التراث المقتول

حجم الخط
0

التراث المقتول

عزت القمحاويالتراث المقتولزرت الأقصر مطلع هذا العام، في وقت كانت السلطات تنشر في الصحف عداً تنازلياً لنقل سكان نجعين من النجوع التي تشكل معاً ما يعرف بالقرنة أو الجرنة التي تتمتع بشهرة عالمية، لا بسبب موقعها كمدخل لمقابر الفراعنة، بل بسبب المهندس حسن فتحي الذي شيد القرية النموذجية منصف الأربعينيات كمقترح لما يجب أن يكون عليه مسكن الفلاح، أو ما اشتهر في أدبيات حسن فتحي المعمارية بـ عمارة الفقراء . والحال أن مقترح فتحي المعماري لم ينتشر، بل إن ما بناه أزيل، وأعاد السكان بناءه باستثناء بيتين اثنين ومسجــد القرية ومجموعة من الدكاكين المتجاورة، التي يأكل الملح جدرانها. وقد صبغ هذا الإخفاق شيخوخة حسن فتحي بالمرارة. وليست قرية حسن فتحي المجمعة التي لم تعد نموذجية هي المطلوب هدمها وترحيل سكانها، في هذه المرحلة علي الأقل، بل مجموعة من النجوع مبنية من الطين الغريني ولابدة علي الجبل، ومتناسقة معه، كما لو كانت هناك منذ بدء الحياة، والألطف أن المكان المقترح لسكان النجوع البديلة ليس بعيداً عن المقابر، بل يقع في حرمها أيضاً والمساكن المقترحة مبنية من الحجر في شكل مكعبات نابذة عن طبيعة المكان.عدت من رحلتي بأحاديث كثيرة مع السكان الذين يعيشون يوماً بيوم، منذ مطلع الثمانينات، حيث لاعقود تمليك للأراضي أو البيوت، وإنما دائماً أخبار النقل التي تتراجع عنها الإدارة أحياناً خوفاً من المصادمات مع السكان، لكن النقل ينفذ في أحيان أخري، والأهم أن أحداً من سكان هذه المنطقة وأصحاب المشروعات السياحية الصغيرة لا يستطيع أن يتصرف علي أنه آمن في مكانه، أو يخطط لزيادة غرفة في بيته، أو في نزله الصغير الذيي يخدم النوعية الأفقر من السياح، أو تلك التي تريد أن تلامس الواقع وتتعرف علي مصريين حقيقيين بعيداً عن فنادق الدرجة الأولي في البر الشرقي من النيل. عندما هممت بالكتابة عن كل هذا نصحت ألا أفعل، من أصدقاء لا أشك في استقلالهم عن رؤية النظام، وحجتهم أن الأمر أعقد من أن أفهمه، وأن هذه النجوع تعوم علي مستودعات من الآثار، وأن غالبيتهم يعملون في تجارة التهريب.وسكت، رغم عدم اطمئناني لصواب النصيحة؛ لأن مهرب الآثار لا يمكن ان يعيش في هذه الحال من الفقر التي جعلت الزواج من أجنبيات طاعنات في السن أكثر الأنشطة الاقتصادية رواجاً بين شباب هذه النجوع، بينما نعرف أن مهربي الآثار يعيشون في قلاع متخمة بالبذخ محصنة بالسلاح، وهم غالباً من السلطة أو المتزوجين معها، مثل أمين الحزب الوطني بالجيزة، الحزب الذي ينطلق هذه الأيام إلي المستقبل تاركاً وراءه قيادات في السجن، وأخري كان ينبغي أن تكون هناك!علي أية حال، تباعدت مشكلة القرنة، ولم تعد من بين اهتماماتي، لابسبب الوصول إلي قناعة بشأنها، وتواتر قضايا الفساد الأكبر من قضية القرنة، حتي أدهشني تيموثيي ميتشل.لقد فهم القضية!قلت وأنا أقرأ دراسته التي ترجمها بشير السباعي وصدرت هذا الأسبوع عن دار ميريت، في كتاب بعنوان دراستان حول التراث والحداثة وميتشل من كبار العارفين بالتاريخ والواقع المصري، وله دراسات جيدة سابقة، ويبدو أن السباعي ألزم نفسه بترجمة كل ما يكتبه ميتشل عن الحالة المصرية، وهو جهد مشكور، يفكك آليات الفساد، وآليات الاستعمار من كتاب إلي كتاب. ورغم التفاصيل اليومية المهمة التي يوردها ميتشل، فإن القُرنة الجُرنة ترد كحالة دراسية لكيفية الإخفاق في تصنيع التراث، في كتاب يعني بحالة الحداثة والمدي الذي تستند فيه إلي التاريخ.يري ميتشل إن من الأشياء الغريبة المتصلة بعصر الدولة الأمة، أنه من الأفضل لكي تثبت أنك حديث أن يكون بوسعك إثبات أنك قديم أيضا، ففكرة الأمة بحاجة إلي تخيل أنها تعود إلي فترة زمنية متصلة. ومن أجل هذا الاتصال لابد من نسيان بعض عناصر تاريخ هذه الأمة: الهجرات، سلماً أو غزواً، العداوات الطائفية والعرقية..الخ، وهكذا يمكن تشييد التاريخ الواحد المشترك لتقف الحداثة علي أرضه الصلبة. كانت اللحظة التاريخية في النصف الأول من القرن العشرين تسير باتجاه أمة مصرية ولم يكن اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون عام 1923 دون أثر في هذا المجال، وقد تزامن الاكتشاف مع حصول مصر علي استقلال نسبي. وواصل العديد من الكتاب والأحزاب دعوتهم لبناء الشخصية المصرية استناداً إلي ماضيها الفرعوني.ولكن، لكي يكون هناك تاريخ مشترك، فلابد أن يكون هناك الخارجون عليه.وقد كان فلاحو الجُرنة منذورين لهذه المهمة الوطنية!كانت مصلحة الآثار قد تعرضت لحرج بسبب نزع جدار كامل من إحدي المقابر عام 1944 ولم تجد من كبش فداء سوي السكان المحليين في سلسلة نجوع الجرنة. وفي العام التالي كلفت الحكومة المصرية المهندس حسن فتحي إبن الأرستقراطية القاهرية ببناء قرية نموذجية بالمنطقة. وصمم حسن فتحي القرية من الطوب اللبن (المصنوع من الطين الغريني غير المحروق) مستخدماً العقود والأقواس والقباب الرحبة، في محاولة لاستحداث عمارة وطنية تعتمد علي مواد البيئة، ومن سخريات القدر، أن مشروعات السدود علي النيل في هذا العام تحديداً كانت قد سيطرت إلي حد كبير علي مجري النهر ومنعت تدفق الطمي الغريني، الذي يجدد التربة. أما أهم عيوب قرية حسن فتحي فهو عجزها عن استيعاب التوسع في حجم الأسرة، إذ لايمكن لساكنها أن يضيف طابقاً ثانياً لتزويج أحد أبنائه!وأمام عدم انتشار نموذجه، بل وهدمه لإقامة بناءات عادية مكانه كان حسن فتحي يصور أهل الجرنة علي أنهم جهلاء، غير متحضرين، وعاجزين عن صون تراثهم المعماري. وهكذا كانت الجرنة هي الجماعة الخارجة عن الأمة (لصوص بشهادة الحكومة وغير متحضرين بشهادة المعماري الفذ). وهكذا سينظر إلي سكانها دوماً في الإعلام وفي السينما (فيلم المومياء لشادي عبدالسلام) وفي مسلسلات تليفزيونية حديثة، تتطابق مع ادعاءات الحكومة، التي لم تبذل أي جهد مع الحكومات الأجنبية لتحريم تجارة الآثار.ويقول ميتشل إنه إذا كان صحيحاً أن بين سكان الجرنة من يتاجر في الآثار، ووصف باللصوصية، فلماذا لم يوصف المتحف البريطاني بلندن أو المتروبوليتان في نيويورك بأنهما متحفان لصان؟ويناقش ميتشل الادعاءات الأخري التي تطلقها الحكومة بحق الجرنويين، وبيوتهم وبينها مزاعم مساهمة هذه البيوت في زيادة المياه الجوفية في المقابر، رغم أن ما يتمتع بالماء الجاري في المنطقة فقط هو استراحات بعثات التنقيب الأجنبية، كما أن أحداً لم يدرس بجدية أثر السكان المحليين قياساً بارتفاع منسوب المياه الجوفية في الوادي كله بسبب إنشاء السد العالي!كما أن هذه الحكومة الحريصة علي الآثار تفاخر برفع عدد السياح في الأقصر وتسعي لجعل رقم المليون الذي وصلت إليه في ثمانينيات القرن العشرين خمسة ملايين، سوف يتعرقون ويعتصرون عرقهم داخل المقابر.ويخلص ميتشل إلي أن المسعي إلي نقل سكان القرنة الذي بدأ بسعي لخلق أمة فريدة، يتواصل الآن ولكن لتحقيق اتجاه يتبناه الغرب في السياحة ببلدان العالم الثالث، وهو عزل السياح والتقليل من فرص احتكاكهم بأبناء البلد، فمن الباص المكيف إلي الفندق المكيف، والمطعم المكيف، مع نصف ساعة فقط للتسوق من البازار كحصة مدرسية.مؤكداً علي أن هذا الاتجاه لاستهلال التراث الميت المعزول عن محيطه من سكان يتعرضون للتهجير لا يرضي السكان، ولا يرضي السياح الذين يتوق الكثير منهم إلي الهرب من الروتين السياحي، ويتركون أنفسهم لصبية يتصيدونهم ويقودونهم إلي بيوتهم ليروا كيف تصنع أمهاتهم الخبز البلدي.وإذا كان السائح يتدبر أمره بجنيه بقشيشاً للصبي، فإن السكان باحتجاجهم الهين يعرون العنف المستتر تحت المزاعم الحكومية.0

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية