الانتهازية كظاهرة اجتماعية

حجم الخط
2

الانتهازية مرض خطير يساهم في أفول الظاهرة التي يتغلغل فيها، بالتالي فهي العامل الأبرز المتوجب خشيته أيّاً كانت الأشكال التي تبدو فيها الظاهرة، سواء كانت مؤسسة وظيفية أو حكومة أو قيادة أو حزباً. الانتهازية تتناقض مع الجوانب الأخلاقية والقِيم والمبادئ، وترتبط بالنفاق والمهادنة والشعور غير الحقيقي في ذهنية الشخص الانتهازي. ومع انحسار القيم والمبادئ بدأ اتساع هذه الظاهرة التي أصبح الإنسان يواجهها كثيراً في حياته. الانتهازية كانت منذ فجر التاريخ، وبروزها جاء مع تقسيم العمل. ووفقاً لتعريفها في الموسوعة الحرة فإنها، السياسة والممارسة الواعية للاستفادة الأنانية من الظروف، مع الاهتمام الضئيل بالمبادئ أو العواقب التي ستعود على الآخرين. إن أفعال الشخص الانتهازي هي أفعال نفعية، تحركها بشكل أساسي دوافع المصلحة الشخصية. ينطبق المصطلح على البشر والكائنات الحية والمؤسسات والأساليب والسلوكيات والتوجهات. تمثل الانتهازية أو ‘السلوك الانتهازي’ مفهوماً مهماً في عدد من مجالات الدراسة، مثل الأحياء، واقتصاديات كلفة العملية، والأخلاقيات، وعلم النفس، وعلم الاجتماع والسياسة. الانتهازية باختصار هي وضع المصلحة الشخصية قبل مصالح الآخرين كلما سمحت الظروف.
تتجلى الانتهازية في مظاهر كثيرة: في العمل في المؤسسات، في الأحزاب السياسية وغيرها. الانتهازيون لا يواجهون بل يطعنون في الظهر في الوقت الذي يبتسمون فيه للمعني. ترى الواحد منهم وتسمعه على حقيقته ليتبين أنه يصلح ليكون في حزب آخر غير الحزب الذي ينتمي اليه. الانتهازيون يمارسون التضليل للآخرين لكنهم في النهاية ينكشفون بعد أن يتم دفع الثمن غالياً، فمثلما يقول المثل: ‘قد يتم خداع كل الناس، بعض الوقت، وقد يتم خداع جزءٍ منهم طيلة الوقت، لكن من المستحيل أن يتم خداع كل الناس، كل الوقت’. الانتهازية ليست وجهة نظر، انها خداع ونفاق ورياء. لعل الأحزاب السياسية هي الأبرز في تجلي الانتهازية والانتهازيين فيها، خاصة تلك الأحزاب التي تتسلم السلطة، وخير مثال على انتشار ظاهرة الانتهازية فيه، الحزب الشيوعي السوفييتي إبّان الحقبة السوفييتية، وكان عدد أعضائه ما يقارب الخمسة عشر مليوناً من الحزبيين، وما يقارب الأربعين مليوناً من المتدربين الشباب (الكومسوموليين) أي أن العدد كان كبيراً، إلى الحد الذي يبدو فيه سقوطه مستحيلاً، لكن في غمضة عين انهار الحزب وانهارت الدولة السوفييتية وانهار البناء الذي كان يبدو فيه من البعيد شامخاً وراسخاً. على ماذا يدّل ذلك؟ باختصار شديد يدل على أن ظاهرة الانتهازية والنفعية والرياء وعدم الاخلاص للمبادئ الحزبية، كانت هي السائدة المتفشية لدى أعضاء كثيرين يمثّلون الأغلبية! لو كان الأمر عكس ذلك لما انهار هذه الحزب المتسع عرضاً في كل الجمهوريات المؤتلفة في الاتحاد السوفييتي.
إن أحزاب السلطة هي الأكثر عرضة لنفاذ الانتهازيين فيها، لأنهم يحققون مآربهم الشخصية، ومصالحهم الخاصة من خلال الحزب. أما على صعيد المسلكية الحزبية فإن هؤلاء ينظّرون طويلاً للفئة الحزبية الحاكمة، ولصوابية خطها السياسي، ويعتبرون الحاكم هو ممثل الإرادة الإلهية على الأرض. يتغنون بحكمته وصوابية خطواته، إلى الحد الذي يرونه فيه ملهمهم، الذي لولاه لما استطاع الشعب تنفس الهواء، لذا ينحتون له التمثايل وينشرونها في مختلف أنحاء البلد، وتصبح صوره رمزاً وطنياً لهذا البلد. بالتالي فإن الانتهازية تؤدي حتماً إلى الدكتاتورية، رغم اعتبارها رافعاً حقيقيا للديمقراطية الاجتماعية وهكذا دواليك.
إن الانتهازية لا تتمظهر في الأحزاب الحاكمة فقط وإنما في كافة الأحزاب، بهذه النسبة المئوية أو تلك، ولا تتجلى فيها كظواهر محدودة، وإنما قيادة مثل هذه الأحزاب تمارس انتهازيةً سياسية على شعبها. إن الذي ساعد على الانتهازية السياسية في بعض الأحزاب هو مجموعة من العوامل: عدم وضوح الخط السياسي للحزب، فهو ينقلب بين عشيةٍ وضحاها إلى الموقف النقيض، ومن العوامل أيضاً الانفصام بين الممارسة العملية والمواقف العلمية، فترى الحزب والحالة هذه يتمايل يميناً ويساراً في مواقفه العملية. يؤشر الى اليسار ويذهب إلى اليمين! من العوامل أيضاً العجز القيادي أو الانحراف النظري الأيديولوجي للقيادات، فمواقف الحزب والحالة هذه لا يلبي المصالح الشعبية، بل يسير بالمعنى الفعلي عكس اتجاهها. لذا فمن الطبيعي والحالة هذه أن تندثر مثل هذه الأحزاب وألا تمثل شيئاً ذا قيمة في مجرى التاريخ. مثل هذه الأحزاب تكون عقبةً أمام تطور شعوبها ولحاقها بالمجرى الحضاري والإنساني، وتقف أمام تقدم شعوبها بالمعنى التكنولوجي. مثل هذه الأحزاب لا تكون ولا تشكل أكثر من ورقة في مهب الرياح، فهل مثل هذه الأحزاب قادرة على إيجاد المتغيرات النوعية بالمعنى الإيجابي في حياة شعب كل منها؟ بالتأكيد كلا وألف كلا و(مثلما قلنا) تعيد شعوبها عقوداً إلى الوراء. مثال آخر أيضا على الانتهازية هو المواقف السياسية للعديد من الدول، على سبيل المثال اسرائيل والدول الغربية عموما تتباكى على موت مانديلا، انها مواقف انتهازية. هذه الدول اعتبرته وهو في السجن ارهابيا، وكانت تمتلك افضل العلاقات مع نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا!
من أشكال الانتهازية أيضاً انتهازية المثقفين ولعل هذه من أخطر الظواهر، نظراً لدور المثقفين الذين من المفترض أنهم يطورون الوعي والتنوير لدى جماهيرهم. إن المثقف الانتهازي باختصار، لا لون له ولا طعم ولا رائحة. هؤلاء يشكلون وعياً ديماغوجياً، لا يثبتون على موقف، تراهم يبررون للسلطات الحاكمة خطواتها أيّاً كانت تبعات وتداعيات هذه الخطوات على الشعب، طبعاً بالمعنى السلبي، تتماهى هذه مع الانتهازية الاجتماعية، فكل الذين يحبون الوجاهة في مجتمعاتهم أو أحزابهم أو مؤسساتهم، يميلون إلى المواقف الانتهازية إذا ما كانت هذه الأخيرة تعمل على رفعهم في السُلّم الاجتماعي ولو درجات قليلة. إن الانتهازية لها أيضاً تطبيقاتها في المهن ومؤسساتها، وهذه أيضاً في اتساع ينمو بوتائر عالية، فكم من المهن المفترض فيها أن تكون إنسانية في مضامينها أصبحت غايةً تجارية في أذهان من يمارسونها، فتراهم أصبحوا من التجار بالمعنى الحرفي للكلمة، لذا ابتعدت هذه المهن عن أهدافها وغاياتها إلى النقيض التجاري. الانتهازية تبدو في كثير من الظواهر الأخرى التي يصادفها الإنسان يومياً للأسف، واتساعها يتناقض مع كل القيم الإنسانية النبيلة. الانتهازية تعمل على تدمير الجوانب النفسية لمن يمارسها، بالتالي فلها مخاطرها التدميرية على القيم المجمتعية فتؤدي بشكل عام إلى تزييف الوعي وإلى الانحراف عن الصواب في المجالات المختلفة. لذا لابد من تضامن الجهود المجتمعية لاستئصال هذه الظاهرة من جذورها. الانتهازية ظاهرة مجتمعية تراها في كل مجتمع، والانتهازيون خطرون على مجتمعاتهم. من الواجب على المثقفيين الملتزمين بقضايا شعوبهم، خاصة أهدافها التحررية، إذا ما كانت المرحلة هي التحرر الوطني أو التحرر الوطني الديمقراطي، فلا النفاق يوصل المجتمع إلى أهدافه التحررية الوطنية، ولا الانتهازية قادرة على إيجاد القفزات المجتمعية المؤدية إلى تراكمها لإحداث الانتقال النوعي.
إن الانتهازية بكافة أشكالها ومظاهرها خطر حقيقي، وتحتاج إلى مواجهة حقيقة من كافة الشرائح المجتمعية لاجتثاثها من جذوروها، وإلا ستكون الطامّة الكبرى.

‘ كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية