الألم وذاكرة الألم
الياس خوريالألم وذاكرة الألملم يعد الخامس عشر من ايار يشبه الذكري، وفي هذا الكثير من الألم، لا لأنني احب الذكريات، بل لأن الواقع يفرض علينا ما يشبه اللعنة القدرية. بحيث لا نتذكر النكبة بل نعيشها في الحاضر، لأنها حدث مستمر ومتواصل منذ ثمانية وخمسين عاماً.صنعت النكبة انماط حياتها في المنافي التي تأسست بعد عام 1948، صارت المخيمات وبلاد الهجرة، تجسيدا لذاكرة الألم. وصار النضال الفلسطيني، وخصوصا في المراحل المختلفة قبل تأسيس السلطة الوطنية، طريقا للخروج من هذه الذاكرة.غير اننا اليوم، وبعد ستة اعوام علي اندلاع انتفاضة الأقصي، نجد انفسنا في قلب الألم. لا لأننا نتذكر الكارثة الوطنية التي جرت عام 48، بل لأن الشعب الفلسطيني يعيش الآن، استمرار النكبة. لا يتذكرون الألم لأنهم يعيشون، كأن الاسرائيليين لا يريدون السماح لضحاياهم بحيز للتذكر، بل يفرضون عليهم ان يعيشوا في زمن ملتبس يجتمع فيه الماضي بالحاضر.تبني الشعوب صروح الذاكرة بعدما تكون قد طوت صفحة الكارثة. لكن الكارثة الفلسطينية لم تنته فصولها. يعيشها الناس بموتهم وقهرهم وعذاباتهم اليومية. النكبة تبني فصولها الجديدة الآن، لذا تبدو عناية الفلسطينيين بذاكرة نكبتهم اشبه بكابوس مزدوج. الماضي لم يمضِ، الآن، وانا اكتب هذه الكلمات، يقوم الجيش الاسرائيلي باستكمال بناء الجدار، وتواصل نقاط التفتيش الاسرائيلية اذلال الفلسطينيين وحشرهم في اقفاص وباندوستانات. الآن، وانت تقرأ/ تقرئين هذا المقال، ترتسم فصول جديدة من النكبة، يقتل طفل، وتهجم فصيلة الكلاب في الجيش الاسرائيلي علي امرأة عجوز وتنهش لحمها.ما العلاقة بين الألم وذاكرة الألم؟من يستطيع ان يرسم خطا فاصلا بينهما؟الجواب الفلسطيني علي هذين السؤالين مؤجل، لأن الجيش الاسرائيلي نجح في تصوير مقاومة الاحتلال وكأنها جزء من حرب 1948. شارون جاء الي السلطة تحت هذا الشعار. التهويمات الحربية لسفاح صبرا وشاتيلا فرضت ايقاعها علي المجتمع الاسرائيلي، الذي اندفع خلف الآلة العسكرية الاسرائيلية بهدف منع فصل النكبة عن ذاكرتها. القيادة السياسية الفلسطينية كانت تسعي الي بناء دولة صغيرة في الضفة وغزة. غير ان الاصرار الاسرائيلي علي وأد هذا الاحتمال، وتحويل دولة اللاجئين التي سعت منظمة التحرير الي انشائها حلما مستحيلا. اقصي ما يمكن للفلسطينيين ان يحلموا به هو وطينات معزولة (بحسب تعبير ابراهيم ابو لغد) عن بعضها البعض، شرط ان تتحول سلطتهم شرطة لحماية الاحتلال.لذا عادت النكبة كأن الزمن لم يمر.السلطة الاسرائيلية لا تريد الزمن الا اداة للتطهير العرقي السياسي ضد سكان البلاد الأصليين. لذا عاد الفلسطينيون الي نكبتهم التي لم تكن قد تحولت بعد الي ذكري. عليهم الآن ان يعيشوا الذكري. لم يعد الطفل في حاجة الي جدته او جده كي يروي له ماذا جري منذ نصف قرن. ما جري في الأمس يجري الآن، وما كان يكون. طعم الموت نفسه، والخوف نفسه، والحصار نفسه.اين مكان الذاكرة اذا؟يعود الناس الي ذاكرتهم الجماعية كي يتعلموا من دروس الماضي وسائل لمواجهة ظروف جديدة. اما حين نكون امام الدرس نفسه، وامام الخطاب نفسه، وامام الممارسة نفسها، فماذا نتعلم؟ ومن يعلم من؟في هذه الرقصة الدموية التي لا تنتهي، تريد اسرائيل منع الفلسطينيين من بناء ذاكرة نكبتهم، لأن النكبة لا تتوقف.اليس غريبا ان تقوم الدولة التي بنت نفسها في وصفها صرحا لذاكرة الكارثة اليهودية بمنع ضحاياها من التذكر؟الفلسطيني لا يجد متسعا من الوقت كي يتذكر الماضي، لأنه يعيش فيه، ولأن الجلاد لا يشبع ولا يرتوي. يريده اليوم مثلما اراده منذ ثمانية وخمسين عاما، وهو يتصرف كأن دولته الاسرائيلية، رغم جيوشها الجرارة وقنابلها النووية لم تتأسس بعد، او هي في طور التأسيس.هل يعرف الاسرائيليون انهم بمنع الفلسطينيين من ان يمتلكوا الحق في ذاكرتهم، يعرضون وجودهم كله للمساءلة؟ هل يعرفون ان لعبة تحويل النكبة الي حياة يومية مستمرة لا تعني سوي ان هذا الجرح سيبقي مفتوحا، وان الضحية الفلسطينية سوف تكتشف وسائل الدفاع عن نفسها.الفلسطينيون يموتون كل يوم. الشهداء الجدد ينضمون الي مائدة الشهداء القدماء. كأن مائدة النكبة تتسع للماضي والحاضر والمستقبل.الألم لا ينفصل عن ذاكرة الألم.هذه هي الحكاية الفلسطينية التي رواها لنا غسان كنفاني.عندما عاد سعيد س. بطل رواية عائد الي حيفا الي بيته الذي طرد منه عام 48، اكتشف ان المسألة لا يمكن تسويتها إلا عبر حرب جديدة.واليوم نكتشف ونحن نتذكر النكبة، ان الحرب لم تستطع تسوية المسألة، لأن المنتصر الاسرائيلي لا يريد اي تسوية الا عبر شطب الآخر الفلسطيني في شكل شبه كامل.المسألة تحتاج ما هو ابعد من الحرب، واكثر عمقا من القتل، تحتاج الي حكمة فقدها المنتصر لأنه سكر بالدم.النكبة مستمرة، وليست ذاكرة.الألم اقسي من ذاكرة الألم، فكيف اذا اجتمعا؟0