استعادة الذاكرة المنسيّة: مغامرة السرد التاريخي في رواية «الحرّاني»

حجم الخط
0

صدر حديثا عن دار نجيب الريس رواية «الحرّاني» للكاتب خلف علي الخلف الذي عرف بمشاريعه الصحافية والأدبية وأبرزها، إعادة إحياء التراث السومري الحرّاني، وهذه روايته الأولى وتقع في 432 صفحة.
تتحدث الرواية عن مدينة حرّان، التي تقع في أعلى الجزيرة السورية، وهي اليوم صارت جزءا من الأراضي التركية، ولكن مجريات الأحداث تشير إلى تبعيتها التاريخية إلى الرقة، الخليفة المأمون يفتتح الرواية بزيارة لها، وهو في طريقه إلى قتال البيزنطيين قبل وفاته في طرسوس، ويتعرف على مذهب الحرانيين وعلاقتهم بالإسلام والأديان الأخرى، وتجري مناظرة متعددة الأطراف أمام الخليفة، الذي يؤجل البت بأمر الكسدانيين الحرانيين، ريثما يعود إلى دار الخلافة.
تبدأ الرواية بمشاهد تصويرية تستقصي صور المدينة، وطريقة العيش وطرق التفاهم بين الأديان والمذاهب، وتركّز على إصرار الحرانيين على البقاء على مذهبهم، الذي يمزج علوم السماء مع الفلسفة اليونانية مع العقائد الشرقية السومرية، وتكتسب منهم دربة متابعة النجوم ورصدها حتى تصبح جوهر العقيدة الحرانية.
تركز الرواية على شخصية ثابت بن قرة المترجم والفيلسوف والمعلم، الذي بدأ مشواره من حران متفوقا، ومرّ بالرقة وأسس فيها مدرسة رائدة للعلوم، وعاد إلى حرّان بعد وفاة والده، ليترأس قومه، ولكن مرونة التفكير التي يمتلكها ثابت لا تتناسب مع تصلب قومه وحرفية إيمانهم، الذي لا يتماشى مع تطور العلوم والتفكير، ما يبرهن على أن العلم لا يمكن مصادرته واحتكاره لصالح دين أو مذهب.
برزت شخصية الحزين اليوناني، الذي يصل إلى حرّان وهو في خضم الشك وتزعزع إيمانه المسيحي، وهجرته للكنيسة التي كان كاهنا فيها، ويلتقي الزهرة معلمة الفلسفة في مدرسة معبد القمر الحرّاني، ولكن الرواية لا تبين لنا سبب اختفائهما المفاجئ، وغير المبرر، من الرواية التي أعطياها حيوية التوقع ببداية قصة حب تتمازج مع قصة المعرفة والمغامرة.
تتحدث الرواية عن الرحلة الطويلة التي قطعها الحزين حتى وصل إلى حرّان، وكان قد تعاون مع الأندلسيين الذين غزو جزيرته وأنقذ الجزيرة من حرب طويلة، ولكنه يتبع شكه، ويرحل باحثا عن اليقين، ويصل إلى أثينا ويحب متسولة نصف مجنونة، ولكنها تخبئ قصة حب قديمة في جنبات قلبها، وتستعرض لنا الرواية تفاصيل كثيرة عن أثينا والقسطنطينية وكذلك تعرض شطرا من تاريخ الإسكندرية التي يمر بها الأندلسيون المطرودون من ديارهم ودخولهم في صراعاتها الداخلية، حتى وصولهم إلى جزيرة كريت وانتزاع جزء منها بحد السيف.
يحب ثابت فتاة يونانية الأصل تدرس معه في حران، ولكنه يتزوج وردة قريبته بسبب انتسابها لدينه، وولعها بالموسيقى الذي يتلاشى بعد الزواج، حيث تصبح وردة مجرد أم، يفشل في هجرانها عندما يرحل وحيدا إلى الرقة. ويرحل كذلك إلى قرية كفرتوثة، ويحب تلميذته نيرا، ولكنه يهجرها أيضا من أجل الرحيل إلى بغداد، إذ يأخذه أحد أعوان الخليفة العباسي ليكون مترجما وعالما في بغداد، وكان الخليفة قد طلبه بالاسم لشيوع ذكر مؤلفاته التي كتبها في حران والرقة.
تأخذ الرحلة بين كفرتوثة وبغداد نمطا جغرافيا، وتستعيد طريقة ابن بطوطة والرحالة القدماء في وصف المدن والقرى، حتى الوصول إلى بغداد الذي لا تواكبه الرواية، بل تقفز الأحداث حتى تخبرنا وصيته لابنه بعد موته مقدار أهميته في بغداد ومعرفته برجال السلطة والعلم، وينير الدرب لابنه الثاني بعد علمنا أن ابنه الأول إبراهيم قد توفي بطريقة لا تدخل الرواية في تفصيلها.
تستعرض الرواية علاقة الحرانيين الأحناف بالدين الإسلامي، أو الصابئة، وبفيثاغورث، والفلسفة اليونانية، وخلطهم بين العلوم والتنجيم، الذي اختلط في عقل فيثاغورث، وكان قد سكن في حرّان ونهل من علوم الحرانيين التي تمزج الحضارات القديمة مع الحضارة الفارسية والحضارة اليونانية. ويدخل السرد في تفاصيل علمية ونقاشات فلسفية صارت من تاريخ الفلسفة.
تعتبر الرواية امتدادا لمشروع كتاب «الحرانيون السومريون» الذي أصدره الروائي بشكل مشترك مع الكاتب قصي مسلط الهويدي، وقد تم إهداء الرواية له، كنوع من العرفان بالجميل، فالكثير من المعلومات مستقاة من الكتاب، الذي كان مشروعا تاريخيا وفلسفيا، يلتقط مرحلة مهمة من تاريخ الجزيرة السورية وعلاقتها بالعلوم والشعوب القديمة، خاصة السومريين، ومكتبة الرها، والعلاقة مع الزراعة والنجوم والكواكب، حيث أورد الكاتب في نهاية الرواية حوالي مئة عنوان للمراجع التي اعتمد عليها.
قدم الكاتب عملا روائيا تاريخيا، يسلط فيه الضوء على علم من أعلام العلوم والترجمة في المرحلة العباسية، وبيّن أثر هذا المكان في الثقافة، خاصة أن الحرّاني ثابت بن قرة لم يكن هو الوحيد من نوابغ الجزيرة السورية، إذ كان منهم البتاني الفلكي المشهور، الذي كانت بقايا مرصده شرق الرقة، وقامت بلدية الرقة بإقامة تمثال له في دوار قرب المصرف الزراعي خارج سور الرقة. وقد رصدت الرواية الكثير من التفاصيل في اللباس والطعام والعادات، مما تبقى في الجزيرة السورية إلى اليوم من أثر الحرانيين.
التفاتة الكاتب للسيرة التاريخية فيها الكثير من بعد الرؤية والخروج عن التكرار الروائي الذي صار يستهلك الأفكار نفسها والأساليب نفسها، خاصة في الرواية السورية، التي امتهنت خلال عقود فكرة التظلم والبطل الأيديولوجي، الذي لا يشق له غبار، ولكن في الشعارات وليس في المشاعر العميقة، ولا في الأفكار المبتكرة.
طغت على الرواية المشهدية المباشرة إلى حد أنها بدت رواية تعليمية في بعض فصولها، ولم تتطور الشخصيات باستثناء الحرّاني ثابت بن قرة، إذ فقدنا حيوية الأب قرة، التي كانت شخصية مقنعة، وفقدنا حيوية شخصية الحزين، التي كانت شخصية روائية مبتكرة، وشخصية الزهرة كانت تعطي للرواية بعدا أنثويا ومعرفيا وازنا، ولم نعد نعرف عن طالبة الموسيقى نيرا، التي أحبها ثابت، ولا عن زوجته وردة، التي اختفت أخبارها في الرواية على شكل قطيعة تكررت مع عدد من الشخصيات التي أحببناها واشتقنا إلى معرفة أخبارها وتطور مشاعرها التي جاء سيل النقاشات والتواريخ والتفاصيل الفلسفية وتفاصيل المكان المشهدية بديلا عنها.
من أجواء الرواية: (ولد ثابت في عيد تجدد الزمان عند الحرانيين، يوم بلوغ الشمس أقصى القوس ودخولها أول برج الجدي، حين يتناهى طول الليل، ويقصر النهار. سبقته أيام عاصفة حيث اشتد البرد، وعصفت الريح، وتساقطت أوراق الأشجار، وحبست الأنعام في حظائرها، وأوت وحوش البر إلى كهوف الجبال من شدة القر).
(حين بلغت نيرا، تلميذتي، ومددت يدي لأصافحها، تلعثمت يدها، وكانت بالأمس فصيحة على الأوتار والريشة، تنطق بها الأنغام والأوزان كلمات. مسحت دموعها بكفها، ثم ناولتني يدها مبللة بالحزن، ساكنة لا تنبس بشيء، لكن عينيها قالتا ما عجز عنه اللسان).
انتهت رواية الحرّاني في سنة 902 في بغداد، بعد أن بدأت في سنة 833 في حرّان، وكتبت بلغة تناسب المرحلة التاريخية، خاصة مقدمة الرواية التي تلبست التراث بشكل بارع، وأضاءت تاريخ منطقة منسية من البلاد السورية، ومزجت الإرث الإسلامي بالإرث الفلسفي والتاريخي، الذي كانت منطقة الجزيرة السورية مسرحا له.
رواية «الحرّاني» للكاتب خلف علي الخلف، تعيد للسرد التاريخي مكانته وتبعد الحس العدمي عن التراث، الذي ساد عند البعض من الحداثويين والماركسيين. وفي المقابل شخصياتها لا تقبل كل ما في التراث، ولا تعتبره فريدا دائما، فالحرّاني ثابت بن قرة ترك أهله من أجل الدفاع عن الحقيقة والخروج عن الزيف الذي حاول بعض أهل ملته جره إليه.

كاتب وقاص سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية