لا أحد يمكنه تفكيك طلاسم شغف الأردنيين في التقاط الصور مع بقايا الصواريخ والشظايا، التي تسقط، وهي في طريقها إلى فلسطين المحتلة.
شعب النشامى قرر مجددا مع نهاية الأسبوع تجاوز وتجاهل كل التعليمات التي يبثها التلفزيون الأردني ومعه فضائية «المملكة» مرة تلو الأخرى.
مراكز السيادة في الدولة حذرت المواطنين في ملخص بثته أيضا فضائية «رؤيا»: «الجأ إلى الجدران الإسمنتية عند إطلاق 3 صفارات، لا تتحرك من موقعك، لا تلتقط صورا للأجسام والشظايا، لا تلاحق الصواريخ، ولا تصعد إلى السطح والشرفات.
تحذيرات من كل الأصناف أعقبت انطلاق العملية العسكرية الحالية ضد الجمهورية الإيرانية، ومديرية الأمن العام، ومعها مركز الأزمات، ثم القوات المسلحة حذرت المواطنين بالأطنان والجملة.
لكن في المقابل وبمجرد انطلاق صافرة يصعد النشامى للأسطح وسياراتهم تلاحق الصواريخ وهي تسقط، لا بل يلتقطون مع الشظايا بعض الصور التذكارية، حتى والدخان يتصاعد منها.
«شالوم بابا»
الفيديوهات التي تبثها على الهواء بالصوت والصورة منصات التواصل تظهر أن «الرهان على وعي الصواريخ وليس المواطن».
إحداهن من نشميات منطقة الأزرق ركضت في اتجاه الصاروخ، وهو يسقط، مواطنة أخرى أطلقت «زغروتة».. ثالث هتف بحماس» شالوم بابا»، ثم شكر إيران، فيما كان تلفزيون «المملكة» وباسم الخارجية «يدين القصف الإيراني» لعدة دول عربية.
احتفالية النشامى بأي مقذوفات تطال الكيان الإسرائيلي تحولت إلى «لغز محير» للنقاد والمراقبين، وأحد المعلقين عبر شاشة «الحقيقة الدولية» قال «هذه ليست حربنا، عدونا الأول والوحيد والمطلق إسرائيل».
ما علينا، لا مبرر للإغراق في محاولات التأويل، حيث العبارة التي تتكرر في مباريات كرة القدم أيضا «لا حلول مع النشامى»، والقصة في اختصار أن الشعب عموما لا يرى في «الجمهورية عدوا»، ويصفق لأي رصاصة تطلق على إسرائيل ولا يستمع لـ«السردية الحكومية».
مارينز و«مراحيض»
وعلى ذكر الحرب وأهوالها، لا بد من التساؤل عن «مصير نظام الصرف الصحي» في حاملة الطائرات الأمريكية الضخمة المخيفة «جيرالد فورد»، والتي توقفت قليلا في اليونان لإصلاح ما تيسر من «مراحيض المارينز»، بعدما اشتكى 5 آلاف بحار عسكري من سوء التصريف.
الحاملة فورد هي الأضخم والأقدم في العالم وشاشة قناة «الجزيرة» نشرت صورتها عشرات المرات، وهي تستعد للتعليق على المعركة بعد الاستعانة بالمحلل العسكري الأردني الزميل نضال أبو زيد.
ما ذكرته قناة «سي بي أس» في تقرير مفصل لها أن مراحيض الحاملة فورد تأخرت بالوصول إلى حيفا، لأن الجاهزية القتالية بحاجة ملحة لإصلاح العطب في دورات مياه الجنود، فيما القناة الإسرائيلية 13 كانت تحتفل بأن تل أبيب رفضت لأسباب الحفاظ على البيئة البحرية رسو الحاملة مع مراحيض فاسدة.
تخيلوا معنا: إسرائيل تلوث البشرية والإنسانية برمتها، وتتحول إلى «سرطان» في جسد الكرة الأرضية بأسرها، ثم تحرص على بيئة سواحل فلسطين المحتلة جراء تلوث مراحيض الحاملة العسكرية العملاقة.
المهم، ولأن جرس الحرب قرع ألمحت القناة الإسرائيلية إلى أنه تم تركيب «مراحيض جاهزة» إضافية لحل الأزمة بالاتفاق مع الحليف اليوناني وعبر مقاول إسرائيلي مختص، ثم حانت «لحظة الصفر».
إسرائيل على نحو أو آخر قررت المجازفة بتلقي ما قد تستحقه من أزمة المياه العادمة. تل أبيب تليق بها «مراحيض المارينز».
الأردن «البعثي»
كانت بصورة مؤكدة «لحظة فارقة»: التلفزيون الأردني يبث الكلمة المهمة التي أدلى بها رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، بمناسبة قرار الحكومة «نفض يديها» من «قانون الضمان الاجتماعي» الجديد، ثم ترك الغبار يتولاه مجلس النواب.
لسبب أو آخر تذكرنا كمشاهدين «البيان رقم 1» على الطريقة البعثية الاشتراكية أيام الفضائية السورية، التي كانت تغني «خبطة قدمكم عالأرض هدارة.. إلخ».
صدق أو لا تصدق، الكاميرا كانت مسلطة على رئيس الوزراء، وهو يستعمل «مهارات صوتية حازمة» لم ترصد سابقا.
ما فهمناه عموما من هذه المنازلة المتلفزة بالصوت والصورة في اختصار كما يلي: الحكومة أكملت واجباتها وفعلت ما ينبغي أن تفعله وقدمت ما تستطيعه من تنازلات في نصوص القانون، الذي يمس حياة القاعدة الأعرض من الأردنيين وكرة القانون تتدحرج في حضن مجلس النواب.
قبل ذلك خضع الشعب الأردني لسلسة لقاءات على هواء قناتي «المملكة»، ثم «رؤيا» تعرض عليه «مقايضة « فكرتها في اختصار: رواتبكم في خطر، والحل الوحيد إقرار القانون المعدل لإنقاذ التأمينات.
حسنا رسالة الحكومة للأمانة واضحة وبدون التباس.
لكن ما لا يعرفه ولا يطالبه الجمهور، وهو يعترض، أنه يخاطب عموما نخبا تؤمن أيديولوجيا بمشروع «تفكيك الدولة الرعوية» القديمة، وبدون ضمانات لأي رفاه اجتماعي، وعلى أساس القناعة بأن «الشعب» حظي أكثر مما ينبغي بـ»الدلع والدلال»، وعلى القرية وأهلها الاستيقاظ.
المسالة قد لا تتعلق بما يسمى «الدراسات الاكتوارية»، التي أصبحت عمليا مثل الوحش الغامض، بقدر ما ترتبط بـ»ذهنية ليبرالية خشنة» لديها قناعة بأن «التغييرات الجذرية واجب وطني»، حتى بدون إسدال الستارة، وأيضا بدون أي رحمة بالناس والبسطاء.
مدير مكتب «القدس العربي» في عمان