يحلو لك.
وزير الداخلية (خالد زكي) هو النقيض التام لهذه الفكرة فهو عبوس متزمت محافظ ينشر الكآبة من حوله، بيته الفخم لا بهجة فيه ولا حب وأثاثه الفاخر بلا روح وألوانه معتمة. يعارض الوزير (وزوجته اللواء) بشدة زواج إبنهما (الفنان محمد إمام) من بنت (المنحٌل المتصابي) بهجت أبو الخير.
حبكة لطيفة وسهلة الهضم تشدٌ المشاهد، لكن ما يصعب هضمه فيها هو أنّ عقدة الصراع تتصاعد بتصاعد غضب الوزير على إبنه لغاية الحلقة التاسعة والعشرين عندما يزور بهجت أبو الخير الوزير المرعب في مكتبه في الوزارة ويطلب منه أن ينسى أنه وزير لمدة خمس دقائق فقط ويشرح له نظريته عن السعادة الحقيقية ثم يهدي له شريطا من حب ( ألفياغرا). عند عودته للمنزل يفكر الوزير مليا بكلام بهجت ويوقظ زوجته التي تغط في النوم ويجرب هدية بهجت الثمينة فيشعر بالسعادة البالغة ويتغير موقفه من (العيلة المنحلة) ويلبس ملابس سبورت ويتصل بإبنه فوراً مباركا زواجه!!
الخطاب التعبوي يتمثل في أن الوزير بموكبه الفخم يزور حي الوراق الشعبي، حيث تسكن عائلة أبو الخير فيصطف سكان الحي هاتفين (الشرطة والشعب إيد واحدة) ويبلغ هذا الحب المتبادل بين الشرطة والشعب ذروته في مشهد حفل الزفاف الختامي، الذي يقف فيه الى جانب الوزير زعيم (بلطجية) الحي مصفقاً مهللاً! هل يمكن الاستنتاج بأن عمل الزعيم الأخير دعاية للعهد الجديد، خصوصاً وأن الحوار حمل بعض (القفشات) حول قناة «الجزيرة» و»الجماعة»؟

هند صبري و»إمبراطورية مين»

«الجماعة» نالت حظها من السخرية أيضاً في عمل هند صبري «إمبراطورية مين» الذي نوهنّا عنه في التشريح السابق (تأليف غادة عادل وإخراج مريم أبو عوف). العائلة المصرية العائدة للوطن بعد نجاح الثورة وبعد سنوات من الإغتراب تصاب بالكثير من الإحباط نتيجة إصطدام فكرها الليبرالي بالسلفية والمحاباة والإنتهازية. بل أن زوج أميرة (هند صبري) نفسه يضع صورة حسن البنا في الصالون وفوقها سورة الإخلاص لإنه سيستقبل ضيوفا (مهمين) يمكن أن يساعدوه على تنفيذ مشروعه! فتقول له زوجته إنك ستصبح بطلا عالمياً في الإنتهازية. ويذهب أطفال العائلة الى مركز الشباب ليجدوا مدرباً متزمتاً يعلمهم فنون القتال ويخبرهم بأن (أهم حاجة هي الجهاااااااد). والبنت الصغيرة تتعرض للمضايقة والتعنيف من إدارة المدرسة بسبب قصر (تنورتها) المدرسية وقريب الأسرة يٌطلق لحيته فجأة ويدعو إبنته للعب مع صديقاتها (حفصة وعائشة وتسنيم)! كل ذلك يٌقدم في إطار من كوميديا الموقف البعيدة جداً عن الإسفاف والتهريج ضمن كاريزما خاصة إختطتها لنفسها النجمة هند صبري مع حضور متميز للفنانة سلوى خطاب ودور غاية في الإيجاز والروعة للفنان عزت أبو عوف .

التراجيديا الكويتية تصبغ «جرح السنين»

لكن التراجيديا بكل ثقلها وسوداويتها حلّت في العمل الكويتي «جرح السنين». جرح فقدان الإبن (ضاري) منذ الغزو العراقي للكويت. هذا الجرح الذي لا يندمل – كما أسلفنا وكما تقول أغنية الشارة – ألقى بظله الكئيب فسار العمل بإيقاعٍ جنائزي بطيء. وعلاوة على مشاهد الحرب ( حرب تحرير الكويت) والدبابات المحترقة عرض لنا المخرج بالتفصيل موت ضاري في زنزانة التعذيب وهو معلقٌ مقيد الكفين. والأم إستمرت حزينة كئيبة لينتهي بها الأمر الى قتل زوجها الثاني الشرير بسكين المطبخ.
لم يتضمن العمل أي فاصل ترفيهي على مدى ثلاثين حلقة مما يدفعنا للتساؤل مرةً أخرى عمن يقف وراء دراما الجراح المؤلمة هذه، ولعلي لا أجازف بالزعم بأن هناك نزعةً للترويج المحلي لهذه الثيمة!؟

«سرايا عابدين» و المشاعة الجنسية

 بقي أن نعرج على «سرايا عابدين» عمل هبة مشاري والمخرج عمرو عرفة الذي توقعنا له أن يكون عملاً متسلسلا ً من عدة أجزاء من نمط العمل التركي «حريم السلطان» وقد صدق الحدس الى حدٍ بعيد، فقد إنتهى المسلسل لكن قصة الخديو إسماعيل لم تنتهِ بعد، بل أنه ما زال في عنفوان شبابه يغازل ويعشق ويتزوج هذه ويطلّق تلك، مماّ أحال السرايا الملكية الى مشاعة جنسية بحق! السرايا مكتظة منشغلة بمكائد النساء للظفر بقلب الخديو وإنجاب ولي العهد حتى لو تطلب الأمر إرتكاب الحرام أو الخطف أو القتل.
النجمة يسرا في دور والدة الخديو لم تكن موفقة – في رأيي – وأثارت رطانتها بالتركية الكثير من الضحك فتحولت- لدى المشاهد- الى شخصية كوميدية في الوقت الذي خُطط لها أن تكون قاسية متكبرة.
الكاميرا كانت حبيسة القصر ولم تغادر أسواره إلا نادرا جدا، ولذلك لم نرَ شيئا ًمن المجتمع المصري. سيدافع فريق العمل عن أنفسهم ببراعة المحترف بأن العمل ليس عملا تاريخياً بل أنه (دراما مستوحاة من قصة حقيقية) كما كُتب في المقدمة فكلمة (مستوحاة) تعفي الكاتبة من الالتزام بالوقائع التاريخية التي لم يمضِ عليها وقتٌ طويل، ويبدو أنها إختارت (إستيحاء) الحياة الجنسية للخديو إسماعيل فقط، وأهملت السياسة والفكر والإقتصاد والمجتمع.
لنلاحظ أيضاً تسمية العمل «سرايا عابدين» التي ترشحه لأن يُعمر على الشاشة أجيالاً وربما يتفوق بذلك على «حريم السلطان» نفسه، فالسرايا الشهيرة كانت مستقراً ومقاماً لكل الحكام من أسرة محمد علي مثل حسين وفؤاد الأول ثم فاروق، ولنسأل الله لنا وللمشاهدين العمر والعافية.

كاتب عراقي
ali_segar@ yahoo.com

علي الصكر

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية