يعيشُ الحزب الإسلامي العراقي، لحظةَ أفولٍ في نجمهِ السياسي منذ تشكيل الخريطة السياسية السنية قبيل وبعيد عراق ما بعد تنظيم الدولة. رصيدهُ الجماهيري السابق، كان يتغذى من جغرافيا المناطق المنكوبة، التي عاشت ومازالت تعيشُ ضياعاً وجودياً، وآمالاً حياتية مسحوقة، جعلت الحزب أحد صنّاع تراجيديا المثلث السني في العراق. ابتلع الحزب طيلة العقد الماضي، أغلب المناصب التنفيذية في المناطق المناوئة لحكم بغداد الشيعي، مستغـلاً بذلك الفراغ السياسي فيها. سقطة الحزب تكمنُ في عدم بنائهِ سلطةٍ عميقةٍ له في مواطئ قبضتهِ الحاكمة على عكس نظرائهِ في النسخة الشيعية الآخذين بالتوسع والتمدّد والعمل على إفرازِ كياناتٍ تناهضهم في العلن، وفي ساعة الحسم السلطوي ترفع لهم الراية البيضاء.
الزعامات القومية
تخبطات الإخوان المسلمين في العراق لا حصرَ لها ولا عـدة، ابتداءً من الهرمية التنظيمية التي تشهدُ اصطراعاً حقيقياً بين حرس إياد السامرائي القديـم، وتيار الشبيبة الطليعية، ممثلاً بصهيب الراوي وسليم الجبوري الذي لم يتمكن الأمين العام من إزاحته عن دائرة التنافس، إلا في الجولة الثالثة من الانتخابات الحزبية لعام 2016. لتتواصل إخفاقات الشباب في المؤتمر الحزبي الأخير عام 2019 الذي ظفرَ بأمانتهِ العامة الإخواني المخضرم رشيد العزاوي. ولا تنتهي تخبطاتهم عند ملف العلاقات الدولية الذي لم يُحسنوا إدارتهِ منذ أيام صعود رفاق التنظيم الدولي إلى منصات الحكم في مصر وتونس وقبلهما تركيا. كما لم يفلحوا في هندسة جسور التواصل بين مصر (الإخوانية) ودول الخليج المتوجّسة خيفةً من نوايا أبناء حسن البنا التوسعية في المنطقة حينذاك.
وفي خضم سنوات التغيير، لم يستطع «إخوان العراق» من كسرِ أطواق الزعامات القومية للمكون السني المعروف بنزعتهِ المدنية في ظل ثقافة الدولة التي تغذى عليها منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 ولغاية تداعيها في انعطافة نيسان- إبريل 2003.
فقد توالت هزائمهم التي بدأت مع خميس الخنجر (أبرز صانعي المناخ السياسي السني في البلاد) الذي تمكن من خلال احتكاره لدعم الخليج المالي والسياسي من تكوين ماكناتٍ كتلوية تمكنت في انتخابات العام 2010، من الإطاحة بكتلة الحزب الإسلامي (الكتلة السنية الأكبر في البرلمان وقتئذ) إلى كتلة نيابية خرجت من تلك الانتخابات بسبعة مقاعد لا غير، ما جعلها تنضوي تحت يافطة العلمنة السنية بزعامة الخنجر نفسه، إلى سقوطهم المدوي أمام الزعامات السياسية الناشئة في مناطق غرب العراق، أمثال الحلبوسي والكربولي والجبوري (أبومازن). في نتائج انتخابات 2018.
ضياع الرؤية
أما على صعيد الموصل والجبهة الشمالية، فقد خرجَ استثمارهم السياسي خالي الوفاض، على الرغم من أن سلطة الإخوان التركية كانت على مقربةٍ منهم، إلا أن دعمها أنصبَ إلى الأخوين (نجيفي) وهذا مؤشر إجادة يُحسب لخط (النجيفي) في كسرهِ لأواصر العلاقة العقائدية بين أخوان تركيا والعراق، لصالحِ تياره السياسي. إذن مستقبل الحزب الإسلامي يفقـدُ البوصلة تماماً، فضلاً عن مواقفهِ التي يسودها الغموض والتشتت وضياع الرؤية. حيث بات اليوم بمقاعدهِ النيابية الخمسة ينضوي تحت يافطة كتلتين شيعيتين هما (تحالف الفتح) و(تحالف النصر). بيـدَّ أنهُ الممثل الرسمي للطائفية السياسية عن سُنة العراق.
أكاديمي عراقي