سكنت الرقابة الذاتية سريّا كِتابا لطالما استحسنته، لدرجة أنني أنفقت سنوات طويلة من حياتي محاولا محاكاته. يتعلق الأمر برواية ‘بدم بارد’ لترومان كابوت.
في سنة 1960، كان كابوت كاتبا محتفًى به، لكنه كان يشعر باستنفاد جميع وسائله. لذا كان يبحث عن إمكانية يُكذّب بها جملة سكوت فيتجرالد التي تقول إنه لا يوجد فصل ثان في حياة أيّ كاتب أمريكي. طوّر كابوت نظرية ما أسماه الرواية اللاروائية، أي ما يمكننا توصيفه بالرواية التسجيلية، وبحث عن موضوع يتيح له توضيح هذه النظرية. مادة تنتسب عادة إلى الريبورتاج، ويجعل منها عملا فنيا. عثر يوما في صفحات النيويورك تايمز على مقال قصير يروي مقتل عائلة من المزارعين على يد مجهولين في الكانساس. حدّث نفسه: جريمة، أمريكا العميقة، لِم لا؟ رحل إلى الكانساس، واستوطن البلدة التي شهدت الجريمة. قابل الشريف الذي كان مكلّفا بالتحقيق، وشرع بالحديث مع الناس. كابوت الضئيل الحجم بصوته الحاد، وحركاته المجنونة الخادشة. كل هذا كان له الوقع الغريب في نفوس أصحاب الرقاب الحمْر (ساكنة الجنوب الأمريكي). اعتقد الجميع أن كابوت سيكلّ سريعا، لكن لا، لقد توغّل في الموضوع أكثر. وفي غضون بضعة أسابيع تم القبض على القاتلَيْن، فتوجه كابوت صوب السجن للقائهما. من هنا تبدأ القصة المرويّة من جانب كتاب ‘بدم بارد’ وقصة رواية ‘بدم بارد’ بالتفرع والتباعد على نحو فاتن. وابتداءا من هنا أيضا تتموضع حالة الرقابة الذاتية الأكثر فتنة التي عرفتها.
كانت فكرة كابوت تتمثل بأن يدوّن محتذيا بمثال فلوبير، كتابا موضوعيا، وغير شخصي، كتابا حيث الكاتب (كابوت) يقبع في كل الأنحاء، وغير موجود بالمرة في أي موضع. أن يصدّ عن نفسه كتابيا بذاءة الظهور كشخصية روائية أو كسارد. إن جزءا من موضوعه كان يندمج في هذا السياق الجمالي. الاغتيالات، حيوات القتلة والضحايا حتى تقاطع مصائرهم، هروب القتلة حتى لحظة اعتقالهم، كل هذا من الممكن روايته بدون تورط شخصي. انقضت خمس سنوات ما بين لحظة اعتقالهم ولحظة تنفيذ الحكم بالإعدام، وكان من الضروري روايتها أيضا. تمثل الخمس سنوات الربع الأخير من الكتاب، لم يقدر كابوت على التخلص منه إلا بغش مناور، إذ أصبح ــ خلال زياراته للسجن ــ صديق القاتلَيْن ديك وبيري، والشخصية الأكثر أهمية بدون شك في حياتهما كسجينين. جاهد باستماتة أن ينقل يومياتهما، متظاهرا أنه لم يكن معهما. كانت السنتان الأخيرتان رهيبتين. تم الحكم عليهما بالإعدام. ومن التأجيل إلى الاستئناف، واللجوء إلى طلب العفو، كان تنفيذ الحكم بالإعدام مُرجَئا لمدة طويلة. وعد كابوت السجينين أن يعمل كل ما بوسعه لإنقاذ رأسيهما من حبل المشنقة، وتوكيل أهم المحامين للدفاع عنهما. في الواقع، وبرغم التعاطف الحقيقي الذي كان يكنّه كابوت لبيري على الأقل، فإنه كان يعرف أن إعدامهما سيكون الخاتمة الفُضلى والممكنة لكتابه. كان يعي أنه بكتاب ‘بدم بارد’ سينجز تحفة فنية. وأملا في أن يضع النقطة الأخيرة لكتابه، انتهى إلى إشعال الشموع في الكنيسة، لكي يتم أخيرا شنق السجينين. أظن من جهة أن ثمة كتبا قليلة حُرّرت في هكذا ضيق معنوي فظيع. ومن جهة أخرى، فإن الشعور بالذنب الذي استحوذ على كابوت يفسّر في الأقل كيف أن خياره الجمالي المبدئي، والذي يشكل القصة الحقيقية لكتاب ‘بدم بارد’ سينتفي في الرواية.
في النهاية، جرى شنق ديك وبيري، وعاين كابوت مشهد إعدامهما. كان الشخصَ الأخير الذي ودّعه القاتلان قبل الصعود إلى منصة الإعدام. ظهر كتابه حيث يصف هذا المشهد، لكن بدونه (كابوت) بعد بضعة شهور من تنفيذ الحكم بالإعدام، ولاقى نجاحا صاخبا. حاز كابوت كل ما ابتغى: كتابة تحفة أدبية، أن يكون بطل العالم للكُتّاب. كان في حياته إذا فصل ثان متألق طالما نشده، لكن من دون فصل ثالث، ماعدا إذا اعتبرنا هذا الفصل الثالث هو ماعاشه من تدمير ذاتي طويل عن طريق الكحول، ومن تبجح، ومن فائض الخبث الذي ملأ أواخر حياته. حلم كابوت أن يكتب تحفة أدبية أخرى، من المفترض أن تحمل عنوان ‘صلوات مستجابة’، بحسب عبارة للقديسة تيريز دا أفيلا تقول إن ثمة دموعا في السماء للصلوات المقبولة أكثر من تلك التي لا يُستجاب لها. فكرت كثيرا بكابوت طيلة السبع سنوات التي استغرقت كتابي ‘الغريم’. كنت مُلزما بقراءة مقاطع من كتاب ‘بدم بارد’ ثلاث أو أربع مرات في اليوم، وفي كل مرة أصبح أكثر انبهارا بقوة معماره وصفاء نثره البللوري. حاولت مطوّلا محاكاته، أي رواية قصة جان كلود رومان الرهيبة وكأنني جزء منها. وفي النهاية صنعت في روايتي شيئا آخر تماما: التنازل عن غيابي في النص، والكتابة بضمير المتكلم. أعتقد، وبدون مبالغة أن هذا الخيار أنقذ حياتي.
ترجمة: علال بورقية