في الجزء الأوّل من هذه الدراسة المترجَمة عن الفرنسية، توقّفنا عند قراءة آنا ماريا بيانكو لرواية «حيث لا تسقط الأمطار» بوصفها تخييلاً لسيرة أمجد ناصر وتجربته في المنفى والعودة. في هذا الجزء الثاني، نتابع تحليل البنية التخييليّة للرواية عبر عالم «الحامية»، وكيف يعمد الكاتب إلى تفكيك ثلاثية الدين والوطن والملكية، وبناء صورة كاريكاتيرية للحاكم، في توازٍ مع مسار البطل يونس/أدهم بين المنفى واختيار الانتماء، حيث يصبح الفضاء الأدبي إمكانا لهوية أخرى خارج سلطة الدولة وحدودها.
صناعة زعيم صناعة وطن: خطابات الهيمنة والسرود الرسمية
كان الحسين بن طلال، باعتباره فاعلا رئيسيا في الحياة السياسية الشرق أوسطية، خصوصا بتأثير اتفاقية السلام التي أبرمها مع إسرائيل، ملكا مطلقا تمثل أكثر همه في ضمان استقرار واستمرارية حكم الأسرة الهاشمية. وعلى الرغم من دخوله التاريخ باعتباره «أسد الأردن» فإن البورتريه الذي يقدمه أمجد عنه في الرواية ابعد ما يكون عن التقريظ والمديح ويحيل إلى صورة عن العاهل الأردني تختلف كلية عما هو مألوف في السرود الرسمية وتتأسس على السخرية. ويصبو هذا المنزع إلى الاستهزاء بصورة القائد وكل سلالته، ويهدف تحديدا إلى نزع المشروعية عنه بواسطة الركون إلى مجموعة من الصور النمطية الجاهزة الموصولة بصورة الديكتاتور في الأدب العربي، وباستعمال معطيات أسلوبية سوف نأتي على ذكرها في حينه. تتحول الفكاهة في الآن نفسه إلى وسيلة لمقاومة القمع، تنتهي باستعادة البطل لفاعليته الخطابية التي سلبها منه المجتمع الشاذ الذي كان يعيش فيه. وكان تسلطه مصدر إلغاء ثقافي مطرد.
لا يقتصر الأمر على تصغير واحتقار الزعيم، واستعمال النعت الطفولي «الحفيد»، لكنه يوصف أيضا بكونه منعزلا وجبانا كان يخشى خلافا لسابقيه مواجهة شعبه. ولا يغادر مقر إقامته الرئيسي إلا من أجل زيارات تفقدية عادية في البادية، ونادرا ما يسافر إلى خارج البلاد، مفضلا أن ينيب عنه وزيره الأول الذي أرسل إلى جبهة القتال بدافع خوفه من انقلاب عسكري. وهو ما يشكل إحالة بدهية إلى النهاية المؤلمة لوصفي التل في مصر. ويروي خطاب الدعاية أن القائد منشغل جدا بالعمل داخل مكتبه من أجل الأمن والاستقرار الوطنيين. وهي الصورة التي يسعى خطاب الدولة إلى تسويقها والمتمثلة في صورة «الأب القائد» التي تحولت إلى شعار للوطن. ولا يثق يونس الخطاط في إخلاص القائد؛ إذ لا يبدو في مقدوره اتخاذ قرارات بطريقة مستقلة. ويتكلف مستشاروه بإملاء الخطوط العريضة لسياسته. وقد أقنعوه بالأهمية القصوى التي يكتسيها نشر صورته وفرض تاريخ أسلافه في المقررات الدراسية، وإحاطة شخصه بالشعراء الرسميين الذين يتغنون بخصاله ومناقبه.
يمثل فضح هيمنة الديكتاتور على وسائل الإعلام والخطاب العمومي والاستهزاء والسخرية بمحاولات تأليه صورته من لدن أفراد حاشيته مكونين حاضرين باطراد في الأدب العربي المعاصر الملتزم والمتمحور حول صورة الطاغية، والمتمفصل بوصفه إنتاجا تخييليا، يتوخى كسر هيمنة الأنظمة السلطوية، وكشف أساليبها بغرض البقاء في السلطة، ولا تشذ رواية ناصر عن هذا التيار الأدبي؛ إذ أسس لصراع أجيال بين بطل الرواية وأبيه، الذي كان مخلصا للقائد. ويبدو أن الرجل العجوز كان يعتقد في خطاب الدعاية، الذي تروجه الدولة ويكن الإعجاب لصورة الزعيم الزاهد غير المبالي بمظاهر الترف والمتفاني في العمل. ويبدو أنه قد نسي ما كان رواه بنفسه لابنه من أن تأسيس الحامية قد استلزم أن يكون الحكم استشاريا وليس وراثيا، كما حوله الجنرالات لاحقا.. يسلط السرد الضوء على العلاقات بين مملكة الجنرالات وقبايل الحامية حين وصولهم، ويذكر بالأصول الأجنبية للقادة ذوي الشعر الأشقر. ونظام التحالفات الذين أرسوه بغاية ضمان الانسجام داخل هذا المجتمع غير المتجانس. ويجري التذكير ببعض دعائم تقوية السلطة الهاشمية من لدن ناصر من خلال التخييل السردي. ويروي البطل كيف أفلحت السلطة المركزية في حل صراعها مع القوى الإسلامية بواسطة إدماجهم في الحكم على غرار ما فعله بانتهازية الملك حسين، الذي جعل من الإسلاميين قوة المعارضة الوحيدة المرخص لها. وقد رفض يونس الخطاط هذا الاحتمال بتأثير إلحاده المعلن الذي جر عليه حقد بعض رفاقه في التنظيم، الذين كانوا أقل ميلا إلى هذا الشكل المتطرف من التعبير. وقد أسهم عزوف الشابه رولا عن مقاسمته أحلامه الثورية في العدالة الاجتماعية، واصفة إياها بالمثاليات الطفولية في تكثيف مشاعر العزلة والغرابة، التي كان يحسها البطل داخل مجتمعه.
سوف يتحول يونس إلى شخص منبوذ حين يجد نفسه مضطرا إلى مغادرة الوطن، عقب محاولة الاغتيال الفاشلة ضد الزعيم. ويمثل المنفى أقسى العقوبات في بلد مثل الحامية، الذي يغلق الأبواب تماما في وجه الفارين. ويبقى التخلص من الديكتاتور بالنسبة للمناضل الشاب منطلق نظام اجتماعي ووطن جديد. غير أن الإخفاق سوف يدفع به إلى البحث عن أشكال انتماء بديلة تتعالى عن الالتزام السياسي. وكان أن بدأ بتغيير اسمه من يونس إلى أدهم.
المنفى والعودة واختيار الانتماء
يعتبر أدهم من الأسماء الشخصية الأكثر شيوعا، التي تفتقر إلى الدلالة، وقد اختاره يونس بتأثير رغبته في الذوبان في الحشود، ضاق يونس الذي تحول إلى أدهم ذرعا باعتباره بطلا من لدن رفاقه، أو متآمرا من لدن أسرته وباقي المجتمع الأردني. وهو يرغب علاوة على ذلك في بناء مصير بديل لشخصه المضاعف في المنفى، وبناء نفسه من جديد باسم الكتابة الأدبية. كان حصار الألف ليلة الذي عرفته المدينة المطلة على البحر، بعد سنوات من وصوله والمماثل بسهولة لحصار بيروت عام 1982 قد دفعه إلى مغادرتها في اتجاه جزيرة الشمس، حيث فقد آخر اتصالاته برفاقه المناضلين، وحيث تزوج بإحدى فتياتها. وسوف يستقر صحبتها لاحقا في المدينة الرمادية الحمراء، حيث سيصبح صحافيا وكاتبا ويواصل النشر باسمه المستعار.
سوف تتحول كتابته في المنفى لتصبح الفضاء الرمزي بامتياز، حيث يحدث له أن يتحرر من ضغوط الماضي ويؤسس ليس فقط لثورة هوياتية، وإنما جمالية تتوخى القطيعة مع ثوابت القصيدة التقليدية والمحتوى الذي تمليه البلاغة القومية. سوف يتحول الأدب بالنسبة لأدهم إلى فضاء، وجد فيه ذاته إلى حدود اندلاع الوباء الذي سوف يضطره إلى العودة إلى الحامية، ومساءلة مسار حياته. وسوف يقاوم كل محاولات النظام الجديد الذي يبدو أنه أكثر اعتدالا بغرض إدماج شاعر ذي شهرة عالمية في دوائره الرسمية. ويبدو أن عودة أدهم أو يونس كانت أشبه بمنفى جديد. وسوف ينقذه اكتشاف مهم في المحترف القديم لصديق والده الخطاط الذي يحمل اسم ناكوجا أباد من الجنون المتخلق عن شعوره بالخيبة من الواقع الذي يحيط به. وتكثف كلمة صاغها المتصوف السهروردي سنوات طويلة من صراع البطل مع والده وتتمثل في «العدم». كان الأب شديد التدين وكان علاوة على ذلك شغوفا بالتصوف، وأدهم أو يونس الذي كان ملحدا كان في غالب الأوقات على خصام مع والده حول حقيقة وجود عالم آخر. وقد شرع منذ عودته في التنقيب بحماسة في دفاتره ورسوماته، والعثور باطراد على أرشيف يتعلق بالخطاطين العرب. وسينتهي بأن يحيط علما بالنهم كانوا جميعا متمردين على السلطة السياسية وأن أفكار والده لم تكن شديدة الاختلاف.
سوف تعلمه العودة إلى وطنه في النهاية أن يكون شخصا آخر وأن يحافظ على ذاته في آن واحد. وسيردد لنفسه حين ذهابه إلى المقبرة لزيارة والديه الميتين بانه سيشعر بالارتياح وهو يرى دون شعور بالندم اسميه الاثنين منقوشين على شاهدة قبره. وفي تلك اللحظة بالذات راح يسعل سعالا حادا ومثلت لطخات الدم على يدي أدهم أو يونس إنذارا بمصير أسود؛ إذ أحاط علما بإصابته بالوباء، رغم فراره من المدينة الرمادية الحمراء. ثمة إشارة أمل في المستقبل يشتمل عليها المشهد الأخير في الرواية، الذي يمنح في سياقها البطل قطعة نقدية إلى الحارس الذي أعادها إليه على الفور بنظرة اشمئزاز. وكان التفسير جاهزا؛ إذ جرى سك هذه القطعة احتفالا بذكرى تربع الحفيد على العرش الهاشمي. وبدا رفضها من لدن الحارس العجوز أشبه بفعل تمرد أخير، ودليلا على ان مجتمع «الحامية» لم يتكلس بعد بشكل نهائي.
كاتب مغربي