الخيارات الراهنة… الممكنة والواقعية على الصعيد الفلسطيني

حجم الخط
0

مرت القضية الفلسطينية، بجملة من التغيرات والتحولات المنهجية والواقعية عبر عمرها الطويل، وجرب الشعب الفلسطيني كافة اشكال المقاومة، وكثيرا من الخيارات السياسية الممكنة لنيل حقوقه، وكانت حقائق القوة على الارض لها اليد الطولى على الدوام في تحديد المنحى الذي اتخذته مسارات القضية الفلسطينية وتطوراتها حتى الان، لكن قبل فوات الاوان فانه يبدو من الضروري اعادة النظر في الاداء السياسي الفلسطيني، واعادة التقييم الشامل لذلك الاداء على مدى العقود الماضية، قبل ان تغرق الساحة الفلسطينية والمنطقة في دورة عنفٍ جديدة، لن تكون على الاغلب في صالح مستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته، وستودي به الى مزيدٍ من المعاناة، وربما الى فرض مزيدٍ من الوقائع في حياته وخارج ارادته.
ربما كان الخلط والتهور والتطرف في تبني الخيارات من جانب الفلسطينيين هو ما ميز الكثير من المراحل التي مرت بها القضية الفلسطينية، حيث كان الخلط في المفاهيم، احد العلامات البارزة في الاداء الفلسطيني، فعلى سبيل المثال، عندما تم تبني مفهوم الشخصية الوطنية الفلسطينية المستقلة، تم ذلك بطريقةٍ متطرفة افضت في النهاية الى اقصاء البعد القومي الشامل لتلك القضية، فمنظمة التحرير، التي تم اقرار تمثيلها الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وقضيته في قمة الرباط عام 1974، كانت ترى في ذلك انجازا مهما على صعيد بلورة الشخصية الوطنية الفلسطينية المستقلة، وكذلك رأى عموم الشعب الفلسطيني في تلك الخطوة من جانب الجامعة العربية تجسيدا لاحترام ارادته الحرة. ولكن تبني تلك الرؤية، وعلى اهميته بالنسبة للشعب الفلسطيني ولمنظمة التحرير، قد وضع المنظمة في دائرة تحمل المسؤولية الكاملة تجاه مستقبل قضية الشعب الفلسطيني واراضيه المحتلة، وتجاه معالجة نتائج حرب عام 1967 تحديدا، التي كان يجب ان تبقى قانونيا وسياسيا ضمن مسؤولية كل من الاردن في ما يتعلق بالضفة الغربية، وبمصر في ما يتعلق بقطاع غزة، بما لا يؤثر على شرعية وواقعية تمثيل منظمة التحرير للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وضمن دلالات وقانونية القرارات الدولية التي صدرت في اعقاب حرب 67، وهما القراران 242 و338، بحيث كان يجب ان يترك شأن تطبيق هذين القرارين في عهدة كل من الدبلوماسية الاردنية والمصرية حصرا، كطرفين من اطراف الحرب، وكدولتين كانتا مسؤولتين قانونيا واداريا عن الضفة الغربية وقطاع غزة، قبل الاحتلال الاسرائيلي لهما.
لو تم تبني مثل هذه الرؤية حينها، فلربما كانت النتائج مختلفة، عما وصلت اليه مجريات القضية الفلسطينية، ولناخذ على سبيل المثال انه حتى عام 1974 لم يكن واقع الاستيطان في الضفة الغربية قد بدأ او تبلور بالشكل الذي رأيناه بعد سنواتٍ من ذلك، والذي نراه الان، وكان الواقع في القدس الشرقية ما زال محتفظا بصبغته التي كانت قائمة تقريبا قبل حرب يونيو/حزيران 67 رغم قرار الضم الاسرائيلي لها. هذه فقط احدى العبر التاريخية المستخلصة من عدم سلوك الطريق السليم في الزمن الصحيح والمناسب.
ربما فات الاوان الان على اعادة صياغة الواقع كما كان او مراجعة الموقف من ذلك بما يؤدي نفس الدور الذي كان من الممكن ان يؤديه وقتها، ولكن منهج الخلط استمر بعد ذلك بشكل اكثر عمْقا على مستوى تغير رؤية منظمة التحرير تجاه ضرورة تبني خيارات جديدة، ربما فرضتها الوقائع التي طرأت بين عامي 1974 حتى عام 1992، وهو تاريخ انطلاق مفاوضات السلام على اساس مؤتمر مدريد، فقد دخلت منظمة التحرير ابتداء في مفاوضاتٍ غير مباشرة مع اسرائيل، ومن ثم دخلت في مفاوضاتٍ مباشرة بعد توقيع اتفاقية اعلان المبادئ في سبتمبر/ايلول عام 1993، هذا الخلط والتسرع في تبني الخيارات تمثل في اقصاء قرارات مجلس الامن ومقررات المؤسسات الدولية عن جعلها قاعدة اساسية ونهائية للتفاوض، حيث اصبحت تلك القرارات موضوعا للمساومات ابتداء، ثم اختفت مفاعيلها مع مرور الوقت، فيما تم فرض الكثير من الوقائع والحقائق الجغرافية والديموغرافية من جانب اسرائيل وتحديدا في الضفة الغربية والقدس.
ها هي مفاوضات التسوية الاخيرة تصل الى منعطفٍ حاسم، والى طريقٍ مسدود، بفعل اربعة عوامل اساسية، هي: الوقائع الجديدة التي فرضتها اسرائيل، وكذلك الموقف الاسرائيلي المتسمر وراء تلك الوقائع، ومن ثم الاحتكار الامريكي لعملية التسوية على قاعدة الانحياز الامريكي للجانب الاسرائيلي، بما افضى الى مزيدٍ من عزل القضية الفلسطينية عن مكانتها وصلتها بالاطار القانوني للقرارات الدولية ذات الصلة، وكذلك بفعل عجز وسلبية الموقف الاوروبي، وبفعل حالة العجز والانقسام التي تعتري الواقع الفلسطيني، مضافا الى ذلك غياب الدور العربي الفاعل، وما تشهده الساحات العربية من مشاكل داخلية وخلافاتٍ بينية مستعصية.
في ضوء هذه الوقائع وضمن السياق الذي تجري فيه الان السياسات الاقليمية والدولية، وما قد تشهده من تغيرات وانعطافات، ربما تؤسس لصياغة اتجاهات ومعالم السياسة الدولية من جديد، وكذلك ضمن ما افضت اليه محادثات السلام الفلسطينية الاسرائيلية، فانه لا مناص امام الفلسطينيين من سلوك طريق اعادة القضية الفلسطينية الى اطارها القانوني الدولي، مهما بدا ذلك صعبا، وبوضعها مجددا على طاولة مؤسسات الامم المتحدة، واعادة التركيز دبلوماسيا على تناولها وفق قاعدة القرارات الدولية ذات الصلة، وكذلك اعادة توحيد الموقف الفلسطيني خلف تلك الرؤية بالكامل، والعمل على الصعيد العربي على اساس الوقوف من جميع الاطراف العربية ضمن مسافةٍ واحدة، ومحاولة اعادة وضع القضية الفلسطينية على رأس اولويات الدبلوماسية العربية، قبل فوات الاوان، اذ من غير الممكن ان تستمر الاوضاع العربية على هذا الشكل الذي نراه الان فترة طويلة من الزمن، وحتى ذلك الحين الذي سيستقر فيه المحيط العربي؛ يجب عدم اضاعة الوقت، وعدم غياب الدبلوماسية الفلسطينية عن الحضور، في كافة الساحات العربية، في محاولةٍ للتأثير في صياغة حركة دبلوماسية عربية شاملة وموحدة تدفع باتجاه اعادة القضية الفلسطينية الى ساحة النقاش الدولي من جديد، على قاعدة القرارات الدولية، والى كسر الاحتكار الامريكي في ادارة محادثات التسوية الشاملة والنهائية وذلك بغض النظر عن الخلل الذي يعتري معادلة الصراع الان لصالح اسرائيل واقعيا وموضوعيا، وبما يحتم عدم التسليم بان تتحول مفاعيل القوة والوقائع المستحدثة الى واقع قانوني وشرعي، وقبل كل ذلك فان المطلوب من جميع الاطراف الفلسطينية ترك منهج التطرف والجمود والتشنج على صعيد المفاهيم والخيارات الوسائل في ادارة الشأن الفلسطيني الداخلي، كشرطٍ ضروري لبناء سياسة فلسطينية فاعلة، قادرة على احداث الاختراق في جدار الجمود الاقليمي والدولي، وكذلك السلبية تجاه القضية الفلسطينية، وذلك كما قلنا في المقدمة، قبل ان تغرق المنطقة والداخل الفلسطيني تحديدا في دورة عنفٍ جديدة، ستكون في اغلب الظن في غير صالح الشعب الفلسطيني ومستقبل قضيته، في ظل المعطيات الراهنة والقائمة فلسطينيا وعربيا.

‘ كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية