الندوة الدولية للاستثمار هل تكون المنقذ للاقتصاد التونسي؟

حجم الخط
5

تونس ـ «القدس العربي»: أثار المؤتمر الاستثماري الذي احتضنته تونس خلال يومي 29 و 30 من تشرين الثاني/نوفمبر الكثير من ردود الأفعال، بين مرحب ومتحفظ، حذر ومعارض لفكرة المؤتمر من الأساس. ولعل ما حظي باتفاق أغلب شرائح الشعب التونسي أن هذا الملتقى الذي جمع سياسيين ومستثمرين عرب وأجانب، نجح تنظيميا وساهم في تلميع صورة تونس في الخارج وأعاد لها الثقة في قدرتها على النجاح بعد أن اهتزت صورتها في السنوات الأخيرة نتيجة للأوضاع الاستثنائية التي مر بها البلد.
وتأتي دولة قطر في طليعة الدول التي تعهدت بالمساهمة في دعم الاقتصاد التونسي بالنظر إلى المبلغ المالي الضخم الذي سيرصد لها في شكل استثمارات مباشرة، وهي التي حضر أميرها تميم بن حمد آل ثاني شخصيا هذا المؤتمر. كما تجدر الإشارة إلى أن قطر هي التي تكفلت بمصاريف المؤتمر بالكامل وهو ما لقي استحسان الكثير من التونسيين حتى بعض أولئك الذين كانوا يتخذون من الدولة الخليجية موقفا سلبيا متهمين إياها بدعم طرف سياسي تونسي على حسابهم.

البنك الافريقي

كما بدا الدعم السعودي لافتا وتجاوز القروض إلى التعهد ببناء المستشفيات وحظيت القيروان في هذا الإطار بلفتة من المملكة باعتبارها حاضرة الإسلام الأولى في بلاد المغرب وعاصمته الإسلامية. حيث ستبني المملكة في هذه المدينة التاريخية مستشفى جامعيا ضخما سيدعم المرافق الصحية بها بالإضافة إلى ترميم جامعها الكبير الذي بناه القائد العربي عقبة بن نافع مع منح مالية هامة واستثمارات ضخمة لو تحققت مع الاستثمارات، التي وعدت بها دولة الكويت، ستساهم في إخراج الاقتصاد التونسي من عنق الزجاجة.
كما كان الحضور الفرنسي لافتا من خلال رئيس الوزراء إيمانويل فالس الذي قدمت بلاده كما بلجيكا وكندا وألمانيا وسويسرا مبالغ هامة ستنفق على استثمارات ستطال شتى الميادين. كما تعهدت باريس، بسخاء غير معهود مع تونس، قد يكون سببه النفوذ الأمريكي المتزايد، بتحويل جزء هام من ديون تونس إلى استثمارات مباشرة تتمثل في مشاريع تنموية هدفها تحريك عجلة الاقتصاد.
ولعل ما أثلج صدور التونسيين هو اختيار البنك الافريقي للتنمية للخضراء كدولة مقر لفرعه الإقليمي المتعلق بشمال افريقيا بعد أن غادر المقر الرئيسي للبنك تونس منذ سنة باتجاه أبيدجان في ساحل العاج. وبالتالي فقد غادر الأصل وحل محله الفرع الإقليمي وهو ما يحد من الخسارة التي مني بها التونسيون منذ سنة، خاصة وان هذا البنك هو من أهم ممولي الاقتصاد التونسي وقدم الكثير للخضراء زمن بن علي.

مؤتمر ضخم

وللإشارة فإن حجم الحضور في هذا المؤتمر الضخم، الذي افتتحه رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، فاق كل التوقعات، فقد جمع بين قادة الدول ورؤساء الحكومات والوزراء والمشرفين على الصناديق والبنوك المالية التنموية الدولية والإقليمية والمحلية. كما حضره مستثمرون وخبراء اقتصاد ورجال أعمال وإعلاميون من شتى دول العالم مما ساهم في إعادة البريق الذي فقدته تونس منذ سنوات. فقد حضر، من بين المؤسسات المالية، على سبيل المثال، صندوق النقد الدولي من خلال نائب الرئيس وتدخلت رئيسته كريستين لاغارد عبر السكايب شأنها شأن الأمين العام للأمم المتحدة. وكان البنك الافريقي للتنمية حاضرا إلى جانب صندوق التنمية السعودي ومجموعة البنك الأوروبي للاستثمار والصندوق العربي للإنماء ومجموعة البنك الدولي لشؤون منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، والبنك الأوروبي للاستثمار والمؤسسات الصغرى، وغيرها من المؤسسات المالية الضخمة.
وأشاد أغلب المتدخلين بنجاح تونس في مسار انتقالها الديمقراطي الذي اكتمل منذ شهرين بانتخاب مجلس أعلى للقضاء مستقل بشكل تام عن السلطة التنفيذية، فيه تمثيلية للقضاة والمهن التي لها علاقة بالقضاء مثل المحاماة. حتى أن البعض اعتبر تونس الديمقراطية العربية الوحيدة المكتملة والمستوفية لكل الشروط، وبالتالي وجب دعمها على الصمود وعدم الانتكاس حتى تصبح النموذج لدول المنطقة.

اتفاقيات ملزمة

ولعل اللافت في هذا المؤتمر أن كثيرا من الوعود قد تجسدت على أرض الواقع من خلال إبرام اتفاقيات لإنجاز مشاريع كبرى بين أطراف أجنبية وأخرى تونسية. وبالتالي فقد تم قطع الطريق على المشككين في جدوى هذا المؤتمر وفي حقيقة هذه الوعود التي وصفها البعض قبل بداية المؤتمر بأنها وهمية.
لقد انطلق الجميع مباشرة نحو الفعل خاصة وأن هذه الاتفاقيات ملزمة لأصحابها والتنصل منها يوجب التعويض. كما أن الدولتين الراعيتين للمؤتمر أي قطر وفرنسا يبدو أنهما جادان في دعم الاقتصاد التونسي بالنظر إلى أهمية الوفود القادمة من كلا الدولتين والتي فاجأت التونسيين وتجاوزت المتوقع من البلدين.
ولعل ما يدعم جدية هذا المؤتمر أن أغلب المشاريع المعلن عنها والتي تعهدت أطراف عربية وغربية بإنجازها يمكن تحقيقها واقعيا، وبعضها رصدت له أموال في السابق إلا أن الظروف الصعبة التي مرت بها تونس حالت دون إنجازها. ويأتي في طليعة هذه المشاريع، مشروع ميناء المياه العميقة بالغ الأهمية باعتبار موقع تونس في قلب المتوسط على مضيق صقلية وعلى الطريق الدولية البحرية الرابطة بين المحيطين الأطلسي والهندي عبر البحر المتوسط. وسيجعل هذا المشروع، الذي تم التخطيط له قبل «الثورة»، تونس منطقة عبور بحرية دولية لها أهميتها في حركة الملاحة البحرية العالمية.

المستثمرون التونسيون

ويشار إلى أن أطرافا تونسية استغلت هذا المؤتمر لتطرح مجددا مسألة المصالحة مع رجال الأعمال التونسيين الذين ارتكبوا تجاوزات خلال العهد السابق، والذين يقيم كثير منهم خارج الديار واستقطبتهم دول أخرى. ودعت هذه الأطراف إلى ضرورة الإسراع في المصالحة مع رجال الأعمال هؤلاء، حتى يساهموا في دفع عجلة التنمية وإخراج البلاد من أزمتها.
فلدى هؤلاء سيولة مالية معتبرة يمكن ضخها في الاقتصاد الوطني وهو ما قد يغني تونس عن طلب الاستثمارات الخارجية وعن تنظيم هذه المؤتمرات الاستثمارية. وهم الأقدر على فهم الواقع التونسي وحاجات الجهات إذا توفرت لديهم الإرادة لإنقاذ بلادهم، التي اقترض كثير منهم من بنوكها مبالغ ضخمة دون أن يقوموا بإرجاعها.
بل أن بعض هؤلاء استثمر أموال البنوك التونسية المنهوبة في دولة شقيقة قامت بإغرائهم غير عابئة بمصدر هذه الأموال ولا بالقضايا المرفوعة بحقهم في المحاكم التونسية. ووفرت لهم المأوى مستغلة الوضع الصعب والاستثنائي الذي مرت به تونس ضاربة بعلاقات الأخوة والتاريخ المشترك عرض الحائط.

القطاع العام

وتخشى كثير من الأطراف من أن يفتح هذا المؤتمر وغيره الباب على مصراعيه لتفويت الدولة التونسية في المنشآت العمومية الضخمة إلى مستثمري القطاع الخاص التونسيين والأجانب. فهذه المنشآت هي عماد الاقتصاد التونسي ومفخرة التونسيين وهي التي تم الشروع في إنجازها مباشرة بعد استقلال البلاد وبإمكانيات تونسية صرفة في وقت قطعت فيه فرنسا المعونة عن تونس بعد معركة الجلاء التي حرر فيها التونسيون آخر جيوب الاستعمار، مدينة بنزرت وقواعدها العسكرية التي أرادت فرنسا الاحتفاظ بها بعد استقلال تونس.
كما أن هناك خشية من ارتهان البلاد للصناديق المالية والبلدان الأجنبية وارتفاع حجم الدين، خاصة وأن بعض الأموال التي ستقدم هي في شكل قروض وليست كلها هبات. ولم يتم الإعلان عن حجم فوائد هذه القروض التي قد تجعل الأجيال المقبلة مطالبة بالسداد عن حقبة لا ناقة ولا جمل لها فيها.
وأكثر ما يثير مخاوف التونسيين هو أن لا تذهب هذه الأموال إلى مكانها الطبيعي وتتشتت في جيوب الفاسدين، خاصة وأن أموالا كثيرة دخلت إلى تونس خلال السنوات القليلة الماضية ولا يعرف مصيرها. كما يخشى أن تذهب هذه الأموال سدى في شكل رواتب للموظفين ونفقات ليست ذات مردودية، بخلاف الاستثمارات التي تحرك وحدها عجلة التنمية وتدفع البلاد إلى الأمام.
لكن ورغم كل شيء فإن المؤتمر الاستثماري تونس 2020 ناجح بكل المقاييس ومبهر من الناحية التنظيمية ومن شأنه أن يساهم في إعادة الثقة في تونس، وللتونسيين في بلدهم القادر على النهوض.

الندوة الدولية للاستثمار هل تكون المنقذ للاقتصاد التونسي؟

روعة قاسم

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية