ترانيم الاستيطان

حجم الخط
0

ترانيم الاستيطان

صبحي حديديترانيم الاستيطانعُرف الروائي الأمريكي روبرت ستون بأسلوبية خاصة تمزج، علي نحو بارع ومتكامل، بين التشويق البوليسي علي طريقة جون لوكاريه، والتأمل الوجودي العميق علي طريقة هرمان ملفيل، والاختراقات الشعورية المذهلة في عبثية الزمن الانساني علي طريقة صموئيل بيكيت. وهو سارد رفيع المراس، وبالغ الحساسية ازاء مصائر الفن الروائي في زمننا هذا، زمن التلفزة والفيديو ومسلسلات أوبرا الصابون وقصص الخيال العلمي والرسوم المصورة والانترنت. وهي مصائر قلقة متلاطمة متقلبة، في عصر لا يبدو أنه عصر الرواية تماماً، علي العكس مما بشر بعض النقاد العرب الذاهبين بسرعة الصاروخ الي تنحية الشعر، وتنصيب الرواية ديواناً للعرب.وهكذا، تناول ستون هموم البشر السياسية والاقتصادية والايديولوجية (رغم أنه ليس أديباً ملتزماً، ستالينياً أو جدانوفياً أو واقعياً اشتراكياً، وربما لأنه عَكْس هذه التسميات مجتمعة!)، في أماكن مثل سايغون وهوليوود وسانتياغو وهافانا، وحيثما أُتيح لمزيجه الأسلوبي أن يبني حبكة موفقة اعتماداً علي سلسلة وقائع حقيقية. وفي أيامنا هذه، حين تواصل الجرافات الاسرائيلية الحفر في باب المغاربة ومحيط المسجد الأقصي، تراود الخاطر روايته الشهيرة باب دمشق ، 1998، التي تذهب بالقاريء الي مدينة القدس المحتلة، وتتوغل عميقاً في باطنها البشري والديني والرمزي المعقد. ويرسم ستون حبكة عالية الترابط، اعتماداً علي مؤامرة ارهابية يحيكها ويشرع في تنفيذها يهود متشددون، يؤمنون أن نسف مسجد عمر كفيل بتحقيق جملة أهداف كبري: اشعال حرب دينية يهودية ـ اسلامية واسرائيلية ـ فلسطينية، تمنح القيادة الاسرائيلية فرصة ذهبية لسحق الفلسطينيين وطردهم نهائياً من اسرائيل الكبري، واستقطاب اليهود أنصاف المتدينين الي صف التشدد، وتوفير الفرصة لاعادة بناء الهيكل، وبالتالي استمالة ملايين الأمريكيين المسيحيين المؤمنين بأن المجيء الثاني للمخلص لن يتحقق الا اذا قامت ـ ثم بادت! ـ أورشليم الجديدة الثانية.فلندعْ جانباً التفاصيل البوليسية في الرواية (تتدخل المخابرات الاسرائيلية، الـ شين بيت ، في الدقيقة القاتلة لاحباط المخطط، لأنها كانت قد اخترقت الخلية الارهابية منذ طور مبكر)، وكذلك التأمل الفلسفي الذي ينساق اليه ستون حين يرد جذور المؤامرة الي عقائد صوفية يهودية قديمة، والتأمل الوجودي الديني والاثني والثقافي الذي يدفعه الي وضع معظم أبطاله في موقع وسيط (البطل نصف يهودي ـ نصف كاثوليكي، والبطلة يهودية أمريكية سوداء، وثمة جنسيات أوروبية متنوعة، وأمزجة متباينة، وسلوكيات راقية وأخري وضيعة). المثير في الرواية تلك الايحاءات المدهشة التي كانت تقود خيوط الحبكة الي واقع الحال في المجتمع الاسرائيلي آنذاك: ما بعد اغتيال اسحق رابين، أيام بنيامين نتنياهو والائتلاف الليكودي القومي ـ الديني، نفق القدس والنقاش اللاهوتي حول باطن الأرض قبل سطحها، اليوبيل الفضي للدولة العبرية وانكشاف المزيد من صفحات التاريخ الآخر للارهاب الصهيوني، وبالطبع…أوج انحطاط العملية السلمية.لكن الرواية كانت، تماماً كما تفعل اليوم أيضاً، تذكرنا بما نعرفه عن هوس الدولة العبرية بتحويل علم الآثار الي ديانة ودين، وليس مجرد حفريات في التاريخ الغابر تضيء أو تستكمل حلقات غامضة من السجل الانساني. وفي كتابه نبي من بين ظهرانينا ، والذي يروي سيرة ايغال يادين المحارب وعالم الآثار و صانع أسطورة اسرائيل الحديثة كما يُلقب، يشير نيل سيبرمان الي ان التنقيب عن الآثار اليهودية في أرض فلسطين كان بمثابة ترخيص شعري للاستيطان الاسرائيلي المعاصر ، بحيث تنقلب الرُقيمات والألواح المكتشفة الي ما يشبه ترانيم/عقود ملكية، لعقارات الماضي والحاضر والمستقبل، مقدسة منزلة مكتوبة بمداد الآلهة. وذات يوم قطع المدير العام للآثار والمتاحف في الدولة العبرية ذلك الشوط القصير الأخير بين الحلم الأقصي والهستيريا القصوي، فاقترح اعادة تحقيب التاريخ الانساني علي النحو (اليهودي) التالي: منذ الآن سوف نطلق علي عصر الحديد اسم عصر بني اسرائيل ، وعلي العصر الهيلليني اسم العصر الحشموني ، وعلي العصر الروماني اسم عصر المشناه ، وعلي البيزنطي اسم العصر التلمودي …والصحافي الأمريكي الشاب كريستوفر لوكاس، بطل رواية باب دمشق والنموذج القياسي للبراءة الأمريكية، يعشق زيارة باب العمود ، في التسمية العربية، وتشده ايحاءات طريق دمشق بوصفه درب النور الذي سلكه شاول الطرسوسي (اليهودي الفريسي الذي أذاق المسيحيين صنوف العذاب، قبل أن يؤمن ويصبح، بتزكية من برنابا الحواري، بولس الرسول وحامل المسيحية الي أوروبا). لكن لوكاس يغادر القدس وهو يدرك أن باطن هذه المدينة أشد تعقيداً من أن يحتمل رواية واحدة للحدث الواحد ذاته، وأن مشروعه لكتابة تحقيق عن العنف والأصولية الدينية لن يفلح البتة في الهرب من التنميطات المعتادة.قبل هذا القرار، كان لوكاس قد زار مدينة غزة في يوم زيارته متحف ياد فاشيم ، فاختلطت في ضميره عذابات الهولوكوست بعذابات الفلسطينيين. صديقته سونيا، يهودية الأم مسيحية الأب سوداء البشرة، تتوقف أسفل قوس الباب العتيق لتهجس قائلة في وداعه: وماذا عنا نحن؟ ماذا نفعل هنا بحق الجحيم؟ مَنْ نحن في الأساس ؟ مؤكد أن جرافات باب المغاربة لن تمد سونيا بأية اجابات، حتي اذا انضم هذا الزمن الصهيوني الي عصور حشمونية أو مشنائية أو تلمودية!0

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية