الخرطوم: سيطرة الجيش وانتشار الدعم السريع

ياسر جبارة
حجم الخط
0

تطواف والي ولاية الخرطوم عثمان حمزة على محلية كرري إحدى محليات الولاية والتي تقع على الجهة الغربية لنهر النيل وتفقده للمقار الحكومية بها والأسواق ومستوى توفر الخدمات عقب معارك خاضها الجيش واضطرت معها قوات الدعم السريع إلى الانسحاب من المحلية، يؤذن بدخول مرحلة جديدة من حرب الخرطوم. إذ ظل الجيش يحرز تقدما في معاركه بمحليات أمدرمان وامبدة وكرري بعد أن توسع في وضع تمركزات ثابتة في مناطق عديدة.

على غير ما درج عليه من عمليات التمشيط السابقة التي لا يحتفظ فيها بالمناطق التي ينسحب منها خصمه، قرار قيادة الجيش بإعلان التعبئة العامة آثار جدلا سياسيا واسعا بين الرفض والتأييد، إلا أن التلفزيون الرسمي ومنذ إعلان التعبئة يستعرض حشودا من ولايات مختلفة تسجل فيها استجابة للمواطنين للالتحاق بصفوف القتال إلى جانب الجيش. وضع شجع حكومة الولاية على إعادة فتح مراكز الشرطة بالمحلية والتي ظلت مغلقة منذ نشوب الحرب. مع دعوة الوالي لمواطني كرري الذين نزحوا منها إلى العودة والاستقرار.
ويواصل الجيش عملياته في التضييق على الدعم السريع مستخدما سلاح الطيران وقوات العمل الخاص، وهي عمليات تنتظم كل من محلية بحري وشرق النيل وامدرمان وهي المدينة ذات الأهمية الاستراتيجية لسير المعارك في الخرطوم.
في ذات الوقت الذي أظهرت فيه عدة مناطق بالخرطوم ومدن أخرى غضب المواطنين من تواجد قوات الدعم السريع داخل مناطقهم ما اضطرهم لمواجهة تلك القوات التي تراجعت من محيط مدينة أم روابة وغادرت مدينة بارا بولاية شمال كردفان.
متغيرات جلية في تطورات المشهد المتأزم في الخرطوم بدأت بعد الأيام الثلاثة الأولى التي أعقبت الخامس عشر من آذار/مارس المؤرخ لاندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. حيث أخذت طبيعة الحرب منحى مختلفا أثر هجمات كثيفة شنها الطيران الحربي للجيش على معسكرات قوات الدعم السريع التي لاذت بالمناطق السكنية اتقاء لتلك الضربات، لتتحول معظم مناطق الولاية إلى ساحة حرب بعد ان كانت محصورة في مقرات الجيش ومعسكرات الدعم السريع يشمل ذلك الأحياء السكنية والمرافق الخدمية وحتى المنازل.
وحتم لجوء قوات الدعم السريع إلى الأحياء السكنية على الجيش تحجيم عملياته الجوية وان لم يوقفها في الوقت الذي عمدت فيه قوات الدعم السريع إلى انتشار واسع غالبه في وحدات صغيرة من الجنود والسيارات القتالية والمعدات لتغطي وفق هذا الترتيب محليات الولاية السبع بدون استثناء وهو أمر غض النظر عن مشروعيته من عدمها لا ترغب قوات الدعم بالتخلي عنه. أو إعادة النظر فيه في ظل الوضع الماثل كونه يوفر لها الحماية نسبيا من استهداف الطيران الذي لا تجد قوات الدعم السريع ما تكبح به غاراته المدمرة سوى بعض مضادات الطيران محدودة المدى وربما بلا فعالية تذكر. كما أن تحصن قوات الدعم السريع ببعض المقار كالاستادات الرياضية والمستشفيات واتخاذها مقار تنظيم العمليات العسكرية وفي ذات الآن تتخذها معتقلات لأسرى الجيش والمعتقلين من المواطنين اضطرت الجيش إلى تخفيف الهجمات وربما إيقافها كما في حالة المستشفيات.

الأحياء السكنية

إلا أن هجمات الطيران ظلت وأن بصورة أخف حدة تستهدف تلك القوات في الأحياء السكنية وهي الحالة التي يتقاسم فيها المواطنون مع قوات الدعم السريع تلك الشظايا أو ينجو هؤلاء ويقع ضحايا مدنيون كما هو موثق في حالات عديدة.
مثَل الانتشار الواسع لقوات الدعم السريع مصدر قلق وخوف دائم للمواطنين فالشوارع شبه خالية من المارة حتى في وضح النهار، الكل يمضي لضرورات الحياة أما راجلا أو عن طريق حافلات النقل العام فلا أحد يجرؤ على المغامرة بقيادة سيارة خاصة حيث ستتحول إلى غنيمة لقوات الدعم السريع. كما أن المرور بتمركزات تلك القوات غالبا ما يعرض الشباب خاصة إلى الخضوع للتحقيق الذي يصاحبه الإذلال والإهانة والتهديد. فغالبية هؤلاء هم مشتبه بهم لدى هذه القوات بتهمة العمل بسلاح استخبارات الجيش وهو الأمر الذي حمل المواطنون لتجنب الشوارع الرئيسية إلا للضرورات.
كما أن الانتشار شمل أهم المرافق الخدمية وهي محطات الكهرباء والمياه. وعلى الرغم من التعسف الشديد من قبل هذه القوات مع العاملين بهذه المرافق بداية الحرب إلا أنها لاحقا تعاونت مع فرق الصيانة وسهلت مرورها بدون عوائق.
وتحكمت قوات الدعم السريع مع نشوب الحرب وحتى الآن بشكل كامل على جسور سوبا والجريف شرق، وجزيرة توتي بينما خلص جسر النيل الأزرق للجيش وتكمن أهميته في الربط بين القيادة العامة للجيش في الخرطوم وبين سلاحي الإشارة والنقل في مدينة الخرطوم بحري.
ويتقاسم الطرفان التحكم في جسور الحلفايا والفتيحاب حيث يوجد الدعم السريع في ناحيتهما الشرقية بينما الجيش في الناحية الغربية. فضلا عن استمرار التحكم المتبادل في جسور أخرى حسب ما تسفر عنه نتائج اشتباكات الطرفين. كما يظل للدعم السريع وجود في الاتجاه الجنوبي الشرقي من القيادة العامة، وكذلك محيط مطار الخرطوم الذي لم يحكم أي طرف سيطرته عليه. كما أن هناك انتشارا للطرفين على محيط مصفاة الجيلي للنفط شمال مدينة الخرطوم بحري إلا أن المعلومات المتاحة حول وضعيتها متضاربة.
كثافة انتشار قوات الدعم السريع تشهد تراجعا ملحوظا منذ منتصف حزيران/يونيو الماضي إذ لم يعد نشاط سيارات الدفع الرباعي بذلك الحماس عند الشهر الأول من الحرب حيث كانت دائبة الحركة ليلا ونهارا. مع تناقص واضح في عدد الجنود على متن تلك المركبات، على الرغم من توسعها في التنقل بالسيارات المدنية والدراجات النارية.
انتشار قوات الدعم السريع وعلى الرغم من افتقاده لمراكز قيادة ومقرات مركزية إلا أن تمدده في محليات الولاية كافة واحتفاظه بوضعيته السابقة لاندلاع الحرب في المقار السيادية بحي الخرطوم شرق الذي يضم القصر الرئاسي ومجلس الوزراء والوزارات الاتحادية. ومبنى الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون بمدينة امدرمان. وغيرها من المواقع والمقرات الاستراتيجية. فضلا عن وجوده غير المرغوب فيه من قبل المواطنين داخل الأحياء. معضلة تصعب من مهمة الجيش وورقة رابحة بنظر الدعم السريع تساعده في الحفاظ على موازين القوى في حالة استمرار الحرب أو في حالة ترجيح كفة المفاوضات بين الجانبين.

سيطرة الجيش

الحفاظ على المقرات والتمسك بمواقع قيادة القوات أمر استمات فيه الجيش وهو ما حصل عليه حتى الآن، فضلا عن احتفاظه بالموانئ على شاطئ البحر الأحمر، ومطارات مدنية وحربية في المقابل فقد الدعم السريع عدد أربعة عشر معسكرا هي مجموع مقرات قواته بولاية الخرطوم كما فقد مركز القيادة الرئيس بالخرطوم شرق.
وقال الخبير العسكري الدكتور أمين مجذوب في إفادته لـ«القدس العربي» إن المرحلة الثانية من عمليات الجيش أخذت وقتا طويلا لأن الدعم السريع أخذ أعدادا كبيرة من الرهائن إلى مقار عملياته، وان المرحلة الحالية هي الثالثة من هذه الحرب وهي مرحلة الهجوم من الجيش على الدعم السريع والتي بدأت منذ منتصف حزيران/يونيو الماضي وتستهدف مهاجمة الدعم السريع بمواقع انتشاره كما هو الحال في أطراف العاصمة في محليات امدرمان وبحري والخرطوم وشرق النيل. وحسب مجذوب فإن هذه المعطيات تشير إلى أن الميزان على الأرض يميل لمصلحة الجيش.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية