الاستلاب: بين القبيلة والتكنولوجيا

حجم الخط
0

لا شك في كون مفهوم الاستلاب منوطا بالفلسفة الماركسية، وحديثها عن العامل البروليتاري الذي تذوب ذاته داخل المصانع، امتثالا لأوامر سيده المستعصية والشاقة، بدون أدنى محاولة للتخلص من قهره الإنساني، باعتباره فقط عاملا يجهد نفسه/ بَدَنَهُ بدون (أن يملك) أي شيء، سوى أجر بسيط لا يكفيه لسد حاجته المعيشية.
ومن هنا فإننا سنتبنى مصطلح الاستلاب/ الاغتراب، مفرغين إياه من محتواه الأيديولوجي وسياقه الفكري، حيث إننا سنوظفه إجرائيا ليدل فقط على فقدان الملكية والذات.
ـ الإنسان العربي في ظل القبيلة: مما لا يترك مجالا للشك أن الإنسان ابن بيئته، وهو متأثر إلى درجة معينة بما يدور في تخومها. ومن هنا كان الإنسان القبلي ـ نسبة إلى القبيلة – باعتباره فارسا أو شاعرا، لا يشهد راحة بال إلا وهو يشهر سيفه للدفاع عنها، أو يطلق لسانه ليتغنى بأمجادها ويصدح بكل قضاياها. ولما كان الشاعر العربي هو لسان القبيلة، فإن جل أشعاره كانت تنصب على إبراز مجد وقوة هذه القبيلة، وبالتالي فإن نصه يصير ملكا للقبيلة، ويُحكم بإبراز نزعة الانتساب. حقا، لا يعتبر الشاعر إلا وعاء يحمل في أحشائه نص القبيلة ـ أي جملة القيم والخطط المضمرة التي تحتاج إلى جهاز منفذ هو الشاعر البائس. ويمكن الاستغناء عن هذا الجهاز/ الآلة عند رفض امتثال أوامرها، أو تجاوز الطابو ـ فيكون مآله الخلعُ والطرد.
إن المتأمل لمنفى الشاعر/ منفى الذات في ظل القبيلة، ومنفى العامل الماركسي البائس داخل المصنع، الذي ينفذ أوامر السيد، الشاقة التي هي نفي شامل للذات وتجريد للطبيعة الإنسانية. يجد أن كلامها لا يمكنه إبراز ذاته بعيدا عن وسطه ـ القبيلة/ المصنع ـ هذه الذات التي لا يملكها أساسا. وإذا كانت الطبقة البروليتارية العاملة تشعر بالانسحاق في اغترابها الذاتي، وترى فيه ضعفها الخاص وحقيقة الوجود اللاإنساني. فإن الشاعر القبلي هو الآخر ينسحق داخل الذات الجماعية، ويغرب نصه عنه فيصير إبداعه ملكا للذات الحاكمة/ القبلية. وتنصهر ذات الشاعر داخلها، فتصير لا كلمة لها (أي ذات الشاعر) إلا في ظل الجماعة، وداخل الوسط القبلي.
ـ الاغتراب في عالم التكنولوجيا: دخول الكومبيوتر إلى المجتمعات الجديدة خلق طفرة نوعية، هي الطفرة الإعلامية الإلكترونية التي نعرفها الآن. إذن هل نلج عالم هذه الطفرة بإرادتنا الحرة؟ وهل مازلنا نملك ذاتنا أمامها؟ وماذا عن وسائل الاتصال الجماهيري؟ لقد جبل الإنسان على حب الاكتشاف والتطلع إلى ما هو أحسن، وهذا بالضبط ما جعله يلج العالم الإلكتروني، وعلى الرغم من ولوجه هذا العالم بإرادته ـ نسبيا- فإن هذا الولوج ليس بريئا تماما، ذلك أن الدعاية الرأسمالية التكنولوجية استهدفت الأفراد، وفرضت واقعها في غفلة منهم، وأمام إقبال الشباب على هذا العالم واستساغتهم له، وأمام تسهيل عملية التواصل والبحث، نسجوا علاقة وطيدة معه، زادت حدتها وسائل التواصل الجماهيري/ الاجتماعي، فأمسيتَ تجد أفراد المجتمع يقضون معظم أوقاتهم في المواقع الافتراضية، باحثين عن أصدقاء جدد، أو متابعين أخبار العالم وتفاهاته، هدرا للوقت دونما دراية بذلك، مستمرا في الضغط على الروابط الإلكترونية، يتنقل بين المواقع بدون كلل أو ملل، هروبا من ملل اليومي، في ظل غياب تام لمراقبة المدة الزمنية التي يتم قضاؤها داخل هذا العالم التفاعلي.

السياسة المعاصرة، بما أنها سياسة تكنولوجية بامتياز، تحرص أشد الحرص على أن تملك الفرد وتجعله تابعا لها، عبر التحكم في عاطفته وتغييب عقله، وجذبه إلى الإثارة، متكبدة عناء إيصال الأخبار والرأي الدولي إلى غرفة نومه، باقتناص عناوين أخبار مثيرة، ذات محتويات لا ترقى بالفرد، هدفها تنويم فكره

واعتمادا على مبدأ التدرج الذي يعتبر واحدا من المبادئ التي تُنهَجُ للتحكم بالشعوب، كما ذهب إلى ذلك العالم اللغوي الأمريكي نعوم تشومسكي، أصبح التواصل على هذه المواقع الجديدة، حقيقة في حياة الإنسان، لا يمكن نكرانها، لكنها مع مرور الزمن أصبح التنصل منها صعبا، إذ أن المرء أصبح مبرمجا على ولوج هذا العالم يوميا، والحقيقة المرة أن الإنسان بُرمِج لاإراديا على قضاء ساعات مهمة من اليوم، جالسا وراء شاشاته الصغيرة، جاريا وراء تتبع الأخبار، أو الإجابة على رسائل الشباب بتلهف، عبر فيسبوك، تويتر، انستغرام، يوتيوب، تليغرام، واتساب… إلخ. إن ذات الفرد ضعفت أمام التيار الإلكتروني الجارف، وسلبت جراء إغراءات التكنولوجيا، فلم يعد بإمكان الفرد التراجع، أو ردع ذاته التي لا تطاوعه في اتخاذ القرار، والأخطر أن المرء قد يدرك أنه يفرط في الأمر، لكنه لا يملك القدرة لكي يسيطر على ذاته، لا يتحكم فيهـا، فذاته غريبة عنه تماما، لأنها مسيرة بواسطة التكنولوجيا، من هنا ندرك خطر التكنولوجيا على حرية الفرد وامتلاك ذاته.
السياسة المعاصرة، بما أنها سياسة تكنولوجية بامتياز، تحرص أشد الحرص على أن تملك الفرد وتجعله تابعا لها، عبر التحكم في عاطفته وتغييب عقله، وجذبه إلى الإثارة، متكبدة عناء إيصال الأخبار والرأي الدولي إلى غرفة نومه، باقتناص عناوين أخبار مثيرة، ذات محتويات لا ترقى بالفرد، هدفها تنويم فكره، وتحقير قدراته الذهنية، فهي تريده أن يضيع بين المواقع، حتى تسلبه استقلاليته، فغدت هذه التكنولوجيا/ الوسائل الإلكترونية؛ أيديولوجية مهيمنة على الفرد والمجتمع، تجاوزت كل أشكال السيطرة التي مارسها المجتمع في الماضي على أفراده. لا تثريب إن قلنا، إن الفرد لا يستطيع التحلل من هذه الطاقة، فلا شك أننا نجده مملوكا لهذه الوسائل، ضائعا بين روابطها، لا يثنيه عن تيهه سوى ضعف الإنترنت، أو نفاد رصيده. حقا، لم يعد بالإمكان أن يكبح الفرد عواطفه ويتجاوز ضياعه، فهو لا يسيطر سيطرة واعية على طريقة إدارة عقله، وليس قادرا على تغيير وضعيته، إنه مُستلبٌ، غريب عن ذاته، يجد جوهر ذاته في عدد الساعات التي يقضيها أمام حاسوبه أو شاشة هاتفه الذكي، ويجد جوهره في حجم امتلاكه هذه الوسائل وأناقتها. الإنسان المعاصر يوجد لأجل الأشياء والأدوات الخارجية، التي أمسى موحَّدا معها، يجد فيها تحقيقا لذاته وتلبية لها، وإن لم يواكب ذلك تبرأ منه المجتمع لكونه لا يسايره، وكثيرا ما نجد أن الإنسان يحس بالنقص وتمس ذاته، إن لم يكن يملك هاتفا ذكيا أنيقا، فعادت الآلة ـ هاتفا ذكيا/ حاسوبا- تحسه بوجوده وبكينونته، والحاصل أن الواقع التكنولوجي هو واقع استعباد الإنسان واستلابه وتحوله من فاعل إلى مفعول به؛ آلة تكنولوجية تسيطر على آلة بشرية، وباتت الذات المستلبة مبتلعة من قبل وجودها المستلب أساسا.
لا ريب في أن الإنسان التكنولوجي، يعيش البؤس نفسه الذي عاشه العامل البروليتاري، الذي نفذ الحكم الذي أصدره العامل المأجور على نفسه، بإنتاجه الثروة للآخرين، والبؤس لنفسه. ونعيد هذه المرة لتحوير هذا الفكرة داخل المجتمع المعاصر، فإننا نجد صناع التكنولوجيا هم من يشكلون الفرد المعاصر، بهدف ضمان استمرار سيادتهم، بجعل ذاته لا تتحقق إلا في ما يملك من آلات تكنولوجية، وجوهر روحه في مدى إجادته لها وولوجها باستمرار، فإذا تعالى عنها وصف بالنقص، وهنا يعيش اغترابا آخر، الغربة عن الأصل.

باحث من المغرب

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية