السم والكوكتيل!

حجم الخط
0

لم يكد يمضِي يوم على إعلان تشكيل الحكومة اللبنانية المنتظرة، تلك الحكومة التي احتاجت شهراً إضافياً ليرى جنينها النور، وأتت بعد مخاض وسجال وصراع سياسي مرير، وانبثقت من رحم التوافق والتراضي المزعوم، ليظهر زعيم حزب الله اللبناني من جديد مبتسماً ومبشراً، مندداً ومتوعداً، لقد ظهر هذه المرة أو كما أراد أن يظهر واثقاً ومطمئناً، فعقدة الحكومة قد انحلت أخيراً لتدفع السجال السياسي اللبناني نحو الاستحقاق الرئاسي المنتظر، والواقع الميداني في سوريا لا يوحي بقرب انهيار ظهر المقاومة على حد وصفه، بل أن الواقع الإقليمي والدولي قد أصبح يراهن على إستراتيجيات الضغط والتفاوض أكثر مما يبادر إلى إضعاف النظام السوري والتسريع بنهايته، أما الحليف الإيراني فقد غدا يكافأ بتخفيف العقوبات الدولية المفروضة عليه والإفراج عن أرصدته المجمدة، بعد أن كان يتوقع هجوماً كاسحاً ومباغتاً.
لقد كان خطاب السيد نصر الله مبسطاً رغبة في التسطيح، وهادئا رغبة في إظهار الاتزان والصلابة، لكنه قد شرح أكثر مما أجاب، ونظر أكثر مما فسر، فهو يدعو اللبنانيين إلى تحمل مسؤولياتهم الوطنية والتنبه إلى ما تمثله إسرائيل من خطر وتهديد للبلاد، فهل جد جديد ووقع محظور؟ بان حشدت إسرائيل جيوشها لغزو لبنان، أم أن الشماعة الإسرائيلية كعادتها لا تفارق خطاب حزب الله السياسي وحتى الاجتماعي منه، وأكد سماحته أن حزب الله يتمنى أن يصبح الجيش اللبناني هو القوة الوحيدة التي تدافع عن لبنان، وأن يتطور عدةً وعديداً وسلاحاً، لكنه تناسى أن تسلح حزب الله بأكثر واعتى مما لدى الجيش اللبناني، وامتلاك الحزب لقرار وساعة الحرب والسلم، واستقواءه على الواقع الأمني في المدن والقرى وعلى الحدود، قد جعل من قوة الجيش ديكوراً منمقاً، وهيكلاً مفرغاً من امتلاك أمره، أما الإرهاب التكفيري الذي فجر ودمر وقتل من الأبرياء ، فقد وصفه سماحته بأنه التهديد الثاني للبنان بعد الكيان الإسرائيلي، لأن مشكلة التكفير هي في عدم قبول الآخر، والذهاب إلى الاستباحة والإلغاء والشطب، وأن موجبات القتال في سوريا إلى جانب قوات النظام السوري، تبرر ما عاشه ودفعه الأبرياء اللبنانيون من ثمن، وهنا قد يسأل سماحته حول من خول حزب الله بأن يكون شرطي النظام السوري، ومن منحه رخصة قتل وسلب المدن والقرى السورية المنكوبة، وهل تزداد قوة لبنان ولحمته بزج آلاف الشباب العابرين للحدود من أجل تنفيذ برامج مرجعيات طهران ومشايخها، وهل التفاخر بأن مقاتلي حزب الله سيعودون من سوريا يوماً أكثر كفاءة وخبرة يستحق الثناء، بينما أياديهم وأرجلهم ملطخة بلون الدم ورائحة الموت والدمار.
وحول تشكيل الحكومة اللبنانية لم يدخر السيد حسن نصر الله جهداً في الانتقاص منها رغم حداثة نشأتها، فتارة يصفها بحكومة تسوية ومصلحة وطنية، وأنها ليست متوازنة وجامعة، وتارة ينسب الفضل في تشكيلها لحزبه وحليفه حركة أمل، وتارة يطالب مبتسماً بابتسامة تحمل معاني الاستخفاف والإحراج لوزراء تيار المستقبل بأن يقوموا بواجباتهم في الحكومة المشكلة، متناسياً أن الحكومة هي حكومة الضرورة والواقع والتحديات، في لبنان المثقل كاهله سياسياً واقتصادياً بعد أشهر عجاف من الشلل والارتباك، وأن حزب الله بوجوده المسلح على التراب السوري وعبر الحدود اللبنانية المستباحة من قِبَله، قد كان لغماً يفجر الحكومات وينسف طاولات الحوار عن بكرة أبيها، ذلك عدا تمسكه وحلفائه بمبدأ الثلث المعطل، أو الثلث الضامن حسب رأيه، وكيف بعدئذ بوزراء الداخلية والعدل أن يغلقوا طريق السيارات المفخخة والصواريخ والقذائف المتطايرة من أن تنال وتصيب الأبرياء في لبنان.
ليس غريباً أو جديداً أن الساحة السورية قد غدت ملعباً لدول وجماعات تمول وتسهل وتشجع وتقاتل على الثرى السوري، وليس عجيباً غليان الواقع اللبناني فوق معاني التراشق والتصارع والاستحقاقات والفراغ، ولن يكون صعباً على حزب مسلح يرى زعيمه أن منهجيته وتغول فقهه السياسي والعسكري تعد كوكتيلاً محبباً قد لا يعجب خصومه، وأن انهيار النظام السوري وتدفق التكفيريين إلى لبنان سيخلق سماً رهيباً قد لا يعيه البعض، لكن السؤال يبقى حول من صنع وحضرَ هذا الكوكتيل، وحول من جعل السم حاضراً في لبنان يرغب أن يرتوي من ماء الاستقرار والهدوء والتطور!.
م.زيد عيسى العتوم

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية