الإعلام الأمريكي الذي يشبه بلاتوهات هوليوود… تاكر كارلسون يخرج عن النص

في المشهد الإعلامي الأمريكي، الذي يشبه إلى حد بعيد بلاتوهات هوليوود، حيث تُكتب النصوص بعناية فائقة لتوجيه عواطف الجماهير وتشكيل قناعاتها، كان تاكر كارلسون لسنوات يمثل دور «المؤدي» الرئيسي في مسرحية اليمين التقليدي، لكن وكما يحدث في الدراما حين يقرر البطل الخروج عن النص المكتوب في ذروة العرض، قرر كارلسون القفز من فوق خشبة المسرح، ليقف وسط الجمهور ويشير بإصبعه إلى الثقوب الواضحة في الستارة الخلفية التي تُخفي وراءها المخرجين الحقيقيين للسياسة الأمريكية.
هذا الانشقاق لم يكن مجرد تغيير في «اللوكيشن» من استوديوهات «فوكس نيوز» إلى فضاء البودكاست الرقمي، بل كان إعلاناً تزعزع له الخطاب الذي لطالما حكم العقل الأمريكي الجمعي، وكشفاً لآليات الهيمنة التي لم تعد قادرة على مواراة عيوبها.
لقد استعاد كارسون في خطاباته الأخيرة، سواء بوعي منه أو بمحض الصدفة البراغماتية، الأدوات النقدية التي وضعها إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي في نظرية «تصنيع الإذعان»، حيث تذهب هذه النظرية إلى أن الإعلام في النظم الديمقراطية لا يحتاج إلى رقابة عسكرية صارمة، بل يكفيه تضليل الحقيقة لتتواءم مع مصالح النخبة الحاكمة عبر قنوات الملكية والإعلان والتبعية لمصادر القوة.
كارلسون الذي كان يوماً جزءا حيوياً في هذه الماكينة، بدأ يمارس مهنة كاشف الستار عن السردية الأمريكية حول الحروب الأبدية، ليكشف أن الخطابات التي تُباع للشعب الأمريكي حول قضايا مثل غزة أو أوكرانيا هي مجرد منتج صناعي يتم طهيه في «غرف المساهمين»، الذين يمتلكون مفاصل الدولة، لا في صناديق الاقتراع كما تروج لها السردية الليبرالية.
لم تعد تساؤلات كارسون تدور حول «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، هذه الصياغة النمطية المتكررة في واشنطن كترنيمة مقدسة، بل حول «حق أمريكا في ألا تكون رهينة لمصالح أجنبية».

الاستنزاف المالي والأخلاقي

عندما يصف كارلسون ما يحدث في غزة بأنه «فظاعة» و»قتل جماعي»، ليس بالضرورة أنه يتبنى الرواية العربية، بل يتبنى دور المعلق القلق الذي يرى أن بلاده تُستنزف أخلاقياً ومالياً من أجل خرائط وتوسعات لا تخص أمنها القومي المباشر.
هجومه على رموز مثل السيناتور ليندسي غراهام وتيد كروز، ووصفهم بـ «الخونة» لمصالح بلدهم، يمثل التصدع الأكبر في جدار «الإجماع المصطنع»، الذي لطالما اعتبر المساس بالعلاقة مع إسرائيل خطاً أحمرَ يؤدي بصاحبه إلى العزلة السياسية.
وفي كادر مختلف تماماً، جاءت إطلالة كارلسون في برنامج «الليوان» السعودي مع المقدم عبد الله المديفر على قناة «روتانا» لتضعه في فضاء إعلامي غير مألوف بالنسبة له، وأمام جمهور يتابع تفاصيل الصراع يوميًا، ويملك حساسية مختلفة تجاه مفرداته. وهذا ما أدى إلى تفاعل لافت من قبل الجمهور.
ورغم أن المقابلة في «الليوان» حصدت الكثير من المشاهدات، وهو رقم يعكس اهتماماً نوعياً وتداولاً واسعاً، إلا أن التعليقات كانت هي المادة الأكثر ثراءً، فالجمهور العربي الذي اعتاد أن يُنظر إليه كمغلوب على أمره في السردية الغربية، وجد في كارلسون شريكاً في عملية التشكيك في الخطاب الغربي. لم تكن التعليقات تمجد كارلسون بصفته فيلسوفاً أو بطلاً أسطورياً، بل كانت تثمن قدرته على كسر احتكار الخطاب للحقيقة.
لقد تجاوزت هذه التعليقات مرحلة الانبهار بالآخر، لتتحول إلى ما يشبه المختبر الرقمي لتفكيك النفاق؛ حيث لم يعد المشاهد العربي يكتفي بالتصفيق لمن ينصفه، بل بات يحلل توقيت ودوافع هذا الإنصاف.
ثمة وعي جمعي بدأ يتشكل ويدرك أن كارلسون لا ينطق بلسان العروبة، بل بلسان الأمريكي المخذول، الذي اكتشف فجأة أن إمبراطوريته تُدار بعقلية (الوكيل لا الأصيل)، وهذا النوع من التفاعل يعكس تحولاً ملحوظاً في سيكولوجية المتلقي العربي؛ من مستهلك سلبي للبروباغندا الغربية إلى ناقد يراقب تزعزع السردية المركزية لواشنطن.

انقسام داخل المجتمع الأمريكي

في التعليقات العربية، برزت ثلاثة أنماط واضحة من التفاعل:
أولًا: التفاعل الترحيبي الحذر من فئةٍ من المعلقين اعتبرت أن مجرد طرح هذه الأسئلة داخل الإعلام المحافظ الأمريكي يمثل تطورًا لافتًا، وبعض التعليقات ذهبت إلى القول: إن الانقسام داخل المجتمع الأمريكي بدأ يتأصّل، وإن هذا قد يفتح الباب لتحولات أوسع في الخطاب الغربي.
ثانيًا: التفاعل النقدي الواقعي: شريحة واسعة رأت أن خطاب كارلسون – رغم نقده – لا يخرج عن إطار المصلحة الأمريكية، ولا يعكس تبنيًا حقيقيًا للرواية الفلسطينية وفي هذا السياق، ظهرت تعليقات من قبيل: «هو ينتقد الدعم لأنه مكلف لأمريكا، لا لأنه ظالم لغزة»، أو «النقاش عندهم يدور حول مصلحة واشنطن لا حول العدالة».
ثالثًا: التفاعل المتشكك أو الرافض، بعض المتابعين اعتبر أن الاهتمام العربي بخطابه مبالغ فيه، وأن التركيز على شخصية إعلامية أمريكية لا ينبغي أن يحجب جوهر الصراع نفسه، وفي هذا الاتجاه ظهرت تعليقات تحذر من صناعة أبطال مؤقتين في الإعلام الغربي بناءً على مواقف جزئية.
هذا التعدد في التلقي يكشف أن الجمهور العربي لم يعد يستهلك الخطاب الغربي بوصفه مرجعية عُليا، بل يفككه ويعيد تأطيره ضمن أولوياته وأسئلته الخاصة.

غزة قضية حرية داخل أمريكا

وفي الحقيقة نجح كارلسون في جعل غزة قضية حرية تعبير داخل الولايات المتحدة، وهو ما يتقاطع بدقة مع تحذيرات هيرمان وتشومسكي؛ فالديمقراطية التي تضيق ذرعاً بسؤال صحافي بسيط حول جدوى الانخراط في القتل هي ديمقراطية بدأت تفقد شرعيتها الأخلاقية.
إن ظاهرة تاكر كارلسون اليوم – بصرف النظر عن دوافعها البراغماتية – هي صورة واضحة على أن السرديات لم تعد تُصنع في مكاتب التحرير المركزية في واشنطن ولندن، بل باتت تُنتزع انتزاعاً في فضاء البودكاست والمقابلات في الفضاء الإلكتروني.
في الختام: يظل كارلسون مجردَ صوت ناقد في قلب الإمبراطورية، وصار تفاعل الإعلام العربي معه يعكس وعياً جديداً يرفض أن يُساق كقطيع خلف روايات «تصنيع الاذعان»، إننا أمامَ مشهدٍ جديدٍ؛ حيث أصبحت الحقيقة تُستخلص من بين الركام في غزة، لتصل إلى المشاهد في تكساس أو أوهايو، محملةً بمرارة الاعتراف بأن العالم قد تغير، وأن السرديات القديمة قد أُسدل عليها الستار، ولم يعد هناك من يصفق للمؤدين الذين أدمنوا الكذب.

 كاتب من الكويت

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية