أرادها الشباب ثورة خلاقة وأرادتها رايس فوضى خلاقة: فمن هو الرابح؟

حجم الخط
0

أ. د. علي الهيلظنت إدارة أوباما، وعلى منوال ظنها نسجت إدارات دول الاتحاد الأوروبي، أن الشباب العربي الذي بدأ انتفاضته آليا أو إلكترونيا عن طريق الفيس بوك والتويتر والبلوجنج، أو التدوين، سيدين بالفضل للغرب لأن هذه الوسائل التي يستعملونها هي صناعة غربية أمريكية وأوروبية، وبالتالي سيتبنى الشباب العربي أجندات الغرب.غير أن الشباب العربي خيب ظنهم، وربما نتيجة لهذا الاقتناع أو لهذه القناعة الغربية، بنَت البروفيسورة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، رأيها بأن العالم العربي سيشهد ‘فوضى خلاقة’، بيد أن الشباب العربي في تونس، والشباب المصري الذي استنسخ ثورة تونس في ميدان التحرير بالقاهرة وعلى امتداد كل المدن والقرى المصرية، فاجأ العالم بثورته الخلاقة وليست الفوضى الخلاقة. فما الفرق إذن بين الفوضى الخلاقة، وهو التمني الغربي، والثورة الخلاقة وهو القرار الشبابي العربي؟ وسبب أنهما ثورتان خلاقتان وليستا ‘فوضى خلاقة’، أن الشباب في تونس ومصر أرَيا العالم كله نماذج عملية في الأخلاق التعاملية، ومنها التهذيب والانضباط والمطالبات السلمية من غير أن يطلقوا رصاصة واحدة، أو أن يلجأوا إلى أي صورة أو درجة من العنف، بل على العكس هم أنفسهم تصدوا للعابثين وشكلوا لجانا شعبية لحماية الممتلكات الخاصة والعامة. الفوضى الخلاقة التي راهنت عليها رايس، إن حدثت، فستكون لمصلحة إسرائيل أولا. لأنها ستدخل الشباب العربي في أنفاق من الفوضى تشغلهم ببعضهم البعض عن العدو الصهيوني الذي يتربص بهم الدوائر، كما حدث في رواندا بين الهوتو والتوتسيس في التسعينات، ولذلك كانت ثورة البوعزيزي في تونس والثورة المصرية خلاقتين بكل ما تعني الكلمة. فهي وإن كانت محركاتها الأساسية البطالة والجوع وانعدام الحرية، وليست بصورة مباشرة التصدي لإسرائيل، وإن كان مثل هذا الهدف في حالة كمون في الذهنية التونسية والمصرية الحرة، كما سنوضح لاحقا. فقد أطاحت الثورة التونسية بنظام موالٍ للغرب ولإسرائيل، ويبدو النظام المصري الأكثر موالاة لإسرائيل والغرب، قاب قوسين أو أدنى من السقوط والسقوط المريع حتى كتابة هذه السطور.لا يمكن أن ينسى التونسيون مثلاً كيف منعهم نظام بن علي البائد من التظاهر نصرة لإخوانهم الفلسطينيين، خلال الحرب الصهيونية على غزة نهاية عام 2008 وبداية 2009 بتأثير من اللوبي اليهودي القوي في تونس ومن داخل مؤسسات النظام. ولا يمكن أن ينسوا كذلك كيف تواطأ النظام التونسي مع العدو الصهيوني ضد رغبة شعبه، وسمح للطائرات الإسرائيلية بدخول الأجواء التونسية في الأول من تشرين الأول/أكتوبر عام 1985 وخرق سيادتها الوطنية والوصول إلى منطقة (حمام الشط) وقصف مقر سكن خليل الوزير (أبوجهاد) مهندس مقاومة الحجر الفلسطيني للكيان الصهيوني، التي أفضت بعد ذلك في كانون الأول/ديسمبر عام 1987 إلى اندلاع الانتفاضة الأولى، التي على إثرها تم تأسيس حماس على يد المناضل المقعد الشهيد أحمد ياسين، رحمه الله.ويدرك التونسيون الأحرار أن بلدهم مع أنه في الشمال العربي الافريقي، وفلسطين في آسيا العربية، إلا أن بلدهم ليس بمنأى عن شرور إسرائيل ويدها الطولى تحت أي ذريعة كانت. ويستشعر التونسيون أيضا مدى حرص نظامي بورقيبة وبن علي البائدين على بقاء اليهود التوانسة، خاصة الموالين منهم للكيان الصهيوني، آمنين معززين مكرمين في تونس وبشكل أفضل بكثير من المواطنين التوانسة الآخرين. ولعل ما لحق ببعض السيناغوغات أو الكنائس اليهودية في تونس من اعتداءات ـ وإن كانت محدودة نظراً للحماية الأمنية القصوى من قِبل النظام على مدى العقود الأربعة الماضية، والهجوم الأخير بعد قيام الثورة الشبابية ـ يدل على مدى الاحتقان الذي يشعر به التوانسة بشكل عام إزاء الوجود اليهودي في تونس، الذي على – خلاف يهود اليمن مثلاً ـ لم يُخفِ يوما قطّ انحيازه الديني والأيديولوجي الصهيوني العنصري لدولة إسرائيل، التي تحتل فلسطين منذ ثمانية وأربعين