أوكرانيا وجها لوجه مع الخديعة الكبرى

بكل المقاييس أخطأت أوكرانيا في العشرين سنة الأخيرة في قراءتها السياسية للصراع الروسي الأمريكي. فما كان لها أن تنجر للإغراءات الغربية “الديمقراطية الخادعة”. وما كان للقادة الأوكرانيين الوثوق بالوعود الكاذبة. فلقد كان عليهم دراسة التاريخ المعاصر وما حفل به من مكر وخداع يندى له الجبين قصد استخلاص العبر. ولا يعذر السياسي بجهله التاريخ. وتاريخ الغرب حافل بها للأسف.

منظومة الاتحاد الأوروبي

التغرير بأكرانيا بالانضمام إلى منظومة الاتحاد الأوروبي، ومن ثم إلى حلف الناتو من جهة، وتصديق قادة أوكرانيا في العهد الجديد، عهد ما بعد الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي المنحل (وبانحلال انحل معه درعه الحديدي الذي كان يقف بموازاة حلف شمال الأطلسي الغربي كند حقيقي، واسمه آنذاك حلف وارسو) بتصديق أوكرانيا بفكرة ضرورة تفكيكه الباليستي وتسليمه لروسيا بناء على اتفاق روسي أمريكي، مع ضمانات بعدم تعرضها لأي هجوم لا من قبل روسيا ولا من الغرب كان أكبر خديعة تشربها السياسيون الأوكرانيون في حياتهم الحالية.
وها هم الآن أمام فوهة بركان، ناره حامية وقد دخلوا حربا هم الخاسرون فيها بكل المقاييس لاختلال الموازين بين دولة قوامها 14 مليون كلم مربعة، وبقوة سلاح نووي يقدر بـ 6370 متفوقة على الولايات المتحدة نفسها ( 5800 سلاح نووي)، ناهيك عن الفرق الشاسع في السكان: يبلغ عدد سكان أوكرانيا 42 مليون نسمة، بينما تفوق روسيا هذا العدد بـ100 مليون نسمة: أي أن سكان أوكرانيا لا يمثلون سوى العشر من مجموع ساكنة روسيا الاتحادية..فثمة إذن فوارق كبيرة في البنية السكانية والجيش والعتاد والسلاح بين الدولتين..
وهذا ما يدفعنا للحكم على القادة الأوكرانيين أنهم لم يحسنوا قراءة الموقف قراءة حكيمة، بانجرارهم للإغراءات الغربية بالانضمام الى حلف الناتو، وحمايتهم عند الضرورة ، بينما الحقيقة تكشفت على أبشع خديعة عند انطلاق أول رصاصة من بنادق الروس في قلب أوكرانيا فتنصل الغرب عن وعوده بإمدادها بما تحتاجه من عتاد وعدة، ناهيك عن ارسال جيوش حلف الناتو إلى جوار الأوكرانيين على الخندق نفسه..وما كان للأمريكيين أن يعيدوا الكرة مرة أخرى بإرسال جيوشهم بعيدا عن وطنهم وقد خرجوا للتو من جحيم أفغانستان الذي أذاقهم فيه مجاهدو الطالبان السم الزعاف فخرجوا منها فرارا بأنفسهم خروج المنهزم المذل.

المأساة القديمة الحديثة

والدول الغربية ستتحاشى بكل ما أوتي لها من قوة عدم تكرار مأساتها القديمة الحديثة ، مأساة انهزام الجيوش الفرنسية في عمق الأراضي الروسية زمن نابليون بونابارت في عام 1812، وجيوش أودولف هتلر على مشارف ستالينغراد 1942 و1943. تحضر كل هذه الوقائع في ذهن القادة الغربيين “الديمقراطيين” وهم ينظرون إلى الدب الروسي وقد أصبح أكثر استعدادا وقوة وفتكا من ذي قبل، فلا يفضلون ملاقاته وجها لوجه على ساحات المعارك. وهم يعلمون أن لا طاقة لهم به، وليس بالإمكان تعريض “سمعتهم” الانتخابية الديمقراطية وإن كانت على حساب أمة أوكرانية كاملة وهي جزء لا يتجزأ من الأسرة الأوروبية. لا يهم إذا ما فرطوا فيها ، خاصة حين يكون الخصم عنيدا على شاكلة الدب الروسي الذي لا يقوى عليه أحد( باستثناء الأفغان الذين كبدوا الروس خسائر فادحة على عهد زمن الإمبراطورية السوفيتية في ثمانينيات القرن الماضي،و الولايات المتحدة في هذا القرن.. وبشهادة كبار زعماء الغرب نفسه).
أوكرانيا إذن ،تعرضت لأكبر خديعة من لدن قادة الغرب .غرروا بها بزعمهم الوقوف معها ضد الروس. وكان في مقدمة المغررِين جو بايدن نفسه..ونسي زيلنيسكي ، رئيس أوكرانيا الحالي أن ثمة زملاء له في القرن الماضي قد غرر بهم قادة غربيون مثله عندما تخلوا عن دول كانت ضمن حلفهم وهي النمسا وتشيكوسلوفاكيا.
فلقد ضم هتلر أراضيهما بقوة الحديد والنار إلى ألمانيا أمام أنظار هيئة عصبة الأمم والولايات المتحدة وانكلترا وفرنسا ومع ذلك لم تتحرك الجيوش الغربية لنجدتهما، بل على العكس من ذلك كان من بين الذين زكوا هذا الضم “الهتليري” القسري لأرض دولتين مستقلتين، في استفزاز بشع، وطعنة خبيثة لميثاق العصبة، أعني إدوارد دلادييه رئيس وزراء فرنسا، ونيفيل تشامبرلين رئيس وزراء انكلترا اللذين تواجدا بنفسيهما في ميونيخ ليوقعا مع أدولف هتلر على معاهدة ضم النمسا والسوديت من تشيكوسلوفاكيا الى أراضي ألمانيا، في دلالة واضحة للخيانة وخرق لميثاق التضامن، كما هو الحال في الفترة الحالية مع أوكرانيا. فها هو المسكين الرئيس زيلينسكي يستجدي المعونات من هذا الغرب ولا يجدها.
كان على قادة أوكرانيا أن يظلوا على حياد لا ينحازون في صراع الجبابرة والكياسرة ،لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك ، لا إلى الشرق ولا إلى الغرب. وهي الدولة الصغيرة على كل الأصعدة ، كان عليها أن تتخذ من سويسرا أنموذجها حين اختارت الحياد في زمن الحرب العالمية الثانية فنجت بنفسها لما أدركت أن الحرب تتجاوزها، وأن الصراع حين يحتد بين الكبار فعلى الصغار تجنب رحى معاركها حتى لا تصيبها الشرر.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية