اوسترافا، تشيكوسلوفاكيا، اجتزنا مقهى الكترا، فندق امبريال ومتحف الفنون في المدينة. هذه الاماكن كانت موجودة في حينه. القليل من الثلوج والكثير من الامطار والبرد. دراجة كهربائية تنقلني إلى بيت أمي.
نزلنا من الدراجة الكهربائية ومشينا في الشوارع التي سار فيها والدي يوما، وكان الشعور ثقيلا وغريبا، مزيج من الحزن والحنين إلى المكان الذي لم أكن فيه أبدا. ولكن لم يمر يوم في طفولتي دون أن يذكروا إسمه. ميريش أوستراو (بالالمانية)، مورباسكا أوسترافا (بالشيكوسلوفاكية). وعندها ظهر البيت بكل فخامته وبعاصفة المشاعر التي أثارها لدي. مبنى كبير في الزاوية يتكون من ثلاثة طوابق مع واجهة جميلة مطلية بلون الكريم، إنه البيت الاجمل في المدينة.
منذ سنوات الشرطة تستخدم المبنى كمقر لها. وقد أجبروا جدي على بيعه للغوستابو بثمن بخس. والآن يقوم فنان بترميم البيت، وعامل تشيكي محرج يسمح لنا بالدخول إلى الداخل. فهو لا يصدق أن هذا كان بيتنا. فدائما كان مقرا للشرطة. بلاط المدخل جميل، درج متعرج ودرابزين خشبي تمت اعادة ترميمه. هذا هو الدرابزين الذي كان جدي وجدتي يستندان عليه في صعودها إلى فوق. ويمكن أن أمي وخالي تزحلقا عليه وهم أولاد اثناء نزولهما. وهذا ما شاهداه من النافذة عندما كانت نافذتهما ـ الدكان في الشارع والبيت في المقابل. الخادمة آنا سكنت كما يبدو في العلية. ويمكن أنه في الغرفة التي كانت تحتها كانت أمي تحضر دروسها؟ وما الذي كانت تحلم فيه هنا في طفولتها.
أنا أعرف القليل جدا عن هذا البيت وعما حدث بين جدرانه. لقد تحدثوا قليلا وأنا اهتممت قليلا، من شدة الألم، والآن لم يعد هناك من اسأله. بركيت جديد يغطي الارضية القديمة وأثاث المكاتب يملأ الغرف. وعما قريب ستعود الشرطة إلى هنا. ولا أحد منهم يعرف ما الذي كان هنا. أمي ولدت هنا، جدي وجدتي تعرفا على بعضهما هنا، الخال والخالة ايضا عاشا هنا. فالمبنى كان يعود للعائلة.
في ميدان ماسرك، الميدان المركزي في المدينة، يوجد الآن معرض عيد الفصح. والنبيذ الدافئ يتدفق مثل المياه. معظم معامل الفحم والحديد التي توجد فوق التلال المحيطة تم اغلاقها منذ زمن. النهر الذي يقسم المدينة والحقول كلها مغطاة بالثلوج. هل فوق هذه الضفة كانت القبلة الاولى لأمي؟
الحب الاول لجدتي؟ الاسئلة تتدفق ولا تتركني أرتاح: ما الذي كان يمكن أن يحدث لو لم. لو لم يأت النازيون إلى هنا ولم يتم ارسال أمي في وفد اطار هجرة الفتيان إلى البلاد غير المعروفة، حيث كان عمرها 16 سنة، هل كانوا سيتركون هذا المكان لو لم يتم اجبارهم؟ ماذا كان سيحدث لأمي ولي لو لم؟.
حول السويتشكوفا في المطعم المحلي ـ السويتشكوفا التي كانتا جدتي وأمي تقومان بتحضيرها من العجين ولحم الخنزير والملفوف الابيض والاحمر واللبن التي كان طعمها مثل جنة عدن. أنا أفكر بالمعنى الشعوري الذي لهذا المكان في قلبي. قبل ثلاث سنوات قمت بزيارة المقاطعة التي عاش فيها أبي في السوداتيم، والآن أنا في المنطقة التي عاشت فيها أمي. وهذان المكانان يثيران في داخلي مشاعر أقوى من الحرم الابراهيمي أو تلال السامرة.
وما الذي يشعر به الفلسطيني عندما يزور رمات افيف؟ يمكن القول إن المشاعر متشابهة. فهو ايضا سمع الكثير عن المكان الذي تم اجبارهم على تركه، هم ايضا حافظوا على ذكريات من البيت الضائع. ولكن الفلسطيني وُعد بأنه سيعود في يوم ما. أما نحن فلم نرغب في العودة. لماذا؟ لأن لنا دولة وحياة جديدة وحرية وكرامة. أما هم فلا يوجد لهم. ومن يخشى من عودة الفلسطينيين يجب عليه أن يتذكر ذلك.
في ليل اليوم التالي، في ميدان فاستلاف في براغ، سمعت صراخ من الخلف باللغة العبرية يقول: «إبق هنا يا كلب».
هآرتس 4/12/2016