وتسعمئة وألف، والذي صدَّر للكيان الصهيوني الكثير من المهاجرين. وحتى قبل زوال نظام بن علي، وتفجر الثورة التونسية المباركة وتحديداً خلال شهر أيار/مايو2010، ورغم أجهزته القمعية، ومنع التظاهر، احتج آلاف من التوانسة، ومنهم شخصيات ثقافية وإعلامية، حسب جريدة ‘الصباح’ التونسية، ضد مغنٍّ تونسي واسمه محسن شريف. هذا المغني أقام حفلة بمدينة إيلات في فلسطين المحتلة (الكيان الصهيوني)، وغنى أغنية دعا فيها بطول العمر لابن علي وبنيامين نتنياهو. وطالب المحتجون بسحب الجنسية التونسية من المغني شريف، الذي وجه دعوة للصهاينة في إيلات بزيارة مدينة (جربة) التونسية، التي يقطنها توانسة يهود معروفون تاريخياً بولائهم للكيان الصهيوني. فقد أثار مثل ذلك الفعل حفيظة الأحرار في تونس، الذين رأوا أن حفلته تحمل سمة من سمات التطبيع الثقافي مع العدو الصهيوني، الذي يمعن في فلسطين قتلا واحتلالا واستيطانا. إن الشباب العربي، إناثا وذكورا، الذي استغل انتشار الوسائل الإعلامية الآلية أو الإلكترونية الجديدة، ناشرا الوعي بين صفوف الأمة عن فساد النظام السياسي العربي وتآكله، والذي أثبت تخلف النظام السياسي العربي المتكلس وتأخره عن اللحاق بفكر الشباب وطرائق تفكيره، الذي تجاوزه بأشواط كبيرة، يعي تماما أجندات الغرب. ومن هذه الأجندات مثلاً تعيين أو دعم الحكومات التي تنفذ أجندة الغرب، وليس مهماً أن تكون ديمقراطية أو تراعي حقوق الإنسان بين مواطنيها، طالما أنها تؤدي ما هو مطلوب منها إزاء أمن إسرائيل وحماية مصالح الغرب. ولكنَّ دول الغرب أُضطرَّت إلى تغليظ مواقفها تجاه النظام العربي الرسمي في تونس ومصر، عندما كسر التوانسة والمصريون حاجز الخوف من نظاميهما. وكلما ارتفع سقف مطالب التوانسة والمصريين ارتفع معه منسوب غلظة الغرب إزاء النظامين التونسي والمصري. في مصر خاصةً، لا شك في أن إسرائيل والغرب يخشيان من ديمقراطية حرة ونزيهة كالتي أتت بحماس إلى السلطة في كانون الأول/يناير 2006، لأنها لم تخدم إسرائيل وبالتالي الغرب، ولذلك حاربوها وحاصروها إلى اللحظة. وحتماً فإن سقوط نظام كامب ديفيد المصري لا يروقُ لإسرائيل والغرب، ولذلك هم يودون بقاء النظام، وإن كان لا بد من تنازل الرئيس أو رحيله. وبما أن الشعب المصري مُصرٌّ على رحيل الرئيس ومحاكمته وتولية الرئاسة لرئيس المحكمة الدستورية العليا لفترة مؤقتة لا تتعدى السنة الواحدة، في أثنائها يتم تغيير جذري للدستور وحل كامل لمجلسي الشعب والشورى، وبدء عملية انتخابات حرة ونزيهة لاختيار رئيس يجمع عليه الشعب المصري، فإن الغرب لن يملك سوى أن يذعن لرغبة الشعب المصري، ولكن ستُعادى الديمقراطية المصرية، لأنها بالضرورة كما يُفهم من هتافات ملايين المتظاهرين في القطر المصري كافة ‘كلموه بالعبري يمكن يفهم’ وغيرها من الهتافات المعادية لإسرائيل والغرب، التي ساندت نظام مبارك على مدى ثلاثة عقود مع علمهم بظلمه وسرقته وتعسفه في حق شعبه على جميع المستويات والصُّعد.إن كلتا الثورتين التونسية والمصرية، سيتم عاجلا أو آجلاً استنساخهما في دول أخرى في العالم العربي وفي دول الخليج العربي. وعليهِ، فإن حكومات الدول العربية والتي معظمها لا يقل سوءاً عن حكومتي تونس ومصر الهالكتين، مطالبة اليوم بتصور السيناريوهين التونسي والمصري، ورسم صورة مفترضة عن حصولهما في هذا القطر العربي أو ذاك. وحتى يتم تفادي ما حدث في تونس ومصر، على الدول العربية أن تراجع دساتيرها وتغيرها وفق تطلعات شعوبها، وإعادة النظر في المجالس الموجودة، كالشورى والأمة والنواب وحلها إن تطلب الأمر، وتشكيلها بما يضمن عدم إقصائها لأحد وتمثيلها لكافة أبناء الشعب، وأن تُجرى انتخابات حرة ونزيهة وإتاحة الحرية للتعبير لكل الناس ومراجعة الرواتب والأجور لحفظ كرامة المواطن، وتحقيق العدالة الاجتــماعية، واعتبار المواطن مصدر الأمن الحقيقي لبلده وأغلى الثروات، واقعا وتطبيقا، وليس مجرد تهويش بهرجة إعلامية، كما هي الحال. ‘ كاتب قطري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية