إقالة البطريرك: اختبار للكنيسة الأرثوذكسية في سوريا

حجم الخط
0

تمكنت الثورة السورية من تحقيق إنجاز تاريخي تجاوز التوقعات، حيث نجحت في إسقاط نظام اعتُبر لعقود منيعا، رغم كل التحديات والرهانات على فشلها. هذا النجاح عزز لدى السوريين الإيمان بقدرتهم على تحقيق ما بدا مستحيلًا، إلا أن هذا الشعور أفسح المجال أمام بعض الدعوات المثيرة للجدل، التي تفتقر في بعض الأحيان إلى الواقعية السياسية، مثل مطالبات بضم لبنان إلى سوريا، كتلك التي جاءت على لسان الحقوقي هيثم المالح، أو دعوات أخرى لعزل بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق.
وبدلا من استثمار هذه اللحظة التاريخية في سوريا الجديدة لتعزيز الوحدة وبناء شراكات استراتيجية تعود بالنفع على الجميع، فإن هناك خشية من تسبب هذه الطروحات في إحداث حالة من النفور السياسي وتعميق الانقسامات الدينية والاجتماعية، ما يعرقل تحقيق الأهداف المشتركة التي تصب في المصلحة العامة للشعب السوري ومستقبل المنطقة.

البطريرك يوحنا العاشر يازجي على نقيض تام مع ما يسمى المحور الروسي داخل الكنائس الأرثوذكسية، رغم أنه ورث إرثا معقدا من التنافس التاريخي بين روسيا وبطريركية القسطنطينية المسكونية (تركيا واليونان).

وفي سياق الدعوات المتكررة لإقالة البطريرك يوحنا العاشر يازجي، التي تبدو غير واقعية وغير منطقية، خاصة في ظل التقاليد الراسخة للكنائس الأرثوذكسية القديمة، حيث لا يمكن عزل بطريرك إلا بقرار من المجمع المقدس، وبحجج قوية تستند إلى القوانين الكنسية. العلاقة بين البطريرك والبطريركية تشبه إلى حد بعيد الزواج المسيحي، الذي لا يعرف الانفصال إلا في حالات نادرة وقاهرة. ومع ذلك، هناك محاولات متزايدة للنيل من يوحنا العاشر تحت ذرائع لا تعكس الواقع أو التحديات الحقيقية التي تواجه الكنيسة الأنطاكية.

المنافسات الأرثوذكسية

البطريرك يوحنا العاشر يازجي على نقيض تام مع ما يسمى المحور الروسي داخل الكنائس الأرثوذكسية، رغم أنه ورث إرثا معقدا من التنافس التاريخي بين روسيا وبطريركية القسطنطينية المسكونية (تركيا واليونان). هذا الصراع، الذي يعود إلى سقوط القسطنطينية عام 1453، عندما أصبحت روسيا ترى نفسها وريثة للإمبراطورية البيزنطية، تعاظم بشكل ملحوظ مع استقلال اليونان في القرن التاسع عشر نتيجة تدهور العلاقات بين بطريركية القسطنطينية والدولة العثمانية. نتيجة لذلك، استطاعت روسيا بسط نفوذها على الكنائس الأرثوذكسية داخل السلطنة، بما في ذلك بطريركية أنطاكيا، عبر تقديم الدعم المالي والسياسي والتعليمي. وبقي الأثر الروسي حاضرا حتى في فترة الاتحاد السوفييتي، الذي حارب الكنيسة في موسكو، لدرجة دفعت إحدى كنائس لبنان الأرثوذكسية لقرع جرسها عندما توفي ستالين. ومع مرور الوقت، تعمّقت هذه المنافسة، خصوصا بعد اعتراف كنيسة القسطنطينية باستقلال الكنيسة الأوكرانية عن بطريركية موسكو، ما دفع روسيا إلى قطع الشراكة مع القسطنطينية وبطريركية الإسكندرية للروم الأرثوذكس. حاولت موسكو الضغط على يوحنا العاشر للانضمام إلى هذه القطيعة، وبلغت هذه المحاولات ذروتها خلال زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى دمشق، حيث طلب بوتين شخصيا من يازجي قطع الشراكة مع القسطنطينية. ورغم هذا الضغط الكبير، رفض يازجي ذلك، مفضلا الحفاظ على علاقاته العميقة مع المحور الأرثوذكسي اليوناني، الذي يشمل بطريركية القسطنطينية والإسكندرية، بطريركية القدس، ومطرانية اليونان. زيارة مطران اليونان إلى دمشق مؤخرا أكدت هذا التحالف، وأظهرت تمسك أنطاكيا بهويتها البيزنطية ومقاومتها لمحاولات الهيمنة الروسية.

البطريرك يازجي وسوريا الجديدة

سوريا اليوم، التي تسعى للخروج من سنوات طويلة من الحرب والدمار، بحاجة إلى شخصيات تمتلك شبكة علاقات دولية قوية وقدرة على بناء الجسور. يوحنا العاشر يازجي يجسد هذه الصفات بفضل علاقاته الراسخة مع اليونان وقبرص، إضافة إلى وجود أكثر من 350 كنيسة تتبع لمطرانية أنطاكيا للروم الأرثوذكس في الولايات المتحدة، والمئات في أمريكا اللاتينية وأوروبا والدول العربية. هذه الشبكة العالمية توفر إمكانيات هائلة يمكن تسخيرها لخدمة «سوريا الجديدة»، سواء من خلال تعزيز الحوار بين الطوائف، أو عبر دعم الجهود الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية لإعادة بناء البلاد. العرف القديم في سوريا كان يقوم على علاقة ثنائية بين العاصمة دمشق وبطريرك الروم الأرثوذكس، الذي طالما اعتُبر ممثلا عن جميع الطوائف المسيحية. اليوم، يوحنا العاشر يلعب دورا مشابها، ليس فقط كرأس للكنيسة الأنطاكية، ولكن أيضا كممثل معتمد من البطريركيات الشقيقة، بما في ذلك السريان الأرثوذكس والملكية الكاثوليكية. هذا الدور يعزز مكانته كمحور حيوي داخل سوريا وخارجها، ويمكّنه من تقديم الكنيسة الأنطاكية كجسر للحوار والتعاون بين مختلف الطوائف والأطراف.

السياسة والكنيسة

رغم الضغوط التي مورست عليه، أظهر يوحنا العاشر استقلالية واضحة. في ظهور تلفزيوني على قناة عراقية معارضة لإيران قبل أكثر من عام ونصف العام، أدان البطريرك تدخلات الحشد الشعبي في العراق بشكل علني، في موقف تعارض مع السياسة الإيرانية. هذا التصريح أثبت أنه لا يخضع لأي محور سياسي، بل يضع مصلحة الكنيسة ورعيته فوق كل اعتبار، ورغم اتهامه بالانحياز للنظام السوري، فإن الواقع أكثر تعقيدا. كغيره من القادة الدينيين في سوريا، كان على يازجي اتخاذ مواقف حذرة لتجنب تهديدات مباشرة ضد رعيته، بما في ذلك تفجير الكنائس واستهداف المجتمع المسيحي. ومع ذلك، استطاع الحفاظ على استقلالية كافية، تمكنه من لعب دور حيوي في حماية الكنيسة والقيام بدوره كممثل حقيقي لمجتمعه. حتى إنه قام بإقالة المطران جوزيف زحلاوي ككبير أساقفة الروم الأنطاكيين في أمريكا، رغم علاقة الأخير القوية جدا بروسيا وبالنظام السوري، كما أشار الكثيرون داخل الكنيسة.

صراعات وأدوار

الدعوات لإقالة يوحنا العاشر هي في الأساس انعكاس لصراعات سياسية ودينية، وليست مبنية على تقييم موضوعي لأدائه أو مكانته. في ظل الظروف الحالية، يوحنا العاشر ليس فقط بطريركا لأنطاكيا، بل هو زعيم روحي ودبلوماسي يتمتع بشبكة علاقات دولية معقدة وقادرة على إفادة سوريا في مرحلة إعادة البناء. مكانته في العالم الأرثوذكسي، وحنكته في إدارة التوازنات بين المحاور المختلفة، تجعل منه شخصية محورية قادرة على تحويل التحديات إلى فرص، وتعزيز دور البلاد في شبكة العلاقات الدولية المعقدة.
كاتب سوري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية