أوبرا سالومي: رائعة شترواس الهاربة من مسرحية وايلد

بهاء بن نوار
حجم الخط
0

لم تكد تمضي سنواتٌ قليلةٌ على صدور مسرحية «سالومي» للإيرلنديّ أوسكار وايلد، حتّى تلقّفها الموسيقارُ الألمانيّ ريتشارد شتراوس، وحوّلها إلى أوبرا، أجمع كثيرٌ من المختصّين والمتذوّقين على أنّها أقوى أعماله، وأشدّها تحدّيا، وتطلّبا؛ حيث أنّ توزيعَها الموسيقيّ اتّسم بالفخامة، وتجاوز عددُ عازفي الأوركسترا فيها مئةً وعشرين عازفا، بآلاتٍ كثيرةٍ، شرقيّةٍ وغربيّةٍ، ما شكّل نقطة تفرُّدٍ نادرٍ يمكن توضيحها فيما يأتي:
• التناسب بين المعنى والإيقاع:
وهو ما يمكن تلمّسه من عدّة نواحٍ، يمكن اختصارُها فيما يحفل به الليبريتّو المأخوذ بأمانةٍ عن وايلد من توتّرٍ، وقلقٍ، واستفزازٍ، ينسجم مع الموسيقى، التي تفيض عليه بدفقها، وتركيزها، وطاقتها التعبيريّة العالية، الكفيلة بملء ما تمّ حذفُه أو تحويرُه أو اختزالُه من المرجع الأدبيّ؛ فيبدو التناسب في أقصى طاقاته بين الإيقاع النغميّ وما يتبطّنه من معانٍ دراميّة، ويصل الانسجام بينهما إلى ما يشبه المحاكاة الصوتيّة والأدائيّة؛ فنجد مثلا تداخلا صوتيّا مشتبكا بين كلٍّ من: هيرودس الذي يتوسّل مستعطفا سالومي علّها ترقّ، وترقص له، ويوحنّا، الذي يطلق وعيدَه ولعناته، ممّا يوحي بمدى تشظي النوازع وتفرّقها؛ نوازع الشهوة والانفلات، والرغبة الصمّاء، التي يمثّلها الأول، ونوازع الكدح، والكفاح، والمكابدة، التي يمثّلها الثاني؛ يتعارضان، ويتغالبان، ويتشابكان، ومع ذلك يتزامنان معا، ويتضافران، ويأبى شتراوس إلا أنْ يدمجهما معا، فتختلط نداءات هيرودس بمواعظ يوحنّا، وتحتار أذنا المتلقّي أيّهما تلتقط، وأيّهما تترك، وكلاهما على الدرجة نفسها من القوة والشدّة، وإنْ بدت كفّة الأول راجحةً لحضوره المباشر على المسرح، فإنّ غيابَ جسد الثاني وحضور صوته فقط في أغلب مقاطع العمل كان كفيلا بمنحه سحرا وتأثيرا تفوّق بهما على بقيّة الشخوص. ومثله ما بدا أيضا حين توافق سالومي أخيرا على الرقص، حيث يختلط صوتُها وهي تحاول أن تستوثق من زوج أمِّها، وتطمئنّ إلى أنّه سيحقّق لها كلَّ ما تصبو إليه بصوت يوحنّا، يواصل الصراخَ من سجنه، وهو لا يعلم ما يُدبَّر له، ويُضاف إليهما صوتُ هيروديا تصرخ أيضا محتجّةً، محاولةً منعَ ابنتها من الرقص، ممّا يضاعف معاني التوتّر الدراميّ، وقد اندمجت التناقضاتُ كلّها في فسحةٍ تعبيريّةٍ واحدة.
• تلوّن نبرات الصوت:
هنا تتنوّع طبقات الصوت بما يناسب متطلّبات الموقف وتداعياته؛ فنجد على سبيل المثال صوت «سالومي» الرقيق في أغلب المقاطع، يحتدّ فجأةً إلى حدِّ الخشونة كلّما ذكرت اسمَ يوحنّا مطالبةً برأسه، وموحيةً بتلك النبرة الحادّة الخشنة بمدى حقدها، وإصرارها على الانتقام، فيبدو صوتُها حينها مديةً مشحوذةً تهوي بدون رحمةٍ على عنق غريمها، وتحزّه حزّا. ومثله ما نجده من صراخ هيروديا العالي والحادّ وهي تسخر من زوجها الذي يحاول مستميتا إثناءَ ابنتها عن عزمها، بعرض طواويسه البيضاء المئة عليها، فيردّ عليها ناقما، وآمرا بالصمت، وهو ما لم يبدُ في النصّ المسرحيّ بمثل هذا الوضوح، حيث لا يُمنَح الصوتُ الإنسانيُّ طاقتَه التعبيريّة والانفعاليّة كما في الأوبرا.
وإلى جانب هذا، يمكن تأمّل تلك الموسيقى المرعبة، ولحظات الصمت القصيرة التي تباغتنا لدى يأس هيرودس، وجرأته على المقدَّس والممنوع، حين لم يعد لديه ما يعرضه على سالومي سوى حجاب هيكل اليهود، فكان لذلك الصمت القصير الذي تقطعه صرخةٌ مفجوعةٌ مدوّيةٌ من أحد اليهود الخمسة الحاضرين دوره الكبير في الإيماء إلى جسامة الموقف، وفداحة ما يقدم عليه الحاكمُ من جرأةٍ وتهوّر. وهو الدورُ نفسُه الذي يستجلبه الصمتُ الثاني الطويل، حين يخضع هيرودس أخيرا، وينزل الجلادُ ليقتطف رأسَ يوحنّا كما تريد ابنةُ زوجته، حيث يسود صمتٌ غير قصيرٍ، لا يقطعه سوى جلبة شيءٍ يسقط؛ هو سيف الجلاد، وصرخات سالومي الساخطة، المستبطِئة.
ولا يمكن إلا أن تعلق بذهن المتلقّي تلك النغمة الحادّة المرتعشة، المحاكية هبوبَ الريح، وصفيرَها المحتدَّ في ذهن هيرودس، والتي تواجهنا مرّتيْن: الأولى بعيْد تعثّره في جثّة تابعه نارابوت، وتطيّره من دمه المسفوح، والثانية بعيْد موافقة سالومي الصعبة على مطلبه، وانصرافها لتستعدّ لرقصتها الوحشيّة، حيث يهاجمُه صفيرُها، ويكاد ينفجر رأسُه من دويِّ صفيقها، ويغدو إكليلُ الغار على رأسه نارا تلتهم صدغيْه، ولا يخفت سعيرُها إلا حين يلقيه بعيدا. وتوحي هذه النغمة بمعنى إنذاريٍّ، يبدو معه الخطرُ قريبا، متربِّصا، لاحت بوادرُه الأولى لحظة نظرته الشهوانيّة نحو ربيبته، وشروعه في محاولة اجتذابها، وأتبعتها بوادرُه الثانية حين نجح في إقناعها بالرقص، وهو لا يعلم ما يدور حقّا في رأسها من خطط قتلٍ وانتقام.
وأتى تكرار هذه النغمة – إضافةً إلى تكرار نغمةٍ أخرى حادّةٍ جدّا ترافق حضورَ يوحنّا، وتختصر سخطَه وغضبَه – ليوحي بأنّها أحدُ الألحان الدالّة «Leitmotiv» التي عُرف بها شتراوس، وورثها عن فاغنر، غير أنّها لم تكن من الإلحاح والقوّة كما هو حالُ اللحن الدّال الرئيس، الملازم لسالومي، الذي يطالعنا في مواضع كثيرة من العمل، تشترك جميعُها في حدّتها الانفعاليّة، وغليانها الدراميّ؛ فعلى سبيل المثال، نجده بعيْد صراعها العنيف مع يوحنّا، ولعنه لها، فنزوله ساخطا إلى غيّابة سجنه المظلم، حيث تقف الكاميرا طويلا أمام وجهها، وقد عصفت به الانفعالات المتضاربة، من خيبةٍ، وغضبٍ، وحزنٍ، ومرارةٍ، وضغينةٍ، وقد أتى هذا اللحنُ بإيقاعٍ بطيءٍ، ودام أكثر من أربع دقائق، امتزج في بدايتها بلحن يوحنّا، وأدّى دورا سرديّا، اختُصِر من خلاله ذلك التحوّلُ الجوهريُّ في موقف سالومي من يوحنّا، وغلبة وجه الحقد والتملّك فيها على ما سواهما، وهو ما لم يهتمّ وايلد كثيرا بإبرازه، حيث يشغلنا عنها بدخول هيرودس وزوجته، وبقيّة ضيوفه ورجالهم، وانهماكهم في نقاشاتهم العابرة حول جثّة السوريّ الشاب، وحول عبثيّة فعل الانتحار ولا جدواه. ويطالعنا هذا اللحنُ أيضا في أهمِّ مقاطعه طيلة رقصتها التي امتدّت عشر دقائق كاملة، وشغلت فسحةً واسعةً ومفصليّةً، تغيّرت بعدها الأحداثُ، وانقلب مسارُها إلى ذلك الختام الدمويّ العنيف. وما يلفت الانتباهَ في هذا المقام حرصُ شتراوس على وصف وتوضيح تفاصيل هذه الرقصة، عكس وايلد، الذي مرّ بها مرورا سريعا، غير أنّه رغم إقراره الضمنيّ بأهمّيّة عازفي موسيقى هذه الرقصة لم يذكرهم ضمن قائمة شخوص العمل.
وعاد هذا اللحنُ مرّةً ثالثةً، ولكنْ بشكلٍ خاطفٍ وسريعٍ حين تأهّب هيرودس لسماع أمنيتها، فإذا بها تصفعه بطلبها المخيف: رأس يوحنّا في طستٍ فضيٍّ، فيعود ذهنُنا مجدّدا إلى تلك الرقصة، ولا يبدو الحدثُ الراهنُ سوى واحدٍ من تداعياتها المفزعة القادمة، التي ستطالعنا مجدّدا حين تتمكّن أخيرا من تحقيق أمنيتها، وحين تمسك رأسَ غريمها، وتشرع في مناجاته، والتشفّي به، وتقبيله بلوعةٍ وضرامٍ، يحتويهما هذا اللحنُ، ويفيض عليهما بما يوحي به من دفقٍ انفعاليٍّ، وتوتّرٍ عاطفيّ، يحاكيان تدفّق انفعالات سالومي؛ العاشقة المخذولة، وتوتّر عواطفها، التي يتناوس فيها العشقُ والحقدُ بالدرجة نفسها، والتأثير عينه.
• النزوع التجديديّ:
وهنا تبدو جرأة شتراوس في التخلِّي عن بعض تقاليد الأوبرا، وأصولها الفنّيّة المعروفة؛ فلم يولِ اهتماما كبيرا بالافتتاحيّة «Prelude» التي غالبا ما تأتي أوركستراليّة الإيقاع، ومنسجمةً غاية الانسجام مع موضوع العمل، وإشكالاته المفصليّة، فلا يكاد يُرفَع الستارُ، ولا نكاد نبصر الأوركسترا على جري العادة تستعدّ للعزف، حتّى يطالعنا نارابوت يتغنّى بجمال سالومي، ويردّ عليه صديقُه تابع هيروديا متأمّلا غموضَ القمر، ومسقطا عليه قلقَه وهواجسَه.
كما تخلّى عن «الكورس» (Chœur) بكلِّ ما يستجلبه دورُه عادةً من أهمّيّةٍ كبيرةٍ في الفصل بين المشاهد، أو التمهيد لبعض الأحداث، أو التعليق عليها، أو المشاركة في ترجيع بعض المقاطع، فتعلق أكثر في ذاكرة المتلقّي، كما في كثيرٍ من أعمال موتسارت وفيردي وروسّيني وبيزيه وغيرهم، لتطالعنا أصواتٌ مفردةٌ، يعكس كلُّ واحدٍ فيها رؤيةً مناقضةً لمقابله، معاديةً لها، وإن حدث أن اجتمع أكثرُ من صوتٍ معا، فلأجل التداخل، والتشابك، والصراع.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية