الإعلاميون أيتام على موائد برامجهم… والنجوم فيها يسرحون

حجم الخط
3

برامج منوعات و’توك شو’ وأخرى اجتماعية، بل وسياسية أيضاً، بدأ نجوم الغناء والتمثيل يحتلون واجهة التقديم التلفزيوني فيها، على نحو يشبه الموضة.. ومن منهم لم يدخل مجال التقديم التلفزيوني تأتي تصريحاته الإعلامية لتكشف أن عروض التقديم طرقت بابه لكنه يبتعد ‘تمنعاً’، أو ‘ترفعاً’؟! وبعيداً عن ميكرفون المغني وكادر تصوير المسلسل، سيسلب مقعد المقدم التلفزيوني ممن يجلسون عليه من نجوم التمثيل والغناء كل شيء سوى غرورهم.
حلقة بعد حلقة، يخفت بريق النجومية، ويسقط وجه جميل مفترض لهم صنعه شاعر الأغنية للمغني، أو رسم ملامحه وخطواته كاتب السيناريو.. ليجلس النجم عارياً على كرسي المقدم من كل شيء إلا غروره… ذلك الغرور الذي يجعله ينسى أنه يجلس ها هنا بثقل نجوميته، لا لامكانياته ومعارفه الإعلامية ومهارته في التقديم.
ولأن النجم ينسى أن مكانه ليس كرسي المقدم، فبوسعكم أن تسمعوا العجب من هذا النجم أو ذاك وهو يتحدث عن ‘مشروعه’ في التقديم التلفزيوني، والرؤية الجديدة التي يحملها ويعد من خلالها بتطوير البرامج التلفزيونية، بل ووصل الأمر حد قول الفنانة هند صبري، منذ عدة شهور، إنها لن تقدم على أي تجربة تقديم تلفزيوني لأي برنامج ما لم تكن صاحبة فكرته الخاصة والحصرية… وذلك في معرض نفي نيتها تقديم الموسم الثالث من برنامج ‘نورت’ على شاشة ‘أم بي سي’؟!
أيها الإعلاميون، اذهبوا الى بيوتكم، قد جاء نجوم الغناء والتمثيل ليغيروا وجه التقديم التلفزيوني ويغيروا وجوهكم.

المائدة للنجم… وعلى الإعلامي صب الصحون!

نظريا يفترض أن يُترك إعلامي متمرس إلى جانب نجم الغناء أو التمثيل عند تقديم هذا الأخير برنامجا تلفزيونيا، وذلك ليرمم هذا الإعلامي المتمرس ثغرات تجربة التقديم الأولى للمقدم- النجم، ويساعده على إدارة الحوار، ويضبط إيقاع الحلقة وفق ما يريده (سكريبت) الإعداد، وهو الأمر الذي أثبت فاعليته في عدد من البرامج المختصة، كوجود الأطباء إلى جانب الإعلاميين في إدارة البرامج الطبية، ووجود المتخصصين الاجتماعيين في البرامج التي تتناسب واختصاصهم، لكن ما بدا حالة صحياً في تلك البرامج، بدا على البرامج التي يترك فيها إعلامي إلى جانب نجم غناء أو تمثيل في موقع التقديم، وهذا ما يبدو بوضوح في تجربتين برامجيتين شهيرتين هما ‘أحلى مسا’ على ‘إم بي سي مصر’ و’غنيلي ت غنيلك’ على تلفزيون ‘الجديد’ اللبناني، حيث تبدو الإعلامية سلمى الدالي في برنامج ‘أحلى مسا’ مع فيفى عبده وهشام عباس، وتبدو الإعلامية غريس الريس في برنامج ‘غنيي ت غنيلك’ مع علي الديك… تبدوان يتيمتين على موائد النجوم، إذا يقتصر كلامهمن على مساحة صمت من مساحة صمت من يرافقهم التقديم من النجوم، هي مساحة على كل حال لن تمتد أكثر من مسافة شهيق وزفير للنجم- المقدم سيحاول خلالها الإعلامي المختص جاهداً أن يتكلم لا ليحاور ضيف الحلقة وإنما ليقول إني موجود… فتحاول سلمى الدالي التقاط سؤال عن السينما مع ضيف حلقة ‘أحلى مسا’ الأخيرة الفنان أحمد راتب، فتقلب فيفي عبدو عليها الطاولة، فتأخذ من الفنان راتب نصف جوابه، وتعيد ناصية الحوار إلى حيث تريد هي أن تديره، أي المديح العالي لسياسيي مصر الحاليين، أما غريس الريس في ‘غنيلي ت غنيلك’ فيبدو أن المقدمة الشابة، وبعد موسمين من البرنامج، ارتضت في كثير من الحلقات بمهمة التصفيق والرقص وصب صحون طعام أم إلياس لعلي الديك وضيوفه.

ثقافة الحي الشعبي… الإعلامي

وجود الفنانين علي الديك وفيفي عبدو على كرسي التقديم التلفزيوني يثير سؤالاً إشكالياً مفاده: إن كانت أضواء النجومية تكفي لتملأ كرسي المقدم، فهل تكفي لتدير حواراً جيداً؟
ذلك لا يكفي حتماً، فسر الحوار الناجح بالغالب، تقف خلفه ثقافة من يديره، فأي ثقافة تلك التي يحملها الفنانين علي الديك وفيفي عبدو وهشام عباس وآخرون.. تكفيهم لإدارة حواراتهم الفنية؟
بلا شك أن لهؤلاء النجوم باعا طويلا من الفن وبالتالي هم خبروا دهاليزه، لكن الثقافة التي نعنيها لا تقتصر فقط على معرفة الموضوع الذي تناقش فيه وخباياه، وهي أيضاً لا تعني أيضاً مهارات الكتب الأكاديمية وكلام (أولاد المدارس) وإنما هي حالة من الوعي والإدراك تبدأ من معرفة شاملة بنوعية المادة التي يدار حولها الحوار، مروراً بكيفية إدارة هذا الحوار لسحب أكبر قدر من المعلومات من الضيف وتقديمه بصورة مثالية بالوقت ذاته، وصولاً إلى وعي الغاية من الحوار والرسائل التي نريد إيصالها عبره.
ووفقاً لما تعنيه هذه الثقافة يبدو أن طبيعة البرنامج التلفزيوني تفرض طبيعة الصفات التي يجب أن يتحلى بها المقدم، وبالتالي يبدو أن برنامج ‘غنيلي ت تغنيك’ المشغول بالغناء وتقديم ألوانه الشعبية ومقاربة الأجواء الريفية ببساطتها وعفوية الحياة فيها، تتناسب واختيار الفنان علي الديك لتقديمه، لما يتمتع به هذا الأخير من عفوية وبساطة تتناسب وبساطة كثير من ضيوفه، وهو ابن الأغنية الشعبية وابن الضيعة، وحول هذين الأمرين تمضي دقائق برنامجه دون أن تخرج عنهما…الأمر الذي يعني أن معدي برنامجه، رسموا له سكة تتناسب وثقافته وإمكانياته لا يحيد عنها.
لكن السؤال يبرز عن ثقافة فيفي عبدو لتقدم برنامجا بصيغة اجتماعية فنية… أي معارف، غير الحياتية التي نملكها نحن جميعاً، تؤهلها لمناقشة مقترح بإنشاء وزارة للحب في حلقة يوم الأحد الفائت من برنامجها.. ألا يقتضي التطرق لقضايا اجتماعية تلفزيونية التقدم خطوة عن معارفنا الحياتية لنستطيع إفادة الناس… حتى أنني لا أذكر أن النجمة المصرية سبق وأدت دور اختصاصية اجتماعية أو استاذة جامعية في واحد من مسلسلاتها أو أفلامها لأفترض، توهماً، بأنها نالت شيئاً من معارف هؤلاء بملاحقتها تفاصيل دورها… والأمر ذاته ينطبق على هشام عباس في البرنامج ذاته، ومثله يصح الحديث عن الكثيرين.. لا ننتقص هنا من قيمة أحد، ولكننا نطالب بأن يجلس كل منهم بالمكان الذي يحعله أكثر إفادة لنا ما دام اختار أن يكون في موقع المفيد.

من يحاور من؟

بالمناسبة لا يُغيّب النجوم من يشاركهم من إعلاميين في تقديم برامجهم وحسب، وإنما هم يغيبون ضيوفهم أيضاً، ولكن في ‘صولا’ خير مثال، حيث تسأل أصالة ضيفها وعنهم أحياناً تجيب.. وتدعوهم للغناء وعنهم أحياناً تغني، حتى يكاد يفقد المرء تريكزه فلا يعرف من يحاور من؟
بالطبع تجري تلك الطريقة من الحوار الضبابي تحت عنوان حوار عفوي أقرب إلى دردشة الأصدقاء، هذا العنوان بالمناسبة لم يطح بمهمة الإعداد التلفزيوني وحسب، بل واطاح بكل ما يمكن أن يسمى برامج ‘توك شو’، لتصير بامتياز برامج ‘ثرثرة شو’…’صولا’ مثالاً فقط، وليس الوحيد.

* ناقد فني سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية