الانتلجنسيا الرهينة

حجم الخط
0

الانتلجنسيا الرهينة

خيري منصورالانتلجنسيا الرهينةما كتب عن الانتلجنسيا العربية علي اختلاف التعريفات المعربة لهذا المصطلح غالبا ما بدأ من النصف الثاني للقرن التاسع عشر الذي شهد نهوض واجهاض المشروع الاحيائي، والذي انتهت الكوكبة التي مثلته نهايات تراجيدية تليق بخاتمته، حيث هناك من مات مسموما كالكواكبي ومن مات محقونا بعقار قاتل ومن تاب في منتصف الطريق وتقاعد. لكن كتابات اكثر ميلا للحداثة عن هذه الانتلجنسيا كالتي قدمها عبدالله العروي وهشام شرابي ونديم البيطار وآخرون بدأت من القرن العشرين وبالتحديد من بواكيره، أي الجيل الذي تزامن مع الحرب العالمية الأولي، حين كان الوطن العربي لا يزال محتلا وشبه محتل، ويلعب فيه الكومبرادور الثقافي كمعادل تاريخي للكومبرادور السياسي الاقتصادي دور البطولة، وهو دور الدوبلير بامتياز، لأن معظم دعاة التحديث من ذلك الجيل الرائد جعل من الغرب مثاله ونموذجه ولم تكن الدعوة الي الأوربة إلا واحدة من تجليات ذلك الوعي السالب، ففي العراق ومصر وفلسطين صدرت كتب في مطالع القرن العشرين تحمل عناوين من طراز الانكليز كما عرفتهم وفضائل بريطانيا اضافة الي اشعار منها ما مجد بني التايمز وفضلهم علي العالمين ومنها ما تحول الي عرض حال شعري يطالب بمكوث الاستعمار ومن تلك القصائد. وليس هذا المقام مكرسا لفحص تلك الآونة الملتبسة من تاريخنا الحديث لكن ما نرمي اليه بوضوح هو البحث عن جذور الارتهان، ارتهان النخبة المثقفة للخارج متمثلا بالكولونيالية وللداخل متمثلا بالسلطات المحلية التي كانت علي الدوام الباب الأعلي وولي الأمر بلا منافس والباتريارك في ذروة عافيته الربيعية! وكان د، محمد برادة قد اشار في أطروحته عن محمد مندور الي المثقف الموظف، وكيف حالت تبعية الوظيفة دون استقلال المثقف، وحريته في إبداء الرأي. لكن ذلك المدخل الأكاديمي الذي قدمه د، برادة لم يقيض له آخرون يذهبون الي الأبعد خصوصا بعد ان عرفت السياسة العربية، نظما انقلابية، وسطوة عسكرتارية علي الحياة برمتها، وليس علي الثقافة فقط. لقد كان ارتهان الانتلجنسيا العربية خلال نصف قرن مضي موزعا بين الحزب والدولة والقبيلة والطائفة وكان لكل عنصر من هذه العناصر دور الأب المانح والمانع، والذي يستخدم العصا والجزرة او العصا فقط لترويض الاتباع لمن يجازفون بالعصيان او ما يسمي وفق التربويات الربوية العقوق. وهناك ثلاثة عوامل علي الأقل تتطلب فحصا مجهريا وبأثر رجعي لاستقراء ظاهرة الارتهان قدر تعلقها بالمثقفين العرب، العامل الأول اقتصادي فالمثقف الذي لا يستطيع الحياة والاكتفاء حتي في حده الأدني من خلال مهنته لا بد له أن يلوذ بما ييسر له الحياة العسيرة وهو إما الوظيفة معرفة فان شبه الوظيفة هو المزاوجة بين تراث العثمنة وسايكولوجيا حضرة المحترم كما جسدها نجيب محفوظ في رواية تحمل هذا الاسم، شبه الموظف يضع قدما هنا وقدما هناك ويقول الكثير كي لا يقول شيئا محددا لأنه كائن احترازي بالضرورة، وحمال أوجه، ويتشبث بالاحتياطي الذي يحميه من الفاقة أو المساءلة! يضاف الي العامل الاقتصادي تطلع مثقفي الطبقة الوسطي الي الهجرة الطبقية لتحسين شروط الحياة والانتساب إلي النادي المحرم علي أمثالهم، خصوصا في مجتمعات لا تكفي صفة المواطن وحدها لانصاف الأفراد ومنحهم استحقاقاتهم المادية والمعنوية. العامل الثاني اجتماعي أفرزته من خلال التراكم اعراف سائدة، ومواعظ منها الشفوي ومنها المدون وارتكاسات نفسية، بحيث اختلط الأمر علي الكثير من المشتغلين في مهنة الثقافة فظنوا الوجاهة الاجتماعية عرضا أساسيا وليس جانبيا للوجاهة الثقافية، لهذا سعي البعض الي البرلمان، ليس وفقا لتوجه المثقف المعاصر ذي النزعة الديمقراطية بل من خلال القبيلة، أو الحزب الذي هو قبيلة مغطاة بمساحيق الحداثة، وعندما تحدثنا ذات يوم وفي هذه المساحة عن الظاهرة اللبلابية في الثقافات العربية، كان الهدف أبعد بكثير من التذكير قصة لمحمد عبدالحليم عبدالله أو لفيلم رومانسي بالأسود والأسود، حيث لا بياض فيه إلا للكفن وثوب الزفاف! شجرة اللبلاب لا تنهض علي جذعها لأنه هش ومائل، ولا بد لها من جدار يسندها وما ان ينهار الجدار حتي تنهار وتتكور علي بعضها كالدودة! وهذا هو حال المثقف المرتهن الذي يتحول في النهاية الي رهينة فهو لا يستطيع الوقوف علي ساقية بلا جدار أو عكاز بعكس المثقف الحر الذي يتحول حتي عكازه الي عصا منحوتة من عظم الساق! ثلاث حروب بدأت في أول التسعينات من القرن الماضي ولم ينته آخرها الآن، كانت بمثابة الاضاءة الساطعة لفرز الثقافة المرتهنة، ولبلابية المثقف الرهينة، الأولي حرب احتلال العراق بحجة تحريره والثانية الانتفاضة الفلسطينية في حلقتها الثانية باعتبارها حربا غير متكافئة، والثالثة الحرب علي لبنان! هذه الحروب الثلاث اختبرت منسوب الحرية والارتهان لدي الانتلجنسيا العربية التائهة، والتي لم يقيض لها غرامشي عربي من صلبها ليعاينها، ويفرز العضوي من المصنوع في نسيجها الملفق! فمن كانوا يسبحون بحمد الديكتاتور وهو يملك المنديل الورقي الاخضر، قلبوا ظهر المجن في اربع وعشرين ساعة فقط، ومن كانوا أدوات تستأجر لتبرير الطغيان واقصاء الآخر تحولوا فجأة إلي مجانين ديمقراطية علي غرار مجنون ليلي، لأن ديمقراطيتهم ايضا عذرية، ولا تقبل الزواج من الواقع، وهم يفتعلون عقبات مماثلة يعني يفتعلها العذريون كي يديموا العنوسة السياسية في مجتمعاتهم! أما الانتفاضة بوصفها حربا غير متكافئة، أو مقاومة بالحجر ضد الدبابة والآباتشي، فقد عوملت من الانتلجنسيا العقلانية، والراشدة قدرة قادر كما لو انها فعل مجاني، ومجابهة خاسرة وتراجيديا يجب ان لا تندفع الي اقصاها، ولو عدنا الي كتابات البعض عن المقاومة الفلسطينية اثناء تجوالها واقامتها بين لبنان وتونس ثم قارناها بكتاباتهم خلال الانتفاضة الثانية لوجدنا نفسنا ازاء موقفين لا ثالث لهما الأول هو ان هؤلاء ليسوا هم انفسهم وانما كانوا يستخدمون اسماء مستعارة، والثاني هو ان المقاومة الفلسطينية داخل فلسطين لن ينتفع منها أحد، وستكون مؤسساتها وأموالها رغم شحتها محاصرة ولا يمكن اختراق الحدود باتجاهها! والحرب الأخيرة ان كانت الأخيرة حقا علي لبنان قدمت اضاءة ليست ساطعة فقط بل حارقة لمسرح يتداعي ونظارة يحاولون الخروج من المسرح لكن أبوابه مغلقة. وأصبح لدينا الآن مقياس واضح نحتكم إليه ونحن نميز بين العقلانية والجنون في مواقف النخبة المثقفة. العقلانية، هي وعي حاسوبي بالغ الدقة بمصدر الدخل، والعم الدؤوب علي إدامته، لأن انقطاعه يعني العودة الي البيت الأول، وإلي جذور الطبقة التي تمت مغادرتها. والعقلانية هي انكار للشعر لصالح المنطق وانكار للدم لصالح الدولار وانكار للمقاومة لصالح الامتثال والمساومة هكذا عادت الأمثولة الحطيئية بكامل عافيتها الي الانتلجنسيا التي ترطن بالحداثة، وأصبح للمثقف الرهينة مرسل إليه واحد هو قاريء واحد متخيل بيده ان يعطي وأن يوقف العطاء، وكم شعرت بالاشفاق علي مثقفين من مختلف أقطارنا العربية وهم يرتدون الأقنعة لاخفاء وجوههم لأنهم يكتبون في منابر لا تتيح لهم التعبير بحرية عن انكارهم أو حتي عن عواطفهم. وقبل أن نتردي في هذا المستنقع الآسن ونأكل بأثدائنا حتي قبل أن نجوع، كان الحزب ـ القبيلة، يتماهي مع السلطة في أكثر العهود تخلفا، فهو يحدد مكانة المثقف المنتسب إليه، وأحيانا يضعه في الثلاجة، ويحتفظ بالقرب منها بمايكروويف لتسخينه، وايهام الرفاق بطزاجته، ما السبيل أخيرا لتحرير هذه الانتلجنسيا الرهينة؟ هل اعتراف هذه الشعوب بمهنة الثقافة التي لا تزال لقيطـــــة أو ابنة العبدة مثل عنتر بن شداد أم انتفاضة المثقف علي نفسه أولا لتحريرها من مستوطنات موروثة من أردأ مخلفات العثمنة، وأسوأ ما أفرزته فوبيات الجوع والبطالة في مجتمعات تعيش حقبة ما قبل الدولة؟0

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية