البغيّ العذراء !

حجم الخط
3

انها ليست على غرار المومس الفاضلة لسارتر او في ضوء رؤية وجودية مضادة للسائد الاتباعي، تلك الرؤية التي دعت سارتر ليدافع بحصافة نادرة عن جان جينيه الذي حظي بوصف القديس الشهيد، بعكس ما وصف به جينيه من نقاد يليق بهم ما اطلقه سارتر نفسه على بورجوازيي مدينة بوفيل من نعوت .
وليست البغي العذراء ايضا ذات صلة بالاسطورة وتجلياتها، خصوصا تلك التي تتحدث عن مياه أخيلوس، حيث ما ان تغطس فيها البغي حتى تستعيد بكارتها، لكن هناك على الدوام نقطة ضعف منسية، هي الكعب الذي يبقى خارج الماء، الأقرب الى ما اعنيه بالبغي العذراء هو ما كتبه الشاعر الراحل خليل حاوي قبل عقود وكان جذر تشاؤمه المزمن فقد قال :
الجماهير التي يعلكها دولاب نار
من انا كي اردّ النار عنها والدّوار
عمّق الحفرة يا حفّار … عمّقها لقاع بلا قرار
اصطاد قلبه ببندقية صيد عشية ذلك الاجتياح الذي افتضّ بكارة أمة عام 1982 . ورغم ان حاوي بشّر بحماس شديد ومشحون بعاطفة قومية بالنهوض والمستقبل الأشبه بيوتوبيا الا انه عانى في الوقت ذاته من احباط دفعه الى القول على نحو مباشر :
تولد الفكرة في السوق بغيا ثم تقضي العمر في لفق البكارة
تلك هي الرؤية التي اود التحليق حولها بقدر ما تسمح به جاذبية هذا الواقع الاجتماعي وما رصده حاوي في ستينات القرن الماضي يتكرر الان بشكل اجتراري لكن خارج المراصد كلها.
فما كان يسمى وقع الحافر على الحافر ثم تطور الى مفهوم حديث هو التناص ،تحول الى ذريعه للتلاص وليس للتناص،وساهمت الفضائيات والانترنت وسائر وسائل الاتصال الحديثة في تكريس هذه الذريعه بحيث لم يعد القارئ يعرف او يميز بين الاصل والصورة او الصوت والصدى، ونحن في ظهيرة هذا التاريخ وفي ذروة عنفوانه احيانا وتوحشه احيانا اخرى ليس لدينا ماء اسطوري تستعاد فيه البكارة وعقب اخيلوس تمدد حتى شمل الجسد كله. لهذا فما من سبيل لان تستعيد البغي بكارتها والطريق المطروق حتى الاذلال الاجتراح الاول، فما ان تخرج عبارة كالزفير من مبدع حتى تتحول الى شهيق لعدد لا يحصى من هواة التنقل وترديد الصدى كالببغاوات.
والمزعج في هذا السطو ليس السطو بحد ذاته ،بل خلع عبارات من سياقاتها الاصيلة وزرعها في رمل عقيم حيث لا يرجى لها اي نماء، واحيانا يكون توظيف السطو عليها عكسيا بحيث تكون الجريمة الفرويدية مزدوجة ضحيتها الاب والابن معا وقد تشمل الحفيد.
* * * * *
لأن أدبنا يعاني منذ عقود غياب النقد بمعناه الأصيل وليس الاشتقاقي القادم من ممارسات دجاجية فقد تولى ملء الفراغ اعلام هو أقرب الى الاعلان، وأصبح مقدمو برامج ثقافية او صحافيون هواة هم البدائل للنقاد في حقبة يطلق عليها اسم ما بعد الحداثة، وهي في حقيقتها تعود الى ماقبل الحداثة وما قبل النقد، اذا اتفقنا مع ماكفرلين بأن بيان موت الحداثة قد صدر في برلين عام 1815 اي قبل ما يقارب القرنين !
والقصيدة او النصّ الذي هو في حقيقته تلفيق من ذاكرة خصبة وخيال مجدب يتصور ناشره للمرة الاولى ان عذريته وبكارته هي مبرر النشر وكأن هناك بحيرة سرية لا نعرفها تنقع فيها النصوص البغايا بحيث تتطهّر تماما من كونها مستعملة، وهنا لا اجد حرجا في تسمية نصّ من هذه السلالة بأنه نصّ مستعمل، وعندما كان لدينا نقد ساهر وراصد أقام نقاد الدنيا على تماثل قد يكون شكليا بين قصيدة لصلاح عبد الصبور وأخرى لإليوت وقصيدة للماغوط وأخرى لأمل دنقل وقصيدة لنزار قباني وأخرى لجاك بريفير، وليس معنى ذلك ان مهنة الناقد هي التصيّد، لكن حين يكون هناك مناخ نقدي به حصافة وجديّة ومتابعة فإنه يفرض حضوره على الهواة او النّقلة كي يكونوا اكثر احترازا وأقل استخفافا بجهود الآخرين.
ان اكثر انماط النقد شيوعا اليوم هو الحك المتبادل بين شعراء او روائيين واذا استثنينا اعلانات الناشرين وما يكتب على الأغلفة من تبشير مجاني، فإن النقد في اكثر جوانبه جدية منصرف الى مقاربات نظرية، وامتطاء موجات مترجمة هي على الأغلب تتعاقب ولا تصل، لهذا نسخت بعضها، من الوجودي الى الشكلاني ومن الواقعي الى البنيوي، رغم ان هناك بنيويات عديدة وواقعيات لا حصر لها او بلا ضفاف تبعا لما اطلقه جارودي على دراسة مضادة للواقعية الزواحفية عندما اعاد قراءة سان جون بيرس وكافكا.
* * * * * * *
النقد وحده المنوط به التفريق بين البغي والعذراء، فالظاهر الاجتماعي في زمن التضليل يجانس بين الاضداد في الشارع والمقهى، لأن التضليل بكل ما سخر لخدمته من منجزات التكنولوجيا حوّل حياتنا الى حفلة تنكرية على امتداد الاعوام وليس في ليلة رأس السنة فقط، فالنقد الان لا يكتشف ولا يٌفحص لأنه اصبح رهينة اعلام لا وقت لديه كي يتأمل ولو قيّض لأدبنا العربي في السنوات المقبلة نقد جدي لحاول بأثر رجعي ان يعيد رسم التضاريس ويفضّ الاشتباك بين المعرفي والاعلامي الموسمي، اذ لا يمكن للمشهد الثقافي ومنه النقد ان يبقى على هذا النحو عاطلا عن مهمته ومخليا المكان لأشباه يختزلون الثقافة الى واجهة اجتماعية او وظيفة، فالالتباس الان هو حول من يعملون في الثقافة ابداعا وبحثا وبين من يشغلون مواقع في إدارتها، وما يلاحظ بقوة هو ان المثقف العربي أدرك هامشية مهنته ودوره فسعى الى ربط القط بذيل البعير، او بمعنى آخر استدعى كل احتياطياته عديمة الصلة بالثقافة كي ينجو من الفاقة والبطالة والتهميش وكأن مقولة الذين أدركتهم مهنة الأدب يعاد انتاجها الآن لكن بمهارة اعلامية تحجب الحقيقة .
اما من تشبّثوا برهانهم التاريخي والاخلاقي بهذه المهنة غير المعترف بها عمليا مما يضطر ممارسوها الى الدفاع عن ضرورتها وجدواها، فهم على موعد محتم مع اعادة الاعتبار بعد ان تصفو السماء ولو قليلا ويصحو السائرون نياما في لحظة غسقية لا النهار فيها انقضى ولا الظلام فيها حلّ !

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية