الإنقسام المصري عمّد بالدم والخيارات المطروحة سيئة فإما الحرب أو القمع فيما يتلاشى الحل السياسي حان الوقت كي يسمي اوباما الأمور باسمها الحقيقي.. ‘انقلاب’ وليس ‘تدخل عسكري’

حجم الخط
0

لندن ـ ‘القدس العربي’: رائحة الدم، اكفان بيضاء، وسجاد مغطى بالدم، وبحث محموم على الاقارب والاصدقاء، في اليوم الثاني على المجزرة التي ارتكبت يوم الاربعاء، استفاقت القاهرة على وقع ما حدث، وفي رابعة انقسم سكانها بين مؤيد لخطوة النظام، وانها ضرورية للامن وبين معارض لها وآخرون توصلوا لنتيجتهم الخاصة.
وما انجلت عنه الامور هو اصرار كل طرف على المواصلة، الاخوان على التحشيد والتظاهر والحكومة على الحسم وبقوة وبدون داع للتبرير. وكل الاحداث القادمة تظل مرهونة بالطريقة التي سيرد فيها الاسلاميون على الوضع، حيث اشارت صحيفة ‘نيويورك تايمز’ الى نقاش داخلي يجري بين قادة الاخوان، في ظل اصرار من الحكومة على مواجهتهم بكل ما لديها من قوة، فقد نقلت صحيفة ‘واشنطن بوست’ في تقرير لها ان الحكومة اعطت الامن اوامر باطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين.
كما ان الحكومة عبّرت عن اصرار على مواصلة ‘شيطنة’ الاخوان وقمع الاسلاميين بشراسة تتجاوز قسوة عبدالناصر. وتعوّل الحكومة في استراتيجيتها على موقف الرأي العام الفاتر من الاحداث، فعلى الرغم من استقالة محمد البرادعي التي يرى فيها معلقون ضربة للحكومة المؤقتة التي لم تقم منذ الاعلان عنها سوى بتنفيذ اوامر الجنرالات، الا انه لم تحدث استقالات اخرى في داخل الحكومة هذه.
وفي هذا السياق تقول صحيفة ‘اندبندنت’ في افتتاحيتها ان المَخرج من الازمة يظل سياسيا مع انها تعترف بموت الخيار الديمقراطي، الذي بدأ بالاطاحة بمرسي وانتهى بالدم في رابعة العدوية. وقالت انه عندما خرجت الدولة العميقة من انفاقها وتعاونت على عزل مرسي، انحرف مسار الثورة المصرية التي ظلت ‘النموذج الامثل’ لثورات الربيع العربي. وترى انه بعيدا عن مظاهر فشل مرسي وعدم قدرته على بناء حكومة وحدة وطنية فانه يظل رئيسا منتخبا، وعزله بناء على طلب مجموعة من الملايين كان سخرية من الديمقراطية.
وتشير ان الحل السياسي كان ممكنا قبل مذبحة الاربعاء. وهي ان حمّلت الاخوان المسؤولية برفض المشاركة في العملية السياسية، وتهييج الرأي العام للتظاهر الا ان استخدام الجيش القوة المفرطة تهدد بادخال البلاد في حرب اهلية.
وتقول ان رحيل البرادعي من الحكومة افقد الحكومة مظهر الشمولية. وفي ظل اصرار الاسلاميين على مواصلة الاحتجاج تقول الصحيفة ان هناك ثلاث احتمالات يمكن ان تحدث، الاول: القمع، الثاني: الحرب والثالث: تسوية سياسية. وهذا يعني جلوس الجميع على طاولة التفاوض، العودة الى صندوق الاقتراع او نهاية الحكم المدني، كما يعني قيام المجتمع الدولي بجهود اكثر من الشجب، وعلى الولايات المتحدة بذل جهود اكثر، فمع ان الادارة الغت المناورات العسكرية الا انها تواصل تجنب وصف ما حدث بالانقلاب، وعليه تدعو الصحيفة الى قطع كل المساعدات عن مصر. وختمت بالقول ان الانتقال من الحكم الاتوقراطي الى الديمقراطية لم يكن ابدا سهلا، لكن الانقسام بين المصريين الذي ختم بالدم فانه اصبح اصعب، ويظلّ كل خيار اسوأ من غيره.

سيتراجع الوضع
وفي هذا السياق توقع روبرت كرومويل مراسل ‘اندبندنت’ في واشنطن تدهور الاوضاع في الايام القادمة في مصر. مشيرا الى تقديرات المسؤولين الامريكيين التي تقول ان الوضع قد يتطور الى ما هو اسوأ مما حدث يوم الاربعاء، وهذا يفسر الموقف الامريكي الحذر من الاحداث، فادارة اوباما تخشى من فقدانها ورقة التأثير بقطع المساعدات عن الجيش المصري. وكان كرومويل يعلق على موقف الرئيس الامريكي باراك اوباما والغائه مناورات ‘النجم الساطع’ مع القوات المصرية، وهي خطوة لم ترض توقعات الكثيرين في امريكا. ويرى الكاتب ان تقييم المسؤولين داخل الادارة يؤشر الى تدهور الاوضاع وفقدان ارواح جديدة قبل ان يتحسن الوضع. فآثار فض اعتصامي رابعة والنهضة ستكون بعيدة المدى، منها عودة حكم العسكر الذي ثار عليه المصريون في عام 2011، وتطرف الاسلاميين الذين سيفقدون الثقة بصناديق الاقتراع والأهم من هذا تشدد اسرائيل في مواقفها مع الفلسطينيين ومحادثات السلام، في ظل التوتر على حدودها الجنوبية والحرب الاهلية في سورية. ويظل الموقف الامريكي مرهونا بمصالحها بالمنطقة وان كانت ستتأثر بالاحداث في مصر ام لا، وكذا مرتبط بالطريقة التي تعاملت فيها ادارة اوباما مع ثورات الربيع العربي.

تأثير ضعيف
وهناك شعور عام او توجه ما لوصف السياسة الامريكية تجاه المنطقة بالضعيفة، وانها لا تتحرك الا للدفاع عن مصالح اسرائيل. وقد تكشف ضعف السياسة في ضوء الربيع العربي وموقف ادارة الرئيس باراك اوباما المتردد تجاه الثورات العربية، وفي الحالة المصرية كشفت مواقف المصريين المتصارعين على السلطة من داعمي الجيش ومؤيدي مرسي عن كراهية عميقة للولايات المتحدة.
وقد دفع تردد واشنطن في استخدام ما لديها من اوراق نفوذ وان كانت قليلة الى الاستهانة لحد ما بتحذيراتها خاصة من جانب العسكر الذي تلقوا تحذيرات مبكرة بعدم ازاحة الرئيس محمد مرسي عن السلطة، خشية ان يفرض هذا الوضع تعقيدات على الادارة فيما يتعلق بحزمة المساعدات السنوية (1.5 مليار دولار) لان الادارة حالة اعترافها بحدوث انقلاب مجبرة على تعليق المساعدات. وبعد الانقلاب اضطرت الادارة لتجاوز فكرة التوصيف ورضيت بتصريحات جون كيري، وزير الخارجية الذي اكد فيها ان الجيش ‘اعاد الديمقراطية’.
وفي ضوء مجازر القاهرة التي تجاوز عدد القتلى فيها الستمئة، خرج الرئيس اوباما ليعنف قادة الجيش المصري على العنف المفرط واكتفى بالغاء المناورات العسكرية المشتركة بين القوات الامريكية والمصرية التي كانت مقررة الشهر المقبل. وهي خطوة وان ادهشت الكثير من المراقبين الذين تساءلوا عن تردد الحكومة الامريكية بتعليق المساعدات الا انها ليست كافية. لان المسؤولين الامريكيين ومنذ الانقلاب رفضوا الاستماع لدعوات الداعين لتعليق المساعدات مشيرين الى ان المسألة اعقد مما يتصور المحللون والباحثون في المراكز الاكاديمية، لان ورقة المساعدات هي ورقة الضغط الوحيدة المتبقية بيد الامريكيين للبقاء على اتصال مع قادة الجيش، اضافة الى ان اسرائيل ومصلحتها العليا تتطلب دعم حركة الجيش وهو ما صرح به وزير الدفاع السابق ايهود بارك عندما دعا لدعم الفريق عبد الفتاح السيسي ومحمد البرادعي قبل استقالة هذا الاخير. واهم ما كان يقلق الادارة هو توسع العنف وحثها الجيش على تجنب العنف ونزف الدم، وهي الرسالة التي مررها يوميا تشاك هيغل، وزير الدفاع الامريكية بصورة شبه يوميه للفريق السيسي. وها قد سالت الدماء في شوارع القاهرة فما الذي يدفع الادارة على مواصلة التعاون مع الجيش.

سياسة الداخل
ويرى معلقون نقل عنهم سبنسر اكرمان ان عدم ممارسة ادارة اوباما او غيرها النفوذ من خلال المساعدة السنوية يتعلق بمصالح اقتصادية، فالادارة تقوم بدعم الشركات الامريكية التي تقدم الاجهزة العسكرية للجيش المصري حيث اخبر مدير شركة في ميتشغان تصنع قطع غيار الدبابات ان ‘الدعم الذي نقدمه لمصر يعود الينا وعليه يعتمد 30 من عمالي في معيشتهم’، اما السبب الاخر فمتعلق بموقف الكونغرس الذي صوت الاسبوع الماضي بالاجماع ضد 13 نائبا طالبوا بقطع المساعدات، ودوافع النواب هي خليط من عدم الاهتمام بما يحدث في مصر، وحرص على دعم الصناعة العسكرية في وقت الازمة الاقتصادية، ومشاعر ما بعد 9/11 المتعلقة بالمخاوف من الاسلاميين. فبدون ان تدفع النخب السياسية الادارة وتضغط عليها لتشديد العقوبات على الجيش المصري فتردد الادارة يتواصل. وتصبح والحالة هذه مسألة الديمقراطية والدفاع عنها مسألة ثانوية فبحسب مارك لينش الباحث في جامعة جورج تاون فالنواب الامريكيون ‘ ينظرون الى انفسهم كدعاة للديمقراطية والعنف يرعبهم ‘ولكنهم لم يريدوا الوقوف على نفس المكان ويدافعوا عن الاخوان عندما تمت الاطاحة بمرسي’.
ومما يؤثر على موقف الادارة هي الطريقة التي يتعامل فيها المصريون مع المساعدة حيث يرون فيها ‘حقا’ من استحقاقات كامب ديفيد وبالتالي فهم مالهم. وعليه فقطع المساعدات لن يترك تأثيرا كما يقول دعاة الحفاظ على الوضع كما هو، خاصة ان دول الخليج قادرة على تعويض مصرعن خسارتها. وعلى الرغم من ذلك فهناك عدم رضا من هذا الوضع وتردد اوباما باتخاذ موقف اكثر شدة بعد ان سالت الدماء في القاهرة.
ويبدو ان هذا الموقف نابع في الحقيقة من امل الادارة في ان يستقر الوضع ويكون الجيش قادرا على حسم الامور وهو تحليل كما تقول آمي هوثورن، المسؤولة السابقة في الخارجية الامريكية ‘غير واقعي لما يحدث في مصر’.

اين المثل الامريكية؟
وايا كان الحال، يعترف البعض من المعلقين الامريكيين ان ادارة اوباما لا تستطيع التأثير على ما يجري في مصر ولكن ما يطالبون به هو ان تكون الولايات المتحدة وفية لقيمها ومثلها. وهو ما يطرحه يوجين روبنسون من ‘واشنطن بوست’ الذي كتب عن هذا الوضع حيث قال ‘بعد يوم من قيام الحكومة المؤقتة المدعومة من الجيش بذبح المئات من المتظاهرين واعلنت عن حالة الطواريء، لا يزال اوباما غير قادر على تسمية ما حدث بالانقلاب، فقد تحدث من مارثا فينيارد واصفا اياه بالتدخل’.
واشار الكاتب الى الصور الصادمة التي قامت فيها القوات المصرية باطلاق الرصاص الحي على متظاهرين عزل وبدون اي تحذير. ووصف تأكيدات وزير الداخلية المصرية ان قواته لم تطلق النار على المتظاهرين بالكذبة الواضحة التي تعتقد الانظمة الديكتاتورية انها ستفوتها على المواطنين. فقد وصف مراسلو الصحافة الاجنبية مناظر شاهدوا فيها مقتل مواطنين برصاص القناصة وتعرضهم اي الصحافيين لاطلاق النار.
وذكر الكاتب في وصفه لمشهد امرأة وقفت امام جرافة الجيش وهي تحاول حماية احد الجرحى بانه مشهد يعيد ذكريات تيانامين الصينية، مشيرا انه يمكن ان يفكر في اكثر من كلمة لوصف ما فعله الجيش المصري و’تدخل’ ليست من بينها. وقال روبنسون ان اعلان اوباما عن الغاء المناورات العسكرية من المفترض ان يرسل رسالة عدم رضا للجنرالات وهو نفس المنطق الذي يمنع اوباما من وصف التحرك العسكري بالانقلاب لتبعاته القانونية. ويضيف الكاتب ان سياسة الادارة يتضح الآن انها مثل ملاحقة سراب، فالقنوات الخلفية التي تتحدث عنها مع الجيش لم تمنع قادته من الاطاحة بمرسي، وعلاقات الصداقة القديمة لم تمنع وقوع هجمات يوم الاربعاء والتي حذرت واشنطن ضدها، وتساءل الكاتب قائلا ‘متى ستعرف الادارة ان القاهرة تستمع اليها’ ؟
ومع تثمين الكاتب مواقف من يرى ان مرسي لم يكن رئيسا ناجحا، حيث يعتقد بعض اتباعه بهذا، لكن الطريقة التي خلع فيها هي ضد مبادىء الديمقراطية، فقد جاء عبر الصندوق ويخرج عبره. ومن هنا كيف تزعم الولايات المتحدة انها تقف مع الديمقراطية وتتجاهل هذا المبدأ، ونفس السؤال يطرح على كيري.
ويقول روبنسون ان الادارة ربما كانت تأمل بانتقال سريع للديمقراطية وظهور ادارة تلائمها في مصر خاصة ان معظم من دعم الانقلاب هم من المتغربين المصريين. ومن اجل التوصل لهذا كان مطلوبا من الحكومة المؤقتة ومن يقف وراءها من العسكر والسيسي قائدهم بالحكم من خلال روح المصالحة، واقتضى هذا اعطاء الاخوان المسلمون تطيمنات وتجديد ثقتهم بالعملية السياسية واستيعابهم فيها.
ويختم بالقول ان ‘الجيش المصري بارتكابه مذبحة الاربعاء قام وربما عن قصد، باضعاف الاخوان المسلمين وتقوية المتطرفين الداعين للعنف، فعندما يكون هناك حرق للكنائس وهجمات على مواقع الجنود وثكناتهم فان الجيش سيستخدمها كذريعة لقمع وحشي اكثر’. ودعا في النهاية اوباما كي يقول الحقيقة ويقطع المساعدات لان المسؤولين الامريكيين لم يعد بامكانهم اخفاء الوهم حول طبيعة الانقلاب الذي حدث في مصر. وعلى الرغم من هذا النقاش وتراجع مصداقية اوباما في المنطقة بسبب موقفه فقد نقلت صحيفة ‘لوس انجليس تايمز’ عن معلقين قولهم ان الازمة الحالية في مصر لن تهدد جوهر المصالح الامريكية في اكثر منطقة مضطربة في العالم.

مواقف الجنرالات
وتقول الصحيفة ان جنرالات مصر قد يعبّرون عن غضبهم من قرار اوباما الغاء المناورات العسكرية لكن من المستبعد الغاءهم التعاون في مجال مكافحة الارهاب، او منع ناقلات النفط الامريكية من عبور السويس او حتى التخلص من معاهدة كامب ديفيد. وكل هذه تمثل مصالح امريكية مهمة مما يفسر الطريقة التي تكلم فيها اوباما واختياره الدقيق لكلماته.
وتقول الصحيفة ان ‘مناورات النجم الساطع’ ليست مهمة للتعاون الامني بين البلدين، وكانت هناك شكوك حول انعقادها خاصة ان الجيش المصري منشغل بالانقلاب وتأمينه، واعتبر جيفري مارتيني من مركز ‘راند’ اعلان اوباما بانه ‘ لفتة فارغة’، ولا يستبعد باحثون اخرون قيام الجيش المصري باستخدام هذا الموقف لتعزيز وضعهم الداخلي من خلال تقديم انفسهم بانهم يقفون ‘ضد البلطجة الامريكية’.
وهذا ما يراه ستفين ماكينري من مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط، حيث يرى ان الجيش سيقوم باستغلال المشاعر المعادية لامريكا لصالحهم. وتشير الصحيفة الى طرق يمكن للجنرالات فيها تسجيل موقفهم المنزعج من امريكا، مثل تخفيض درجة التعاون الامني في سيناء.
ومن المؤكد ان لا يقوم الجيش المصري بقطع التعاون في مجال مكافحة الارهاب ولا الغاء المعاهدة مع اسرائيل. ومع ذلك هناك اعتراف بفشل ادارة اوباما منع قتل المتظاهرين والدفاع عن الديمقراطية في نفس الوقت. وتقول الادراة ان حقيقة لوم طرفي النزاع لها في مصر يثبت حياديتها، لكن الادارة ارسلت رسائل مزيجة وهو ديدنها منذ الربيع العربي.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية