التعددية… نقمة أم وسيلة لتعزيز السلام؟

يشهد العالم اليوم حروباً أهلية غير مسبوقة واعتداءات تدعو للقلق في مناطق عدة من العالم، تحت غطاء معاداة الأجانب والاختلاف العرقي أو الديني أو المذهبي، الأمر الذي بدأ يدفعنا اليوم بشكل فعلي للسؤال: هل التعددية العرقية أو الدينية أو المذهبية أو حتى الثقافية هي السبب الحقيقي والجوهري في إشعال فتيل الكراهية بين الشعوب، كما يحاول البعض أن يصورها أو يقدمها في أكثر من مناسبة ووسيلة؟ وهل التعددية نقمة على عالمنا الذي نعيشه كما يحاول هؤلاء أن يصوروها؟ أم انها نعمة حقيقية ولكن تتم إساءة استخدامها عن قصد لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية محددة لصالح جهات وأطراف مستفيدة؟
في الواقع، لسنا الوحيدين الذين يشغلهم هذا الموضوع اليوم، فموضوع التعددية بدأ يشغل الرأي العام على نحو متسارع مؤخراً، إذ شهد العالم خلال أسبوعين تقريباُ تظاهرتين مهمتين في كل من فرنسا وكندا، حول موضوع السلام ودور التعددية في تحقيق السلام في العالم.

منتدى باريس للسلام

استضافت فرنسا الدورة الثانية من «منتدى باريس للسلام»، الذي حضره أكثر من 30 زعيماً وقيادياً من العالم، يتقدمهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وعدد من رؤساء الدول والكثير من الشخصيات الدولية الفاعلة في مجال العمل الإنساني والتنموي والتعاون الدولي في العالم. يعتمد هذا المنتدى كما يقول مؤسسه، ايمانويل ماكرون، على مبدأ أن التعاون الدولي هو شرط أساسي لمواجهة التحديات العالمية، وضمان تحقيق السلام الدائم. وفي كلمة له في الجلسة الافتتاحية قال الرئيس الفرنسي إن «عالمنا يمكن أن يندثر ما لم يكن لدينا مشروع مشترك»، وأكد أن العالم يعيش أزمة مرتبطة بتحديات جديدة، ومشكلة داخل النظم العالمية. من جهته تحدث الأمير كريم آغا خان، رئيس ومؤسس شبكة الآغا خان للتنمية المعروفة بنشاطاتها الإنسانية والتنموية على مستوى العالم، معلقاً على هامش مشاركته في فعاليات المنتدى قائلاً: «ضمن تجربتي، لا بد من التركيز على المشاركة المحلية، وتعزيز التعددية، وتقوية منظمات المجتمع المدني باعتبارها شروطاً حيوية لتحقيق الاستقرار في عالم اليوم».

النزاهة الاجتماعية

شهد منتدى باريس للسلام العديد من الفعاليات الجانبية والجلسات المفتوحة والحوارات البناءة، ولعل من المحاور المهمة التي سلط عليها المنتدى الضوء في أكثر من مناسبة موضوع التعددية، ودورها في تحقيق السلام. فتحت عنوان «كيف يمكن للتعددية تعزيز السلام؟ الدروس المستفادة من الفائزين في المركز العالمي للتعددية لعام «2019، أكدّت ميريديث بريستون ماكغي، الأمينة العامة للمركز العالمي للتعددية، على الحاجة الماسة للتعددية في جهود تحقيق السلام. وتابعت ماكغي الحديث ضمن السياق نفسه عبر إجراء مناقشة بين اثنين من الفائزين بجائزة التعددية العالمية لعام 2019 وهما: أونغ كياو مو، المدير التنفيذي لمركز النزاهة الاجتماعية (العمل في ميانمار)، وبويانا دويكوفيتش، المشاركة في مشروع «التعلّم من التاريخ الذي لم يدخل حتى الآن شبكة التاريخ».
تحدث أونغ كياو مو عن تجربة مركز النزاهة الاجتماعية في تسليط الضوء على معاناة شعب الروهينجيا المسلم في ميانمار، الذي يتعرض على مدى سنين طويلة لانتهاكات مشينة ومجازر مرعبة، ترتقي إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية. ورغم أن كلماته كانت تحمل الكثير من الحزن والألم، وربما خيبة الأمل لعدم الوصول إلى حلول مرضية لهذه المأساة القاسية، أو ربما لعدم الحصول على الدعم والمساعدة المناسبة التي يحتاجها شعب الروهينجيا من أشقائه في الدول الإسلامية الأخرى (كما يقول)، إلا أنها كانت في الوقت نفسه مفعمة بالإصرار والمثابرة والرغبة في التصدي لهذا الواقع وتغييره.

مواجهة الماضي

يقول أونغ كياو مو في حوار خاص له مع «القدس العربي»: «هناك حقيقة لا يمكن إنكارها أن الروهينجيا ينتمون إلى ميانمار، وهم كانوا وسيبقون جزءاً من هذا البلد لأجيال عدة. وبالتالي يكمن التحدي بشكل أساسي في الحصول على حق المواطنة والاعتراف بهم كمواطنين في هذا البلد. يشكل الروهينجيا 2% من سكان البلاد، وهم يشكلون 50% من مجموع المسلمين في البلاد، ورغم أن العديد من المسلمين في البلاد يتعرضون لانتهاكات واعتداءات مماثلة إلى حد ما، إلا أنها ليست بالقدر نفسه من البشاعة والانتشار كتلك التي يتعرض لها بشكل خاص شعب الروهينجيا».
في محور آخر متصل استعرضت بويانا دويكوفيتش المشاركة في مشروع «التعلّم من التاريخ الذي لم يدخل حتى الآن شبكة التاريخ» هذه التجربة التي تم تنفيذها في منطقة البلقان، وضمت كلا من البوسنة والهرسك وكرواتيا والجبل الأسود وصربيا. وأشارت إلى أن فريق المشروع يضم مجموعة من المؤرخين والمعلمين الذين يعملون منذ أكثر من 16 عاماً لتطوير طريقة مسؤولة لتدريس تاريخ النزاع في يوغوسلافيا السابقة. وإدراكاً من أن المعلمين غالباً ما يشعرون أنهم غير مؤهلين لتدريس هذه الموضوعات الحساسة والمثيرة للجدل، فقد أنشأت الشبكة قاعدة بيانات على الإنترنت تحتوي على موارد مجانية وتوفر تدريباً للمعلمين، فالمشروع يمثل الجهد الإقليمي الوحيد، لتوفير نهج غير متحيز للتعلم والتعليم عن الحروب الأخيرة.
وتتحدث بويانا دويكوفيتش بإسهاب في معرض جوابها عن السؤال الأهم.. كيف استطاع المشروع تجاوز الخلافات العميقة بين الأطراف؟ وكيف يمكن الاستفادة من هذا المشروع وتطبيقه في حالات ومناطق أخرى مشابهة من العالم، فتقول: «بدأنا المشروع بطريقة ناعمة، بهدف التأكد من موافقة الجميع على الجلوس والمشاركة. ولبناء الثقة في ما بينهم، تطرقنا في البداية لمواضيع بسيطة تتعلق بالحياة اليومية، التي يمكن أن يتفق عليها الجميع وتساهم على الربط في ما بينهم، كالطعام والشراب وطريقة العيش وما إلى ذلك. وبالتالي، يمكن القول إنه ليس المهم إقناع الناس بالجلوس في مكان واحد للنقاش وحسب، بل الأكثر أهمية البحث عن مواضيع مشتركة تربط في ما بينهم للبدء بها كقاعدة للحوار».

جائزة عالمية

الحدث الثاني المهم الذي شهده العالم هذا الشهر في ما يتعلق بموضوع التعددية كان حفل تكريم الفائزين بجوائز التعددية العالمية لعام 2019، الذي تم تنظيمه في مدينة أوتاوا الكندية، من قبل المركز العالمي للتعددية، وهو منظمة مستقلة وخيرية تأسست في أوتاوا من قبل الأمير كريم آغا خان بالشراكة مع الحكومة الكندية، انطلاقاً من تجربة كندا، باعتبارها بلداً متنوعاً وشاملاً، بهدف تعزيز الاستجابات الإيجابية للتحدي المتمثل في العيش معاً بسلام وإنتاجية ضمن مجتمعات متنوعة.
خلال الحفل تم الإعلان عن ثلاثة فائزين بجوائز التعددية العالمية لعام 2019 وهم: ديبورا آهينكوره، وهي صاحبة مشروع اجتماعي في غانا، حيث شاركت في تأسيس غولدن باوبا، لتمكين الكتاب والرسامين الأفارقة من تقديم المزيد من القصص والمؤلفات التمثيلية عن الأطفال، ومساعدة القراء على الحصول على صور دقيقة عن افريقيا من إنتاج الافارقة أنفسهم؛ إضافة إلى أونغ كياو مو، وبويانا دويكوفيتش، وبالإضافة إلى الفائزين الثلاثة تم تكريم سبعة مشاريع أخرى من أنحاء مختلفة من العالم من بينها، «مؤسسة أديان» في لبنان التي تعمل على تعزيز قيم التنوع الثقافي والديني، من خلال مقاربات سياقيّة في حقول التربية والإعلام والسياسة العامة والتبادل بين الثقافات.

إعلامي سوري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية