جدار الصواريخ بين الاورال والاطلسي!
نصر شماليجدار الصواريخ بين الاورال والاطلسي! استناداً الي ذرائع واهية تجافي المنطق، وتعكس مجرّد الصلف والخداع والاستهتار المكشوف، اعلنت الادارة الامريكية انها مزمعة علي اقامة جدار من الصواريخ بعيدة المدي في بعض بلدان اوروبا الوسطي، وان مهمة هذه الصواريخ هي مواجهة التهديدات الايرانية! وقد جاء الجواب قاطعاً من موسكو، علي لسان الرئيس الروسي الذي وصف السياسة الامريكية بما هي عليه فعلاً وردّ عليها بما تستحقه، ثم علي لسان وزير الدفاع الروسي الذي اعلن بحزم ان القــــوات الروسية قادرة علي تدمير مثل هذه الجدران الصاروخية/ الامـــــريكية، وبذلك تكون الادارة الروسية قد حدّدت الاهداف الحقيقية للقواعد العسكرية الامريكية في اوروبا الوسطي، فالمستهدف من اقامة هذه القواعد هو بالضبط جملة البلدان الواقعة بين جبال الاورال والمحيط الاطلسي التي طالما راودها حلم التوحد في كتلة بشرية واحدة، والقواعــــد العسكـــــرية الامريكية مهمتها ارباك المساعي العملية لتحقيق هـــــذا الحلم، ان لم تنجح في تبديده نهائياً، اما اذا كانت لهذه القواعد مهام اخري، تتصل بمناطق اخري بعيدة من العالم، فهي مهام مكمّلة، باعتبارها جزءاً متكاملاً في الشبكة العسكرية الامريكية الاطلسية!معوّقات الحلم الاوروبي الكبير!ان اول ما يجدر التذكير به، عند الحديث عن مشروع الجدار الصاروخي الامريكي في اوروبا الوسطي، هو ان الاوروبيين عموماً، عبر مئات السنين الماضية، ظلوا يتطلعون الي نهوض اقليم عالمي مركزي يمتد ما بين جبال الاورال والمحيط الاطلسي! لقد حلم بنهوض مثل هذا الاقليم القيصر الروسي بطرس الاكبر، وحاول تحقيقه الامبراطور الفرنسي نابليون بونابرت، وكرّر المحاولة الفوهرر الالماني ادولف هتلر، لكن ذلك لم يتحقق بسبب تناقضات اطراف راس المال الاوروبي، وتعادل قواها، وصراعاتها الدموية التنافسية التي بدت بلا نهاية، اي بلا نتيجة حاسمة!عشية انهيار الاتحاد السوفييتي عاد حلم الاقليم الاوروبي الكبير الي الانتعاش، حيث الحماسة الاوروبية الغربية والموافقة المعلنة من الرئيس السوفييتي الاخير ميخائيل غورباتشيف، غير ان الامريكيين كانوا بالمرصاد، فهم ضدّ نهوض مثل هذا الاقليم ولو بقيادة حلفائهم الغربيين، واذا لم يكن ممكناً منع قيام الوحدة الاوروبية فلا بد من اختراقها وافقادها استقلاليتها التي هي اهم عناصر قوتها، وهكذا رايناهم يفجرون الاوضاع في البلقان، في منتصف المسافة ما بين الاورال والاطلسي، ويفرضون استمرار بقاء حلف شمال الاطلسي الذي فقد مبرره بعد زوال حلف وارسو، ويدفعون بالحلم الاوروبي بعيداً جداً الي الخلف قياساًَ بصورته المرجوّة! وبالطبع، فان الدوافع المصلحية الضيّقة للاطراف الاوروبية الغربية، التي لم تتعامل بنزاهة مع المشروع الاوروبي الكبير، سهلت مهمة الامريكيين في اختراقه وتجويفه، حيث كل من اطراف راس المال الاوروبي الغربي يتطلع الي موقع التاثير الاول، ان لم يكن السيادة، في المشروع، اما الادارة الامريكية، التي ساعدتها تناقضات الاوروبيين، فقد وجدت اضافة الي ذلك في الجيوب الصهيونية اليهودية، المنتشرة بفعالية في وسط اوروبا وشرقها، افضل مساعد لها!سكان الغابات الخلفية السلاف!تقودنا الاشارة الي الجيوب الصهيونية اليهودية للتذكير بدورها في انهيار الاتحاد السوفييتي وبقية دول حلف وارسو، وللتذكير بان هذه الجيوب كانت موالية الي حد كبير لبريطانيا منذ اواخر القرن السابع عشر، ثم للولايات المتحدة بعد تبوئها المركز الاول في النظام الاحتكاري الربوي العالمي. وقد ساعد هذه الجيوب الصهيونية في اداء مهماتها لصالح لندن وواشنطن ان الالمان والفرنسيين كانوا ينظرون الي بلدان وسط وشرق اوروبا كما تنظر الولايات المتحدة الي بلدان امريكا اللاتينية! وهكذا فقد كان مناخ الاحساس بالدونية والهامشية مناسباً جداً لنشاط الجيوب الصهيونية ولانتشار فذلكاتها، بحيث تهوّدت وتصهينت الي حد خطير اوساط الانتلجنسيا في وسط وشرق اوروبا! يقول المؤرخ البريطاني (من اصل مجري) آرثر كوستلر في كتابه (امبراطورية الخزر) ان اليهود الخزريين، الذين هاجروا الي مناطق شرق ووسط اوروبا في القرن العاشر الميلادي، ساعدوا سكان الغابات الخلفية السلاف علي تشكيل دولتهم الاولي في بولندا عام 962م! اي انهم نقلوهم من حالة الهمجية الي حالة المدنيّة! وبالطبع، فان مثل هذه المبالغات الصهيونية، الفظة والوقحة، تريد تقديم المبرّر التاريخي للدور الصهيوني التخريبي الذي رعته الادارات البريطانية ثم الامريكية ابتداء من القرن السابع عشر!تخطي المركزية الاوروبية/ الامريكية!ان الجيوب الصهيونية، والخونة المتفذلكين من الانتلجنسيا، يواصلون اليوم مهامهم في تبرير استباحة اوطانهم في وسط وشرق اوروبا، ومدخلهم الي ذلك الحاحهم الموارب علي انتمائهم تاريخياً للحضارة الاوروبية/ الامريكية، وعلي ولائهم للمركزية الدولية الاوروبية/ الامريكية! وهكذا، علي سبيل المثال، يقول الاديب الفرنسي (من اصل تشيكي) ميلان كونديرا ان امم اوروبا الوسطي والشرقية رفضت دائماً الاندماج في الكتلة الجرمانية، او في الكتلة السلافية، بالرغم من اواصر اللغة هنا واواصر الدين هناك، وانه هو شخصياً اصيب بالذعر عندما وضعه احد الكتّاب السلاف في مصاف دوستويفسكي وغوغول وباسترناك! لماذا؟ ليس لانه ينفر -كما يقول- من هؤلاء الروس العظام، بل لانه يغدو في صحبتهم شيئاً آخر! وقد طلب كونديرا عدم نسيان الصهيونية اليهودية، التي ولدت في وسط وشرق اوروبا من الرفض ذاته للتشابه او الاندماج مع السلاف والجرمان (انظر كتابه: الستارة -ترجمة معن عاقل- دار ورد – دمشق).نعود الي موضوع الجدار الصاروخي الامريكي فنقول ان امثال كونديرا وكوستلر يسوّغون اقامته بينما هم يلهثون خلف حلم الانتماء الي المركزية الاوروبية/ الامريكية، لكن هذه المركزية اصبحت اليوم عرضة للتخطي، مثلما الجدار الصاروخي عرضة للتدمير!ہ كاتب من سورية www.snurl.com/375h 8